الاسلام في مواجهة تحديات اللوبي الصهيوني: بقلم ـ د. حنيف القاسمى

قبل الخوض في الصورة السلبية للاسلام, والتي تقدمها معظم وسائل الاعلام الغربية والامريكية على وجه الخصوص, لابد من ذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا الشأن , حيث ان تجاهلها, او تجاوزها, لن يحققا تقدما في سبيل تغيير تلك الصورة التي تسعى تلك الوسائل الى اثباتها في الذهنية الغربية, وهي الذهنية التي يوجد الاستعداد لديها, ولاسباب سياسية معاصرة وخلفية تاريخية, الى الميل نحو تلقى, ثم قبول ما تبثه تلك الوسائل. اما المسائل التي تلح في هذا الشأن, فهى اننا وللأسف تعودنا, وفي سياق اراحة الذات من عناء المسؤولية, ان نلقى باللوم على اللوبي الصهيوني وحده فيما يتعرض له الاسلام من تشويه بالغ وضرر كبير في وسائل الاعلام الغربية. ولست هنا مبررا ساحة هذا (اللوبي) من الحملات التشويهية المشهودة. ولكني استطيع القول ان هناك تهويلا ومبالغة في تصوير حجمه, وتقدير أثره. وبحيث كانت لهذه المبالغة الأثر الكبير في احداث ذلك اليأس من تغيير تلك الصورة والذي نال المؤسسات والهيئات العربية والاسلامية في الدول الغربية. ولاشك ان هذا الامر يعد عاملا سلبيا يضاف الى ما هو معلوم بالنسبة لوضع الجالية العربية المسلمة ومؤسساتها التي تعانى اصلا من ضعف ظاهر. هو نتيجة لاسباب عديدة, اهمها سوء التنظيم, وغياب التنسيق, وضعف الامكانات المادية, وحالة التشتت التي تسود تلك الجالية في معظم الاحيان, هي انعكاس لما هو حاصل في البلدان العربية والاسلامية التي وفد منها أفراد تلك الجالية. لاشك ان ما تقدم يعد من المعوقات التي تشكل تحديا كبيرا للوجود العربي الاسلامي في الغرب. وكان لذلك بالطبع انعكاسه على مدى التأثير الذي يمكن ان تحققه تلك الجالية في ظل واقع لا يعترف, كما هو مشهود, الا بمنطق القوة, وسطوة المال, ونفوذ وسائل الاعلام. الامر الاخر الذي يلح هنا هو التساؤل عن الدور المتوقع للدول العربية والاسلامية من خلال اجهزتها ومؤسساتها الثقافية والاعلامية, وأحسب ان هذا الامر في غاية الأهمية. وحتى يوجد اسهام فاعل من قبل تلك المؤسسات فلابد ان يسبقه وعى بضرورة اداء دور هام في ازالة ما لحق من ضرر وتشويه بصورة العربي المسلم بسبب انتمائه العقدى, ثم بالمبادئ التي يدعو اليها الاسلام. يضاف الى ذلك بطبيعة الحال تقديم الاسلام في صورته الحقيقية, المتصف بالسماحة واليسر, المقر بحق الآخر في اعتقاده ومذهبه, المستوعب لفكره وثقافته. واذا تحقق ذلك, وتم بناء القاعدة التي تهيء الاجواء المناسبة, كانت هناك فرصة كبيرة للتأثير في الرأى العام الغربي, ولدى المؤسسات النافذة في منظومته في سبيل خدمة القضايا العربية. وليس جديدا القول بان اسرائيل ومن ورائها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة قد اخترعا اسلوبا متقنا للتأثير الذي نرجو ان يتحقق للعرب والمسلمين هناك. وقد وظفت اسرائيل, وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف, كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة مستفيدة في ذلك من بعض المصائب والمشكلات التي مر بها اليهود. ولعل ما اصاب اليهود على ايدي النازية كان من اهم الاسباب التي سهلت لليهود الترويج لصور ذلك اليهودي المسكين الذي يتعرض لابشع مظاهر الابادة والاستئصال بسبب معتقده الديني, وهي الصورة التي يحرص على ترسيخها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية, في سبيل استنزاف الاموال والحصول على مزيد من التعاطف الشعبي والتأييد الرسمي. يضاف الى ذلك امر لا يقل اهمية عما تقدم, وهو المتمثل في الاختراق الثقافي للمسيحية, والذي نجح فيه اليهود الى حد كبير من الشواهد على ذلك التقارب المستمر بين الكنيسة الكاثوليكية واسرائيل, ثم تبرئة اليهود من دم المسيح, وأخيرا القول بأن المسيح كان يهوديا, بل وابنا حقيقيا لاسرائيل. هذا الاختراق اليهودي, بالاضافة الى ما تقدم من النفوذ القوى للوبي الصهيوني في الساحة الغربية, حققا نوعا من الحصانة لكل شيء ينتمى الى الثقافة اليهودية والى الفكر الصهيوني, وبحيث يتردد الكثيرون, ومنهم الغربيون المسيحيون, في المساس بأي مظهر من مظاهر تلك الثقافة او التشكيك في ذلك. في هذا السياق اذكر تلك الضجة الكبرى التي احدثتها المقابلة التي اجراها لارى كنج في محطة سي ان ان في عام 1996 مع الممثل الامريكي البارز مارلون براندو, والذي شكك فيها في مصداقية الصورة الواحدة التي قدمتها هوليوود لليهود, ومحاولة ترسيخها في الذهن الامريكي, والتي حولت بموجبها الى اداة عمل سياسية لصالح المشروع الصهيوني ودولة اسرائيل. وتتمخض تلك الصورة في ذلك الشخص اليهودي الطيب الودود المسالم المظلوم, والذي واجه معاناة شديدة في سبيل الاستمرار في الحياة فقط, وهو محاط بفئات شريرة تريد استئصاله. المهم انه في اعقاب ذلك التصريح الذي ادلى به براندو, قامت قيامة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة, وذلك مع الرغم من أن براندو لم يجرح في حديثه ذاك اليهود, او يشتمهم, او يحط من شأنهم, بل كان حديثه وصفا لواقع هوليوود. مثال براندو يصدق على كل حالة مشابهة يمكن ان تشير, ولو من بعيد, الى ذلك اللوبي وتأثيره على اي مظهر في الحياة العربية. وتبدو المفارقة مثيرة وغريبة عندما يقارن المرء بين هذا التعرض (الخفيف) لدور صهيوني وما تتعرض له ثقافة امة يقدر تعدادها مليار شخص يمثلون خمس سكان العالم حيث تواجه الحملات التي تستهدف هذه الثقافة صمتا عربيا اسلاميا مشينا. مدير جامعة زايد بالانابة*

تعليقات

تعليقات