اوليفييه روا الباحث في المركز الوطني الفرنسي لــ(الملف): حان الوقت ليحتل الاسلام موقعه في اوروبا كالمسيحية واليهودية

في مدينة لورد جنوب غربي فرنسا انعقدت من 4 الى 10 نوفمبر الحالي الندوة الدورية لاساقفة فرنسا برئاسة اسقف مدينة ليون لوي ماري بييه , وكان موضوع الندوة يتعلق بالموقف من الاسلام وضرورة وضع جسور الحوار معه, وقد خرجت هذه الندوة بمجموعة من القرارات والتوصيات المتعلقة ببناء علاقات حوار رغم العقبات مع الاسلام وممثليه كما تم تعيين اسقف مدينة مرسيليا الفرنسية مسؤولا عن خلية الحوار مع المسلمين. وفي بلجيكا ستنظم الشهر المقبل اول انتخابات للجالية الاسلامية لاختيار من يمثلها امام السلطات الحكومية والادارية والمؤسسات الدينية الاخرى, وتجري هذه الانتخابات برعاية الادارة البلجيكية وستسفر عن هيئة معتمدة قانونيا وهي هيئة تختلف عن برلمان المسلمين في بريطانيا ذي الدور الرمزي. ومقابل هذه الخطوات تخيم على اجواء الرأى العام الغربي وخاصة الاوروبي الانطباعات الاكثر سلبية تجاه الاسلام والمسلمين بسبب الماضي الاستعماري حروب حركات التحرر التي ولدت لدى الجانبين الكثير من الحذر والريبة وايضا بسبب الازمات المتتالية التي تعيشها علاقات العديد من البلدان الاسلامية مع العالم الغربي, وعلى الرغم من ان تلك الازمات لا تقف على ارضية دينية وانما على قاعدة من تضارب المصالح والمواقف السياسية الا ان انتماء البلدان المعنية للعالم الاسلامي جعل الرأي العام الاوروبي والغربي عموما يختصر تلك النزاعات في نسبها للاسلام والمسلمين الامر الذي ولد شعورا لدى قطاعات واسعة من المسلمين بانهم مستهدفون باستمرار. اوليفييه روا الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث والدراسات العلمية والاجتماعية متخصص في شؤون العالم الاسلامي وصدرت له العديد من الدراسات والمؤلفات في هذا الشأن وينكب حاليا على دراسة شؤون بلدان اسلامية في اسيا الوسطى ومنها باكستان وافغانستان. (الملف السياسي) اجرى معه الحوار التالي: من نتائج الاحداث الاخيرة التي عاشها العالم الاسلامي والازمات المتتالية واستهداف بعض القوى الدولية الغربية لبلدان اسلامية ـ سواء عن حق ام عن باطل ـ وايضا بسبب اوضاع الجاليات الاسلامية في الغرب, يشعر المسلمون وكأن دينهم يظل مستهدفا رغم كل محاولات التقارب مع الآخرين؟ في هذا القول حسب اعتقادي كثير من المبالغة حتى وان كان في جانب منه يحمل الكثير من الحقيقة. فالضربات التي استهدفت بلدانا مثل السودان وافغانستان والعراق, لم تكن على الاطلاق بسبب الاسلام وانما بسبب اوضاع وحالات سياسية نعرفها جميعا, وكما نرى الآن فان العداء الذي تعلنه الولايات المتحدة الامريكية مثلا ومهما كان حكمنا على هذا العداء تجاه الرئيس العراقي صدام حسين لم يأت بسبب ان الرئيس العراقي مسلم او يمثل الاسلام بل بسبب حالة سياسية معينة وهذا العداء شبيه في اسبابه للعداء الامريكي تجاه فيديل كاسترو, بل ان واشنطن تتعامل مع حركات اسلامية مناهضة للرئيس العراقي. وهذا الامر ينطبق على حالات اخرى ففي افغانستان مثلا لا يعني عداء الغرب للطالبان بسبب هذه السياسة او تلك او بسبب وجهات النظر الاجتماعية لقيادة الطالبان, ان هذا الغرب لا يتعامل مع حركات افغانية اخرى معارضة للطالبان ولكنها ايضا تعلن صراحة تبنيها للاسلام.. وفي اعتقادي هناك خلط وخاصة في الغرب بين المسائل القومية الوطنية وبين الشأن الديني فليس لان الخلافات قائمة بين جهتين الاولى مسلمة والاخرى غير مسلمة حتى يعني ذلك ان الاسلام مستهدف. كما ان هناك خلطاً في الغرب خاصة بين صورة الاسلام لدى الرأى العام وبين الاستراتيجيات والمواقف السياسية لحكومات البلدان الغربية, فاذا كان صحيحا ان صورة الاسلام لدى الرأى العام الغربي وخاصة الاوروبي تشوبها الكثير من السلبيات والافكار والمواقف المسبقة فان مواقف وسياسات الحكومات لا علاقة لها بالموقف من الاسلام كدين. هذا القول قد لا يصمد على ارض الواقع فالمسلم يشعر حال تماسه بالغرب ان هناك نوعا من العداوة والجفاء في التعامل معه في الغرب وبصورة قد تكون آلية ومسبقة.. ما رأيك بذلك؟ هذا صحيح الى حد بعيد, ولكن هذا الواقع ليس ناجما عن العداء تجاه الاسلام ولا يشكل دليلا على ذلك العداء, لان ما تسميه الجفوة والافكار العدائية المسبقة يعود في واقع الامر الى استخدام متعمد لتلك الصورة ذات الشوائب السلبية التي عليها الاسلام في الغرب, تقوم به بعض الاطراف المفرطة في تطرفها ضد الاجانب والغرباء وهو أمر ناجم بدوره عن خلط كبير بين مكونات موجات الهجرة والاسلام الذي هو دين الاغلبية العظمى من الوافدين على اوروبا.. ولا ينبغي ان ننسى ان ذلك الاستخدام السيء لصورة الاسلام في الغرب, سواء في وسائل الاعلام او في المنافسات السياسية يدخل ضمن الفعل والعمل السياسي. لكن الاسلام يظل غير معترف به في البلدان الاوروبية مثلا التي تقيم فيها جالية اسلامية هامة, حيث يعيش في البلدان الاعضاء في الاتحاد الاوروبي اكثر من 14 مليون مسلم لكن تأثيرهم لا وجود له بسبب عدم الاعتراف بهم.. لا ينبغي ان ننسى أن الاسلام دين حديث في اوروبا الغربية اي دول الاتحاد الاوروبي, ووفد اليها مع موجات المهاجرين خاصة منذ بداية القرن الحالي وبالطبع فان الرأي العام يخلط بين الاسلام كدين وبين جمهور المهاجرين خاصة من العمال وبالتالي انعكس رفض الرأي العام لهؤلاء الوافدين ليصبح رفضا للمسلمين باعتبار ان الدين الغالب لهؤلاء المهاجرين هو الاسلام. كما توجد في الذاكرة الجماعية للرأي العام الاوروبي خاصة في بلدان جنوب اوروبا الغربية مثل اسبانيا وايطاليا وفرنسا وقائع تاريخية لا ترجح القبول التلقائي للاسلام او على الاقل التعامل مع المسلمين الوافدين بسهولة. وفي اعتقادي فانه حان الوقت لكي يصبح الاسلام دينا ذا طابع اوروبي مثل المسيحية واليهودية ويندمج في مجتمعاتنا ويصبح من مكوناتها, وعملية الدمج والتحول في الاسلام لكي يصبح مقبولا اوروبيا تبدو لي جارية. ولا ينبغي الاعتقاد ان الامر يتعلق بوضع قانوني او تشريعي فالقوانين والتشريعات والاجراءات الادارية في جميع البلدان الاوروبية لا تضع اية عراقيل اما الاسلام لكي يكون جزءا من المجتمع الاوروبي فالامر ليس قانونيا او تشريعيا او اداريا بل يتعلق الامر بالدرجة الاساسية بالرأي العام الذي لاتزال تغلب عليه مشاعر الجفاء وفي افضل الحالات الحذر تجاه المسلمين. وهنا لابد من الاشارة الى ان العديد من مكونات الرأي العام بما في ذلك وسائل الاعلام وحتى بعض الاوساط السياسية, تلوم الاسلام على تعددية وغياب هيئة مركزية لتمثيله في هذا البلد او ذاك من البلدان الاسلامية ويقدمون هذه التعددية وغياب المؤسسة التمثلية الموحدة كعقبة اساسية للتعامل مع الاسلام والمسلمين في حين ان الواقع يؤكد ان الاسلام كان دائما وربما في جميع البلدان تعدديا وليست له هيئات مركزية مثل المسيحية الكاثوليكية التي يقودها البابا من الفاتيكان.. اما غير المسيحية الكاثوليكية وخاصة الاسلام واليهودية فليس لها هذه المركزية وبالتالي فاننا عندما نطالب بهذه المركزية من اجل التعامل مع المسلمين والاسلام نكون بصدد مطالبتهم ان تكون لهم نفس منهجيتنا وتنظيمنا الديني والاجتماعي وهذا بالطبع غير ممكن ولا يقبله الآخرون..

تعليقات

تعليقات