بعد أزمة روسيا وانتخابات ألمانيا..البحث عن الطريق الثالث: بقلم ـ د. فتحي عبدالفتاح

التطورات السريعة, بل والمثيرة, التي تجري في اوروبا هذه الايام, شرقا وغربا, اوحت لكثير من المفكرين السياسيين والاقتصاديين بالبحث عما يسمى بالطريق الثالث . وما جرى في روسيا من انهيار اقتصادي حاد بعد اكثر من سبع سنوات من تطبيق سياسات الخصخصة والسوق المفتوحة بلا حدود والمنافسة الحرة بلا قيود وتطبيق حرفي لنصائح البنك الدولي وصندوق التنمية. وايضا ما جرى في الانتخابات الالمانية, وهزيمة هيلموت كول وحزبه المسيحي الديمقراطي المحافظ هزيمة قاسية, واختيار جيرهارد شرويدر الاشتراكي الديمقراطي مستشاراً جديدا وبديلا, وتكوين حكومة يسارية من تحالف الحمر والخضر... ووجود حكومات اشتراكية تحكم في 14 بلدا من بلدان دول الاتحاد الاوروبي الخمسة عشر من ضمنها الدول المؤثرة (انجلترا, فرنسا, المانيا, ايطاليا) اضافة الى عودة الاشتراكيين في كثير من دول اوروبا الشرقية.. كل ذلك اعاد طرح تساؤلات عن مغزى هذه التطورات المفاجئة والتي تأتي بعد عدة سنوات فقط من انهيار الانماط الاشتراكية القديمة في الاتحاد السوفييتي السابق ودول شرق اوروبا.. ومنذ اربع سنوات, وتحديدا في يوليو 1994 كنت في زيارة عمل لموسكو, وحضرت احتفالا للسفارة المصرية هناك بعيد ثورة يوليو, وكانت هذه اول زيارة للعاصمة الروسية بعد التغيرات الدرامية والسريعة التي جرت وادت الى انهيار الاتحاد السوفييتي. كان كل شيء قد تغير في المدينة العريقة وبشكل حاد ليس فقط في الشعارات الجديدة بل في احوال الناس وسلوكياتهم.. وتعرضت شخصيا لمحاولات السرقة والابتزاز اكثر من ثلاث مرات لكن الذي هالني حقا هو هذا القدر الكبير من الفوضى والخلل الذي تحس به وتلمسه في الشوارع والذي اصبح يشوه وجه المدينة ومعالمها التاريخية والثقافية مثل الميدان الاحمر ومسرح البولشوي ومترو الانفاق. التقيت في حفل السفارة المصرية مع احد كبار المسؤولين في العهد السوفييتي اذ كان عضوا باللجنة المركزية للحزب وايضا رئيسا للجنة التضامن السوفييتية, وعرفت انه يعمل في النظام الجديد رئيسا لاحدى لجان الدوما (البرلمان). ابديت ملاحظاتي للرجل عن التغيرات الكبيرة التي جرت على المدينة والناس من السلوك العدواني, مظاهر الفقر الشديد التي عكست نفسها في جيوش الشحاذين ومحترفي البغاء في العربات الفاخرة التي تجري في الشوارع والثروات الطائلة التي امتلكتها فئة محددة ناشئة لا يزيد عمرها على أربع سنوات. وأبديت دهشتي البالغة لان يتغير نمط الحياة تغييرا حادا في تلك السنوات المعدودة بعد اكثر من 70 عاما عاش فيها الناس في ظل نظام اشتراكي. قال الرجل مبتسما.. لا تنس انه وطوال هذه الفترة كنا نربي الاجيال المتعاقبة على ان الرأسمالية تعني النهب والسلب والعدوان ولذلك حينما صفر الحكم في اوائل التعسينات واعلن ان روسيا اصبحت رأسمالية, قام الجميع بتطبيق القواعد والأسس التي تعلموها والتي تحكم المجتمع الرأسمالي.. والغريب انني مازلت اجد هذا التفسير الساخر والمرير معقولا ومقبولا لتبرير ما يجري في روسيا طوال السنوات الأخيرة.. وروسيا بالطبع ليست بلدا فقيرا, وبالرغم من المآسي والكوارث التي نسمع عنها كل يوم, والذي وصل الى الحد الذي قام فيه احد الجنود بقيادة دبابته واقتحم مجلس المدينة للمطالبة براتبه المتأخر لاكثر من ثلاثة شهور. ورغم انفراط عقد كل شيء في حياة الناس وعلاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية الا انه لا يجب ان ننسى اننا نتحدث عن بلاد كانت منذ عقد واحد فقط تعتبر الدولة الثانية في العالم, والاولى في مجالات كثيرة خاصة في تكنولوجيا الفضاء والتعدين وانتاج السلاح المتطور.. كما انها كانت ومازالت غنية في مواردها الطبيعية, غنية في ثروتها الهائلة من العلماء والخبراء, غنية في الابنية التحتية والفوقية.. ثم فوق كل هذا فهى مازالت ثاني دولة نووية في العالم والأولى في رأى اخر اذ تمتلك وتتحكم في ترسانة نووية ضخمة تقدر بأكثر من 30 الف رأس نووي موزعة في الارض والبحر والجو وكافية لتدمير العالم اكثر من عشر مرات.. ومن الواضح ان الازمة الطاحنة التي تعيشها روسيا هي ازمة نظام ولعل التاريخ سيذكر الرئيس بوريس يلتسين بانه سجل رقما قياسيا وغير مسبوق في امكانية تحويل بلد قوي وغنى الى بلد فقير وضعيف في اقصر فترة زمنية ممكنة. واذا كانت مشكلة روسيا تكمن في اجراء تغيير في النظام وتوجهاته الاقتصادية والسياسية ووجود ادارة مسؤولة تعيد ترتيب الامور, وهو امر وارد وربما كان في الطريق مثلما يجمع المحللون على اختلاف آرائهم وهويتهم الا ان المشكلة الحقيقية التي كشفتها الازمة الروسية وبشكل واضح لا لبس فيه, ان الازمة اعمق بكثير مما يجري في روسيا ومما جرى ويجري في اندونيسيا ودول شرق اسيا واعمق ايضا من موجه الاضطرابات الاقتصادية التي بدأت تشمل امريكا اللاتينية. فلقد بدأ كثير من المفكرين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين في العالم كله يتحدثون عن ارهاصات ازمة اقتصادية دولية قد تتحول الى كارثة اشبه بتلك التي مرت بالعالم في اواخر العشرينات واوائل الثلاثينات من هذا القرن وادت في تداعياتها الى الحرب العالمية الثانية. انها ازمة الرأسمالية المتوحشة التي بدأت تكشر عن انيابها الحقيقية بعد ان انفردت بالسوق العالمية وبعد ان زالت الكثير من العقبات التي كانت تقف في طريقها وتحد من ضراوتها الشرسة بعد سقوط المعسكر الاخر. ومن يتابع الصحف الغربية والامريكية بوجه خاص لن يخطئ رنة الخوف والقلق بل والهلع احيانا والتي تحذر من ان الاقتصاد العالمي في عصر العولمة اصيب بآفات قاتلة قد لا يستطيع الافلات منها... ويشيرون في هذا الصدد الى الخلل الذي لحق بالآليات الرئيسية للعولمة الاقتصادية.. البورصة والاسواق النقدية, البنك الدولي وصندوق النقد, قوانين التجارة العالمية بعد اتفاقية الجات, الشركات المتعددة الجنسيات او بمعنى اخر العابرة للقوميات.. واذا كانت اليابان صاحبة اقوى ثاني اقتصاد في العالم قد بدأت تترنح بالفعل تحت وطأة الازمة النقدية, واذا كانت أوروبا تعانى بالفعل من البطالة, فان امريكا بالطبع لا تستطيع البقاء بعيدا عن الازمة خاصة بعد ان وصلت الى فنائها الداخلي في امريكا اللاتينية. هل اسرد بعضا من تعليقات كبار الاقتصاديين الاوروبيين والامريكيين.. يورجين شبارك مدير البنك المركزي الالماني (لوندسبانك) يقول في مقال له ان الازمة الحالية في روسيا واليابان وشرق اسيا وامريكا اللاتينية تحمل في طياتها ازمة اقتصادية عالمية اذ نحن في مرحلة يبدو فيها ان النظام النقدي الدولي يعيش ازمة طاحنة. بول كردجمان.. استاذ الاقتصاد في جامعة ماسوسيش الامريكية يتساءل بعد مقال طويل عدد فيه مظاهر الخلل الاقتصادي العالمي.. هل يمكن ان تتحول الفوضى الجارية في الاسواق العالمية الى كارثة اقتصادية شبيهة بتلك التي جرت في اواخر العشرينات من هذا القرن.. والجواب... نعم. ريتشارد ميدلي.. رئيس المجموعة الدولية الاستشارية للاسواق الدولية يقول... منذ عامين فقط لم يكن احد يتصور ان يحدث ما يجري الان وكنا نضحك بسخرية ممن يتحدثون عن افكار اخرى غير الرأسمالية والأسواق المفتوحة.. ولكن من الواضح ان العولمة الاقتصادية الجديدة أصيبت بانتكاسة وبدأت قطاعات واسعة من الجماهير والاقتصاديين في مناطق كثيرة من العالم تكفر بقواعد اللعبة الرأسمالية. وهناك عشرات المقالات والدراسات التي تذهب الى القول بان آليات السوق المقدسة التي بشرت بها الرأسمالية العالمية لم تعد مقدسة بأي حال والحديث عن ضرورة ضبط الأسواق واعطاء الدولة دورا اكبر في التنظيم الاقتصادي وتحجيم نصائح صندوق النقد الدولي المهلكة. بينما راح البعض مثل توني بلير رئيس وزراء بريطانيا العمالي في البحث عن الطريق الثالث, مثلما جاء في مقال اخير له في الهيرالدتريبيون, وهو الطريق الذي يأخذ من الاشتراكية اسس العدالة الاجتماعية والاقتصادية, ويحد من الاندفاع الرأسمالي الاهوج.. ويرى بلير ان نجاح الاشتراكيين في ألمانيا, ووجود احزاب اشتراكية ديمقراطية في السلطة في دول مثل انجلترا وفرنسا وايطاليا يفتح الطريق امام اعادة صياغة ملامح الطريق الثالث خاصة بعد ان ثبت فشل التطبيقات الايديولوجية القديمة سواء كانت اشتراكية بيروقراطية وشمولية او رأسمالية هوجاء وأحيانا متوحشة.. مدير مركز الابحاث والدراسات ــ صحيفة الجمهورية القاهرية*

تعليقات

تعليقات