لماذا يعادي الغرب الاسلام؟ بقلم ــ أندريا لويج

من الواضح ان هناك مطلبا عاما في الغرب الاوروبي وامريكا لتأكيد وإبراز سيادة الغرب وثقافته على البلدان الاسلامية.. فما الأهداف التي يحققها تصوير الاسلام كعدو بالنسبة للمجتمعات الغربية ؟ يحفل العالم بغربه وشرقه على السواء بقيم العنف ومعاداة المرأة والتعصب واللاعقلانية, وتذكرنا احداث الاعتداءات على الاجانب في وسط اوروبا ــ ألمانيا تحديدا بما يختفي تحت قناع حضارتنا اللامع من اتجاه قوي نحو الدين والاصولية في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية.. ففي العام 1992 اثارت الجماعات الاصولية في (بايرن) الرأى العام عندما طالبت بمصادرة كتاب اطفال معروف (الساحرة الصغيرة) للكاتب (اوتفريد برويسلر) لانه (يسخر من كشف الغيب) , وطالبت بإقامة رياض اطفال اصولية, واستمرت تلك الحملة عاما كاملا.. مثل هذه الأحداث لا نعتبرها في الغرب صراحة جزءا او طابعا مميزا لثقافتنا, بل نزعم انها تجرى خارجه وكأنها لا تتصل بنا وانها مجرد استثناءات.. كذلك الرايخ الثالث (فترة حكم هتلر) نعتبرها مجرد حادثة تاريخية, لا ترتبط بثقافتنا بينما نطبق معايير مختلفة تماما كلما صادفتنا ظواهر مشابهة في الثقافات الاخرى, وخاصة الثقافة الاسلامية, فلا نعتبرها مجرد نتوءات وانما نقدمها ونقيمها باعتبارها وثيقة الصلة بالاسلام وثقافته, ولا تنفصم عنه ويدعم رؤيتنا تلك (جهل تام) بالثقافة الاسلامية. يقول (ارمجارد بين) و(مارليز فينيد) في دراستهما عن صورة المرأة المسلمة في وسائل الاعلام الغربية انه من الغريب والمدهش حقا هذا التناقض الكبير بين (معرفتنا بالاسلام) وبين (الثقافة الاسلامية نفسها) وبين (ثقتنا الشديدة في اطلاق الاحكام عليها) .. حيث لم يحدث ان استنكر جهلنا الشديد بالثقافة الاسلامية ولو مرة واحدة, بل ان النقد والاتهام يوجه باستمرار الى تلك الثقافة دون ادنى حرج. ودائما ما تتكرر في اي حوار حول الاسلام عبارة: (انني لا اعرف شيئا عن الاسلام, ولكن.. ولا نفيق نحن عند (لا اعرف) هذه, لانها تسمح ببناء تصور عن عالم اخر (عالم اسلامي) لا يتسق مع الواقع غالبا, والمطلوب من حقيقة الامر هو فصل (نحن) عن (الآخر) , فصل (الداخل) عن (الخارج) فصلا لا ينمحي, لكي يؤمن حدود الهوية الغربية وحضها, بمعنى ان الوجود الغربي يستوجب رسم حدود ثقافته بأي طريقة, وهنا تظهر الكلمة السحرية ذات الحروف الخمس (اسلام) فتنشر الفزع حسب قول راينهارد شولتسه استاذ الدراسات الاسلامية والعربية في جامعة هامبورج, هذا التصور لا يقلقه او يزعجه غير ملاحظة التشابه والتوازي بين الثقافتين فالتشابه يعنى التعرف على انفسنا في (الاخر) ويعنى ان تنمحي خصوصية منظورنا عن انفسنا, لذلك يتم التأكيد دوما على غيرية ومناقضة البلدان الاسلامية وثقافتها, ويصاغ الشرق عموما كنقيض للغرب, بهذا يخلق المرء لنفسه قطبا مضادا. يؤكد من خلاله ذاته وقيمه, ويشكل في مواجهته مفهوم العالم الغربي. يحلل هذه الجزئية استاذ السياسة الدولية بجامعة دويزيورج (فرانتس نوشلر) بقوله: (لقد تطورت واتضحت معالم الدولة الصناعية الغربية كخصم للاشتراكية الواقعية في السنوات الاربعين الماضية, وفجرت الحادثة العارضة (انهيار الاتحاد السوفييتي) التي قطعت ذلك التعريف الخلاق للهوية ضرورة البحث عن بديل وقدّمه الاسلام نفسه من خلال حرب الخليج التي اعتبرت من قبل طرفها العربي والاسلامي ايضا حربا ضد الغرب ومثل الشرق شاشة عرض ظهرت عليها قيم سلبية في ثقافتنا, كاضطهاد المرأة, وهي قيمة موجودة في ثقافتنا ولكنها أوضح في البلدان الاسلامية, لذلك تستوجب النقد بسرعة وإلحاح. وكالمقارنة بين صدام حسين وهتلر التي صكها (جورج بوش) , ثم اخذها عنه المثقفون الغربيون.. هذه المساواة بين صدام وهتلر تجعل من تاريخنا الغربي المرير امرا هينا وبسيطا. ولا يعنى نقد (تأكيد الذات) من خلال الآخر الاسلامي عدم تباين الثقافة والمجتمع الاسلامي, بل يعني خطأ ومغالطة العرض غير المتوازن لأوجه التشابه والاختلاف, والتقييم بالسلب لكل ما يبدو مختلفا عن ثقافتنا بصورة آلية من خلال وسائل الاعلام, لان ذلك من شأنه الا تتحقق محاولة فهم الآخر, بل من شأنه الوصول الى أبسط الحلول الممكنة التي تقول ببديهية الثقافة الغربية.. اذن هي الافضل! ومن هنا لا تظهر الدول الاسلامية امام الرأى العام الغربي كنظام ثقافي متكافئ. بما يقتضى منا ان ندرك تباينها او تشابهها مع ثقافتنا والحوار معهما, اي نقدها من ناحية, ومن ناحية اخرى الاقرار بوحدتها وبما هو ايجابي او سلبي فيها, بذلك يمكن مراجعة قيمها الخاصة وطبيعة ثقافتها.. لكن للاسف.. لانه لا ينبغي بأي حال تدمير صورة الذات الايجابية النموذجية للغرب بتحول صيغة الاسلام كعدو الى عكاز تتكىء عليه الهوية الثقافية الغربية.. واذ يرتبط العداء للاسلام بالعداء للعالم الثالث بشكل وثيق, فتكاد تنطلق من (الجنوب الفقير) هكذا تصور وسائل اعلامنا اخطار وتهديدات ذات طبيعة اجتماعية او سياسية او عسكرية او ثقافية.. وينتمي العداء للاسلام الى خوف عام من العالم الثالث الذي يبدو بالاضافة للشرق الاوسط. كمنطقة عدم استقرار وقلاقل وحروب عرقية واهلية وعنف غير مفهوم وامراض وأوبئة وآفات اخرى لا تحصى.. وتقف المناطق الفقيرة غير المستقرة (في مواجهة الغرب) دقيق البناء, الغني المنظم وتبرز اهمية رفاهية الغرب من واقع الخطر والمتاعب في الدول النامية, لذلك ينبغي الدفاع عن الرفاهية نفسيا ومعنويا, وماديا عند الضرورة. والواضح ان الخوف من العالم الثالث هو خوف من الفقر, خوف من ان تنتقل عداوه الى الغرب, لذلك يمثل المهاجرون من تركيا او المغرب العربي تهديدا اكبر من تهديد القادمين من بلاد الجماعة الاوروبية.. وتتمثل احدى فرضيات الخوف في عدم اطمئنان الغرب لمكاسبه ومنجزاته كما يتمنى, وينطبق ذلك ايضا على السمة العقلانية التنويرية للمجتمع الغربي, والتي تشكك فيها من حين الى آخر العنصرية والاساقفة الاصوليون والحروب الدينية والعرقية في يوغسلافيا السابقة او ايرلندا الشمالية, بل وينطبق ايضا على القيمة الحضارية الاساسية للغرب وهي (الغنى المادي) , الذي يبدو حاليا موضع شك كبير من خلال شيوع مصطلحات موحية وموجزة مثل: التشرد الجديد, مجتمع الثلثين (الــ 60 في المائة), فقر كبار السن, الشرق الفقير (شرق اوروبا وشرق ألمانيا).. اي انه بما ان مستوى المعيشة والرفاهية الغربية مهدد, فالخوف من الفقر عنصر اساسي ومؤثر, فيمثل في العالم الثالث ودينه الاسلام (كما يتصور الغرب) فالعقائد الاخرى كالهندوسية وعبادة الطبيعة, بعيدة جغرافيا وهامشية ثقافيا, والخوف من الاسلام هو المعادل الديني الايديولوجي للخوف من المستقبل الخاص والذي يتم تفسيره وربطه (بالتطورات الواقعية) المثيرة لعدم الاستقرار والمقلقة والمكلفة ايضا, مثل الكوارث البيئية, موجات الهجرة واللجوء, تصاعد وتشدد الحركات السياسية, او السياسة الدينية, فتثير حدة وتنوع الأخطار وصعوبة السيطرة عليها قلق كثير من سكان الدول الصناعية, فيتوقعون استخدام المهاجرين في وقت ما سلاحا في وجوههم وينتشر في اوروبا كلها فزع من غزو خارجي على يد (الاصوليين الاسلاميين الارهابيين) الافارقة الجياع والهاربين من صراعات العالم الثالث كما يزعم فولكر ماتيسى في مقاله عن (العدو الجديد ـ العالم الثالث) .. هكذا كما كانت الماركسية اللينينية في الماضي النموذج الايديولوجي المعادي للغرب, يفهم الاسلام او الاصولية الاسلامية اليوم. لقد ظل الاسلام لزمن طويل خصما للغرب, وظل بينهما صراع ثقافي اعمق ما بين الغرب والعالم الثالث بشكل عام, وكان الشرق منذ 300 عام محددا للهوية الغربية الحديثة, ثم محددا لاوروبا, ثم الغرب.. في هذا السياق قامت الدائرة الثقافية الشرق اوسطية بأدوار ووظائف مختلفة في نشأة النظام الغربي, واحتفظ المجتمع الغربي على مرّ مئات السنين بالاكلاشيهيات والمقولات والاحكام المسبقة عن الاسلام والتي انتقلت من جيل الى جيل ونمت جذورها, واصبحت طاقة كامنة يمكن استثمارها كلما اقتضت الضرورة السياسية, كما حدث في حرب الخليج الثانية. ولكن.. لماذا يشعر المواطنون في الغرب بتهديد الاسلام, رغم تفوقهم الذي يؤكدونه باستمرار.. لان وسائل الاعلام تركز على الاسلام باعتباره دينا فقط, وهذا التصور يثير مخاوف المواطن الغربي, لانه يعتقد انه قد تخلص من الدين وهواجسه عبر التنوير, وتبدو رغبة الغرب في التدليل على ضرورة تحقيق تنويره الخاص والاستقلال عن سيطرة الدين في الشرق لانه بالتأكيد يشك في انتصار الدنيا على الدين, والعقل على اللاعقلانية في الغرب ذاته... اننا نسقط خوفنا من الدين على العالم الاسلامي, وربما نستشعر الشك في مكاسب ومنجزات حضارتنا في العقلانية والتنوير, ونعتقد اننا نحافظ عليها بشكل افضل اذا ما دافعنا عنها ضد خطر خارجي, وعلى الاقل لا نشعر بالاطمئنان او السيطرة على الموقف اذا واجهنا الاسلام او الاصولية الاسلامية بنقد جاد وبكل اناة وتروى. هذا الخوف المتأجج والمبالغ فيه باستمرار يغذي في الشرق عداء ضد (الغرب المسيحي) ويخدم اتهام الغرب بالعدوانية والاستعمارية وعدم التسامح, واتهام المجتمع الغربي بالانحطاط الفكري وانهيار قيمه, وبأنه مثلا يحط من قدر المرأة فيعاملها كموضوع للمتعة. ويتشابه العداء للغرب مع العداء للاسلام في عناصر كثيرة, حيث يمثل الغرب شاشة عرض يحيل عليها الشرق كل تناقضات مجتمعه والفارق الاساسي هو استشعار الخطر في البلاد الاسلامية من ادعاء التفوق الغربي, الذي يشعر كثير من المسلمين في العقود الاخيرة باهمية الدفاع عن ثقافتهم ودينهم, في مواجهة الاتهامات النابعة من وجهات نظر تشوه الاسلام.. هكذا يساهم العداء الغربي للاسلام بدرجة كبيرة في تعضيد موقف دفاعي متشدد, وفي تأكيد واثارة عداوة مضادة. هذه العملية المزدوجة تحمل خطر تناقض الاستعداد للحوار بين الثقافتين الآن ومستقبلا, وتدعم موقف التناقض في الشرق والغرب على السواء, ما دام الاخير يرى ان هناك فجوة لا يمكن تخطيها بين الثقافتين.. لقد استخدمت وتستخدم وسوف تستخدم العداوة على الجانبين ايديولوجيا, حيث يمكن ان يزيد العداء للاجانب من توظيف العداء للاسلام في السياسة الداخلية مستقبلا, وليس من قبيل الصدفة ان يشنف (يورج هايدر) السياسي اليميني النمساوي آذان مستمعيه دائما بقصة آباء التلاميذ المسلمين الذين طالبوا برفع صورة المسيح مصلوبا من فصول الدراسة, ويضيف: (اننا لم نحارب الاتراك مئات السنين لكي يأتي يوم نصحح فيه بطرق ملتوية المبادئ التي كنا ندافع عنها ومن اجلها حين حاربناهم. في مثل هذا التوظيف للعداء تجاه الاسلام تكمن اشكالية ضخمة ستواجه المجتمع الغربي مستقبلا, وهي تتجاوز لاشك ما يسمى بالخطر الاسلامي.. وأستشهد على هذا الرأى بما قاله (فرانتس نوشلر) انني لا أخشى الخطر الجديد الذي يصنعه الغرب بيديه, بل اخشى ردود الفعل الناجمة عن صناعته في مجتمعنا, فتثير مخاوفي من سياسة مناهضة اللاجئين التي تدور رحاها امام اعيننا, اكثر من خوفي تجاه الاصولية الاسلامية, او تجاه تزايد اعداد اللاجئين, وارى ان العداء للاسلام او للجنوب عموما يربي العنصرية ويشجع على اقامة بناء اوروبي منعزل, بالاضافة الى انه يدعم الآراء المتميزة.. لذلك اعتقد ان (انسانية اوروبا) معرضة للخطر وليس امنها العسكري ولا رفاهيتها. علينا اذن ان نخترق المشاعر السلبية بين الجانبين والدوافع الايديولوجية التي تدعمها, لكي نتمكن من مقاومة التشدد في معاداة الغرب في البلاد الاسلامية من ناحية, وهستيريا معاداة الاسلام المتزايدة في الغرب من ناحية اخرى. صحفية ألمانية*

تعليقات

تعليقات