مفردات معاداة الاسلام في الرأي العام الغربي: التناقض والتضاد ليس بين المسيحية والاسلام بل بين الاسلام والغرب

لاشك ان اندلاع حرب الخليج الثانية كان نقطة فارقة في انتشار الدعاية الغربية السلبية المجافية للحقيقة بشأن الاسلام والمسلمين في المنطقة العربية بشكل خاص , فقد كانت الحرب فرصة سانحة لكي يكتشف القائمون على وسائل الاعلام الغربية القيمة التسويقية العالية لتصوير الاسلام كعدو.. وتحت عناوين على شاكلة: (سيف الاسلام) , (التحدي الاسلامي) (السعي في سبيل الله) , (النار للكفرة) , (السيف الأخضر) , (مخلص جديد لا يعرف التسامح) شرعت القنوات التلفزيونية والصحف اليومية والاسبوعية والكتب ايضا في تناول تفاصيل الصورة الوهمية عن الاسلام والمسلمين دون ان تلقي بالاً للتيارات المختلفة والابعاد المعقدة الاجتماعية والعرقية والاقتصادية والثقافية والسياسية في البلدان الاسلامية, فعرضت الاسلام ككتلة واحدة, وساوت بين (الاسلام الحقيقي) (كما تدعي) والاصولية بطريقة مباشرة او غير مباشرة, واججت من خلال التوصيفات السطحية المشوهة مخاوف مرضية من خطر محدق بالثقافة الغربية ولان المواطن العادي في غرب اوروبا وامريكا مازال ينظر للشرق كقطب مناوئ للغرب, ومغاير للثقافة المسيحية, ومازالت منطقة الشرق الاوسط غريبة بالنسبة له رغم كثافة وسائل الاتصال في العصر الحديث فقد سادت في التسعينات وبسرعة شديدة الأحكام التقليدية المكررة والاكلاشيهيات الثابتة في التعامل مع الظاهرة الاسلامية. بدلا من الدراسة العلمية او على الاقل النظرة غير المتحيزة, ورسمت افكاراً مثل العدوانية والوحشية والتعصب واللاعقلانية ورجعية العصور الوسطى ومعاداة المرأة تفاصيل الصورة الغربية عن الاسلام, اما الجانب الايجابي في تلك الصورة فلا يتعدى (قصص الف ليلة وليلة) او (القهوة الشرقية اللذيذة) او (الرقص الشرقي) ! وزاد الطين بله خبراء وهميون, أكدوا الأحكام المتميزة المسبقة واوهام الغرب عن اعدائه ولم تفد محاولات بعض المستشرقين (المستنيرين) في ازاحة (الدعاية المشوهة) عن ذهن المواطن الاوروبي واستبدالها بالتحليل العلمي الجاد لواقع العالم الاسلامي. الخطر الاسلامي في التسعينات وتأثرت تصورات الرأي العام الغربي عن الاسلام بما يصله من فيض الاخبار والصور المفزعة عن (المسلمين المسلحين) متعصبي القرآن الذين يقومون بأعمال عنف, شاهرين اسلحتهم لابادة اصحاب العقائد الأخرى في حرب عقائدية تهدد الغرب في وسط اوروبا في يوغسلافيا السابقة, كما كتبت مجلة دير شبيجل الالمانية ذات مرة تحت عنوان: قريبا تجد اوروبا دولة دينية على عتبة بابها) او ما تبثه شاشات التلفزيون من (مظاهرات لجماهير مسلمة ترفع لافتات معادية للغرب) , يصاحبها تعليق يصور المسلمين باعتبارهم (في حالة نزاع داخلي دائم كما في حالة افغانستان او في حالة عداء للآخرين وأولهم الغرب) .. وكثيرا ما تصور (العدوانية) كطبيعة للاسلام والمسلمين, فيقول الكاتب الفرنسي (جان كلود بارو) في كتابه (المخلص الذي لا يرحم ــ حرب الاسلام ضد العالم الغربي) : (ان ما يمكن ان نسميه اشد درجات الرغبة في اذلال الآخرين موجود في الاستعداد النفسي الأصيل لدى المسلمين ومن أصل عقيدتهم, فهي عقيدة حربية عدوانية تسعى للسيطرة والتوسع, وتشحن الفرد باحتقار غير المسلمين, والاسلام في مجمله عدو للغرب لانه يؤمن بلاهوت الغزو والفتوحات والانتصارات ولا يرضى بلاهوت الهزيمة) ولا تتورع مجلة ألمانية محترمة (دير شبيجل) من ان تكتب في نفس السياق ان (الايمان العميق بتعاليم الاسلام يتوجه نحو قهر غير المسلمين, فيوصي الرسول اتباعه برسالة عالمية تعتمد على القوة الغاشمة, كما هو مذكور في بعض آيات القرآن) !! وتنصب هذه الملاحظات على مفهوم (الجهاد) عند الجماعات المتطرفة, والذي يحتمل بالطبع تفسيرات مختلفة من بينها جهاد النفس, ولكن وسائل الاعلام الغربية تظهر استخدام القوة كتعريف وحيد للجهاد فتقول (دير شبيجل) الرصينة والاوسع انتشارا في المانيا على سبيل المثال ان (جيوش القرآن تشحذ سيوفها في كل مكان للانتقام من الغرب, بسبب الهزائم المريرة التي مني بها المسلمون في القرون الماضية.. منذ ان خدع صلاح الدين الايوبي على يد الغرب المسيحي! واذا كان الغرب في بدء التسعينات قد استعرض تفوقه العسكري المروع على (بلد اسلامي) جيد التسليح ذي خبرة بالحرب هو العراق ولازال يستعرض... فمن اين يأتي الشعور بالتهديد الاسلامي؟ هل المصدر هواجس نفسية ذات بعد تاريخي ام الاختلاف الثقافي ام احساس دفين بالضعف؟ تجيب عن هذا السؤال صحيفة (تاجيس تسايتونج) الرموز الاسلامية بحد ذاتها تثير القلق في نفوس الغربيين. كما توضح حالة التلميذات المحجبات في فرنسا اللاتي رفضن خلعه اثناء الدراسة.. وفصلهن مدير المدرسة لان ارتدائهن الحجاب بانتظام يحمل سمة التحدي والعدوانية كما قال في حيثية قرار فصله لهن, ولم يكن مدير المدرسة ليصل الى هذا الحكم لو ان الامر كان يتعلق مثلا برمز مسيحي, بينما فهم ارتداء الحجاب على الفور بوصفه اعتداء على الثقافة الغربية. وادعى مسألة الطابع العدواني. وفي مقالة بعنوان: الراديكالية الاسلامية وتهديد اوروبا, يشرح الكاتب الالماني يورجين ليمنسكي (الخطر القادم) بان (عناصر غير عسكرية شديدة الاهمية تدخل ضمن عناصر الخطر القادم من العالم الاسلامي الذي تتعرض له اوروبا وهي العناصر الثقافية والاجتماعية لان استخدام القوة ليس العنصر الوحيد في تحقيق (الرغبة في الغزو) و(ارادة السيطرة على الآخرين) .. ويؤكد كاتبان اخران (بيترشول لاتور) و(جيرهارد كونتسلمان) انه لا مفر امام الغرب من ان يشتبك مع هذه الثقافة الشرقية الغربية.. ولا يسهل من وجهة نظرهم وجود المسلمين على مقربة من اوروبا في المغرب او منطقة البلقان, او حتى داخل الدول الاوروبية كعمالة اجنبية تركية او جزائرية او مغربية وتونسية تفهما لتلك الثقافة الوافدة, بل يرفع درجة التهديد, مما يدعم الاحساس بالورطة لدى الرأي العام الغربي المتلقي لتلك التحليلات التي تستبعد اي نوع من التفاهم وامكانية الحوار الحضاري, وتؤكد بدلا من ذلك على التناقضات التي لا يمكن تجاوزها او تخطيها الى حد ان بعض المستشرقين في جامعة هامبورج وجهوا منذ سنوات اتهاما جماعيا صريحا لبعض خبراء الاعلام بانهم يعملون باساليب غير نزيهة على توسيع وتعميق الفجوة بين الثقافتين الاسلامية والغربية.. الاسلام أصولي بالضرورة! بينما لا يعتبر كثير من المواطنين الغربيين انفسهم مرتبطين بالمسيحية كدين وانما يرتبطون بها كثقافة, فانهم على العكس ينظرون الى الاسلام كدين فقط, وليس كقيمة ثقافية عظيمة, مما يدعم شعورهم بالخطر, خاصة عندما يتعلق الامر بما يسمى (الاصولية الاسلامية) , التي توحي اليهم بالعودة الى العصور الوسطى, وتفتح تداعيات لافكار حول التوسع والقمع مدعومة بفكرة كراهية كل ما هو غربي... ورغم ان الاصولية ظاهرة عامة في الاديان الاخرى المسيحية واليهودية فان وسائل الاعلام الغربية تحيل الاصولية الى الاسلام في المقام الاول, وتجعله مرادفا لها, حتى ان مجلة اقتصادية محترمة مثل (الايكونوميست) تردد القول بان الاسلام اصولي بالضرورة, ولا يلاحظ الاعلام الغربي التوجهات السياسية المختلفة المتراوحة بين الليبرالية اليسارية والديمقراطية الاجتماعية في العالم الاسلامي حسب شهادة المستشرق رايهاردشولتسه في احد مقالاته عن الاعداء الجدد بل يفضل الحديث عن المسلمين المسلحين والمتعصبين للدين والشباب المشحون بافكار دينية تقليدية, ولا يقتصر الامر على صحافة الاثارة, بل يمتد الى صحف محترمة ووسائل اعلام رسمية ومسؤولة وغالبا ما تنسب تهم كالعداء للتقدم والافكار السياسية الرجعية وتمني العودة الى القرون الوسطى, وكثيرا ما يُرمى الاسلام نفسه بهذه التهم, وتقوم وسائل الاعلام بصك تعبير التمرد على الحضارة كما كتب توماس ماير في كتابه (الاصولية ثورة على الحضارة) وبخلق قطبية ثنائية من الحضارة الغربية والسلفية الاسلامية.. فنقرأ في احدى المجلات.. الاسلام اكثر اديان العالم عدوانية, يشحذ المؤمنين به (1,2 مليار مسلم) بطاقة ثورية, ويسبب الاصوليون الحرج والارتباك لرؤوساء وحكام الشرق الاوسط, وينفخون في اتون الكراهية للقيم الغربية ويعتبرون انفسهم روادا ومجاهدين من أجل نظام عالمي اسلامي.. وهكذا من خلال الخلط بين مصطلحات مسلم او اسلامي وبين اصولي او متعصب نسب الى الاسلام نفسه كل ما يسمى (اصوليا) ويستخدم كثير من الكتاب دعاوي الاصوليين نفسها. فلا يعترفون بعملية التطور التاريخي للاسلام, ويعرفونه على أساس مرحلته الاولى او من خلال بعض النصوص الدينية المجتزأة من سياقها, فتحتل قصص من صدر الاسلام مساحة كبيرة من صورة الاسلام في وسائل الاعلام الغربية, اعتمادا على ادعاء الاصوليين بان الهوية الحقيقية للاسلام تكمن في عصره الاول, مما يؤدي الى عدم توجيه الاهتمام نحو تشابكات التاريخ الاسلامي وظروفه المعاصرة وتأكيد انطباع عام بان منطقة الشرق الاوسط كلها لم تشهد اي تحول تاريخي.. ويميل الكتاب الغربيين عادة الى الاستشهاد بمقولات وآراء لأصوليين اسلاميين, دون مقولات وآراء اسلاميين مستنيرين, لكي يبرهنوا على (اصولية الاسلام) , كما فعل الكاردينال (فرانتس كونيش) في (دى تسايت) الاسبوعية الالمانية المحافظة الرصينة (!) لكي يبرهن على الصلة الوثيقة بين السياسة والدين في العالم الاسلامي, والخطأ الأساسي الناجم عن مثل هذه المعالجة هو التعامل مع الدين باعتباره المفسر الوحيد بداهة ودوما للظواهر المختلفة في المجتمعات الاسلامية.. الجماهير في الصورة دائما جانب آخر من المخاوف الغربية تجاه ما تسميه (التهديد الاسلامي) يمثله الانفجار السكاني في دول الشرق الاوسط والذي وصلت آثاره الى اوروبا من خلال موجات اللجوء والهجرة, وينحصر الخوف هنا في تهديد (الرفاهية) التي تنعم بها اوروبا وذوبان ثقافتها, فكثيرا ما تجرى احاديث وحوارات في وسائل الاعلام عن (الجماهير العربية او الاسلامية) بينما لا نسمع على الاطلاق كلمات مثل (الجماهير الاوروبية او الامريكية او المسيحية) , ونادرا ما نجد صورة لمسلم منفردا, بل دائما, يصدر المسلمين في مجموعات كما يشير يورجين لينك في انتقاده لتعبيرات وسائل الاعلام الغربية الموظفة لتصوير الاسلام عدوا للغرب فيبحث مثلا خبير مزعوم في شؤون الشرق الاوسط عن التهديد الاسلامي في علم الديمجرافية قائلا في مقابلة تلفزيونية (نصف الثلاثة وخمسين مليون ايراني تحت سن الــ 15 سنة, وفي تركيا زاد عدد السكان من 20 مليون نسمة عام 1950 الى 50 مليون عام 1997, وفي الجزائر حاليا 25 مليون نسمة كانوا اقل من عشرة ملايين نسمة سنة 1962, وفي مصر زاد عدد السكان ثلاثة اضعاف ما كان عليه في الخمسينات, بذلك يزداد الضغط من شمال افريقيا على جنوب اوروبا.. وتصل المخاوف الى قمة اثارتها عندما تزواج وسائل الاعلام الغربية بين عنصري (الاصولية الاسلامية) و(الكتل البشرية) وبناء على التزايد السكاني يرتفع الضغط الوهمي على البلاد الاوروبية, وتتوافد الكتل البشرية, مرة كعمالة اجنبية ومرة كلاجئين وتقيم في اوروبا ومعها ثقافتها الاصولية المعادية للغرب دائما!.. عند هذه النقطة يتلاقى العداء للاسلام مع العداء للعالم الثالث باعتبار ان موجات الهجرة واللجوء تهدد قلعة الرفاهية في اوروبا. وتحوي صورة الكتل البشرية جانبا آخر من التهديد, حيث تظهر عدم الاهتمام بالفرد واهماله, فالكتلة البشرية ليست شخصا فردا, بل هي (ظرف او حالة مخيفة) , ويزداد الانطباع الناشيء عنها حدة عند ربطه بالحماس والتعصب, ففي استطلاع للرأى اجري في فرنسا اجاب ثلاثة من بين كل اربعة اشخاص على سؤال عما يمكن ان ينطبق عليه تعبير متعصب بانه الاسلام (!) وبأن جماهيره المتعصبة تأتي بمآسي لا يمكن حساب عواقبها, وكما جاء في كتاب الامريكي (جون لافين) (الاسلام ــ التعصب يهدد العالم) الذي يساوى بين التعصب والاسلام حسب عنوان الكتاب نفسه فان التعصب بالنسبة للغرب يمثل عموما سمة سلبية, وفي ظل ظروف معينة يمثل سمة خطيرة ومرضية, ومن السهل ان تنقلب الى الجنون, فجأة وبلا مقدمات, اما الغربيين فعلى العكس تماما كما يرون انفسهم. الجنون وتعذيب الذات اشخاص واقعيون وعقلانيون!.. ويعتبر كثير من خبراء الاعلام الغربي المزعومين سمة الحماس والاندفاع والتعصب سمة مميزة للمسلم, فتصور صحيفة (بيلد تساتيونج الالمانية) صدام حسين اثناء حرب الخليج شخصا مخبولا, ويختلق هؤلاء الخبراء للمسلمين والعرب بناء فكريا غريبا, فيصف هانزبريكر في كتابه لن يحدث سلام, الاسلام بين شقى رحى الشرق والغرب (الواقع السياسي في البلدان الاسلامية باللاعقلانية واليوتوبية) .. ويشارك احيانا في رسم هذه الصورة الهزلية كتاب عرب, يعانون من مشكلة التكيف في اوروبا. مثل السوري بسام طيبى الذي كتب تحت عنوان صعوبات تواجه الاوروبي في فهم السياسة العربية تأملات حول حرب الخليج تسير الجماهير العربية وراء ديكتاتورياتها وحكامها المستبدين معصوبة العينين الى اشد الاوهام عمقا, حيث تمر اولا بمراحل مريرة من خداع النفس قبل ان نكتشف وتتأكد في النهاية انها خدعت, ولكنها لا تتعلم فتترك بطلا يسقط وتبحث عن خليفة له, هذا هو المسلم الأساسي في الثقافة السياسية للشرق يستكمل ذلك التصوير الشائه جيرهارد كونتسلمان في حوار تلفزيوني عن طريقة التفكير الاخرى للمسلمين: (انهم يوجهون ويحركون بأسلوب اخر, يعرفه صدام حسين جيدا, عندما يؤكد ما يقوله (رافعا سبابته في الهواء) بمعنى الوعيد والتهديد الذي يفهمه المسلمون ويستجيبون له على الفور. هذا التصور عن الجماهير العربية التي لا تستطيع استيعاب دروس التاريخ والمريضة بحب تعذيب الذات خاطئ تماما, فالبشر في الشرق والغرب على السواء لا يحبون ولا يتمنون القهر, وبغض النظر عن ذلك فان استدلالا وتصورا بهذا الشكل يمكن ان ينسحب على التاريخ الألماني المسيحي, ولكن خبراء الاعلام الغربيين لا يتوقفون عند هذا التناقض الفكري بل يزايدون في صنع الحواجز والفروق بين الشرق والغرب, ويغذون القطبية الثنائية, الغرب عاقل والشرق رجعى مجنون, فيسقط الشرق حتما من الحسبان كطرف متكافئ, يمكن الحوار معه فالمجانين خطرون ويصعب التنبؤ بتصرفاتهم, ولا يمكن التعامل معهم بندية, والافضل الابتعاد عنهم!. التفوق الغربي وما دام الامر يتعلق بعدو او بناء تصور عن عدو, فينبغي ان تتحدد الجبهات بوضوح اكثر وان ترسم الحدود الفارقة بين الصديق والعدو, ان تعد خريطة ذات حدود صريحة, فيقول يورجين ليمنسكي ان (غالبية الدول الاسلامية تعيش في عالم من العلاقات بازارات ومساجد وآلات قمع لا يمكن فهمها حسب المعايير الاوروبية!!) .. ثم يرسم صورة لتشابك مبهم يصعب اختراقه وينطوى على توتر وقلق, في تلك الصورة يبدو الغرب متقدما عقلانيا مستنيرا علمانيا, والاسلام رجعيا متعصبا اصوليا لا عقلاني.. والطريف ان التناقض والتضاد ليس بين الاسلام والمسيحية, بل بين (الاسلام والغرب) .. اي مقارنة بين دين ومنطقة جغرافية ثقافية.. يقول الفرنسي كلود بارو (المجاهدون المسلمون لا يفهمون ما يحدث امام اعينهم, ولا يعترفون بان الحضارة الحديثة هزمتهم, وان عقلانيتها تفوقت عليهم, ليس في الماضي فحسب عندما وصل نابليون ارض مصر في يوليو 1798 بل وفي الحاضر والمستقبل ايضا.. انهم يفضلون شراء الاسلحة, ولكن انتصار الغرب لا يعتمد فقط على نوعية السلاح, بل ايضا على طريقة استخدامه والمعنى دقيق وثابت.. الغرب يتجاوز ويفوق الشرق والابعد من ذلك ان الشرق غبي بدرجة لا يدرك بها ذلك التفوق.. وترسم آراء كارل ماي الذي لم يزر الشرق ولو مرة واحدة في حياته صورة التفوق الاوروبي ايضا (اذا ما ارتدى الاوروبي الانجلوساكسوني زي العربي تفوق عليه وتحدث اللغة العربية افضل منه, وعرف الاسلام والقرآن بصورة افضل من المسلمين دارسي القرآن, بدرجة تمكنه من الحركة باقتدار داخل الثقافات الشرقية, افضل من علماء الجبرية انفسهم. هذا التصور الذي كتبه كارل ماي منذ عشرات السنين اثر كثيرا في الألمان على وجه الخصوص بما يفوق آراء البحث العلمي المتخصص عن العالم الاسلامي. التفوق الغربي كمفردة من مفردات الخطاب الاعلامي الغربي يدفع في الاتجاه نحو عدم محاولة تفهم العلاقات الدقيقة داخل المجتمعات الاسلامية, وسعي البلدان الاسلامية للحاق بالمجتمعات الصناعية الحديثة دون التخلي عن هويتها الاسلامية ويبرر هذا التفوق الغربي استعراض السيادة الغربية على العالم العربي والاسلامي الى حد صياغة (القدرة على القتال بكفاءة) كقرينة على التفوق الغربي, ويبرر في الوقت نفسه الاجراءات العسكرية وكثرة القتلى والضحايا نتيجة للحرب (حرب الخليج الثانية تحديدا) من خلال الادعاء (بتخلف الخصم) و(القيمة الوضيعة للضحايا) فيقول جيمس فارينجتون قائد عسكري امريكي اثر هجوم بالهيلوكوبتر على مواقع عراقية (ضبطناهم بدون ملابسهم الداخلية.. فلفوا انفسهم بالمشمع.. كانت العملية كما لو كنا نصطاد (ديوك رومي!) وعن تخلف المستوى التقني في كثير من الدول الاسلامية تصور وسائل الاعلام الغربي تلك (الحقيقة) كما لو كان البشر في منطقة الشرق الاوسط لا يستطيعون او ليسوا اكفاء بما يكفى لكي يرتقوا الى مصاف الامم الصناعية, وكأن التخلف التقني موروث من القرون الوسطى وليس نتيجة لأسباب اقتصادية او سياسية, كان الغرب نفسه احد اطرافها, وكأن الدول النامية التي تنتمي لدوائر ثقافية متباينة, بما فيها المسيحية, لا تعاني كلها من مشاكل تقنية واقتصادية متشابهة, اي ان الدين ليس وحده العنصر الفاعل في التخلف التكنولوجي.. فيقول احد الكتاب المغالين في ضيق الافق (ستظل بنجلاديش الى الابد بلدا ظلمها القدر بوحشية بسبب سكانها, فلو استبدلناهم بالهولنديين, ستظهر في غمضة عين القنوات والترع والسدود وطواحين الهواء في وادي نهر الجانجا) (!). من بين الملامح الاخرى على فكرة التفوق الغربي تصوير حقوق الانسان باعتبارها منتجا اوروبيا, ويصور الاسلام على العكس كمعاد لحقوق الانسان, فيكتب صحفي الماني: (حرية الفكر ليست مطلبا اسلاميا, مثلها في ذلك مثل اي حق من حقوق الانسان) بمعنى آخر اي الاسلام لا يضمن اي حق من حقوق الانسان! صحيح ان الوضع الحالي لحقوق الانسان والديمقراطية مزعج الى حد ما في معظم الدول الاسلامية من التعذيب الى الرقابة على الصحف والتفرقة في المعاملة بين الرجل والمرأة. الا ان وسائل الاعلام الغربية تصور (الاسلام) في هذا السياق كآفة اساسية وتفضل توجيه الاهتمام الى ما يقدمه (دعاة الاسلام) وكأنهم يرفضون حقوق الانسان المستوردة من تراث الفكر الغربي, وقد يكون هذا الموقف موجودا في المجتمع الاسلامي, ولكنه ليس الموقف الوحيد, ويجب الا ننسى ان حقوق الانسان قد ديست بالنعال في الدوائر الثقافية الغربية المسيحية, وكثيرا ما رفضت صراحة, وتذخر امريكا اللاتينية والتاريخ الاوروبي بكثير من الأمثلة, ويجب الا ننسى ايضا ان انتهاكات حقوق الانسان ترتبط الى حد بعيد بحدة الصراعات الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي لأنماط الحكم في الشرق او الغرب على السواء.. وغالبا ما يتم تفسير (تخلف) الدول الاسلامية خطأ بان المسلمين مكبلون بعقيدتهم, التي تعرقل او تمنع اي عملية تحديث, وان هناك موقفا رافضا لمفاهيم مثل التنوير او حقوق الانسان او الديمقراطية باعتبارها منتجا غربيا, كان ولايزال قائما.. ولكن ذلك يصب في أهمية الحوار والمراجعة مع أصحاب تلك المواقف, مع الوضع في الاعتبار انها لا تسيطر على المعسكر الاسلامي في المستويين الثقافي والاجتماعي العام بل ان الحوار السائد في العالم الاسلامي والعربي على وجه الخصوص يدور منذ سنوات حول نقد التراث الخاص ونقد انماط الحياة وتفكير الغربيين.. بقلم ـ أيمن شرف

تعليقات

تعليقات