سلطة اليسار في أوروبا نظرية (الطريق الثالث) .. لماذا تحققت في هذه المرحلة؟ باريس ـ البيان:بقلم ـ شاكر نوري

ثلاث عشرة دولة من بين خمس عشرة دولة من دول الاتحاد الاوروبي يحكمها اغلبية يسارية واشتراكية. في قلب التناقضات يتم الحديث عن (نهاية عصر الاشتراكية ـ الديمقراطية) و(الطريق الثالث) . والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان هو: ما الذي يجمع بين توني بلير وليونيل جوسبان او ما بين الهولندي ويم كوك و(اليسار الامريكي) وتحالف شرويدر لافونتين ـ فيشر او الشيوعي السابق الايطالي داليما؟ ورغم كون اليسار في السلطة الا انه يعاني من مشكلة تمزق الهوية ولكن بدرجة اقل من اليمين. انه يبحث عن طريق, لعله (الطريق الثالث) الذي نظر له انطوني جيدنس او نظرية (الوسط الجديد) الذي جاء بها المستشار الالماني الجديد جيرهارد شرويدر. مما لاشك فيه ان معظم الديمقراطيين الاشتراكيين الاوروبيين ـ ومعظمهم من الاشتراكيين انبهروا كثيرا لانتصار جيرهارد شرويدر على خصمه المستشار الالماني السابق العتيد هيلموت كول. والسؤال الذي كان يطرحه اولئك هو: كيف تمكن شرويدر ان ينتصر على رجل يتمتع بوزن سياسي ثقيل مثل هيلموت كول؟ هذا الانتصار تحقق من خلال (الوسط الجديد) و(الطريق الثالث) الذي تعرض هو الاخر الى الكثير من الانتقادات وعدم الوضوح. وبالنسبة للكثيرين انها الروح المهيمنة لليبرالية الجديدة, التي انطلقت باندفاع سياسي جديد. ففي جميع أنحاء اوروبا تلاشت الحدود تقريبا بين اليمين واليسار اولا في الممارسة وتاليا في النظرية. في سنوات التسعينات, على سبيل المثال, قام الديمقراطيون الاشتراكيون بتنظيم حملاتهم الانتخابية والدعائية معتمدين على الأموال العامة في اسكندنافيا وتمكنوا من الفوز بالانتخابات. وفي النمسا اصبح فكتور كليما شعبيا لدرجة بان سياسته في تطهير الميزانية جعلته يفوز بلقب المستشارية. وفي هولندا, تمكن الديمقراطيون ـ الاشتراكيون, بقيادة ويم كوك, ان يطرحوا سياسة التوظيف وايجاد العمل مع خصمهم التاريخي. وهذا ما أطلق عليه شرويدر (تصحيح البرنامج وفق معطيات الحقيقة) . وعادة ما كانت الاصلاحات الصغيرة تنفذ باسم (الوسط الجديد) او (الطريق الثالث) . ولكن من الاسهل تطوير هذا البرنامج بين دوغمائية الدولة للديمقراطيين الاشتراكيين التقليديين وبين ارثدوكسية رأسمالية مانشستر (وهي الآن الليبرالية الجديدة) كما تترجم الى الواقع. هذه السياسة الجديدة تمخضت عن نقاشات طويلة وصراع الاتجاهات داخل اليسار نفسه, ولعل بعض الاحداث وتقادم الزمن اديا الى اندحار فيليبي جونزالس الانتخابي في اسبانيا. جوران بيرسون, رئيس حكومة التقشف في السويد, قاد حملته الانتخابية بالاعتماد على الشيوعيين السابقين والخضر ـ انصار البيئة.. اما ما يتعلق بليونيل جوسبان: فاي طريق قاده الى الانتصار على اليمين في فرنسا؟ في حقيقة الامر, ان هذا السياسي الاشتراكي المحنك لم يهتم كثيرا بــ (الطريق الثالث) . انه بلاشك, مع الفنلندي بافو ليبونين, يعتبران من أهم مفكري الديمقراطيين الاشتراكيين في اوروبا. وعلى غرار الاسبان او البرتغالي انطونيو جوتيريز, يبقى ليونيل جوسبان على الصعيد الايديولوجي بعيدا عن توني بلير ومحور الطريق الثالث الذي يشكله مع بيل كلينتون. فاذا كان الطريق الثالث هو (الطريق بين الرأسمالية والاشتراكية الديمقراطية) فان هذا ليس من اختيار ليونيل جوسبان الذي يبحث عن طريق خاص باليسار الاوروبي. وبين الاوساط المحافظة يعتبر ليونيل جوسبان ممثلا للاشتراكية الديمقراطية الموجهة وذات الصلة بالدولة. وباختصار يوجد من جهة بلير وشرويدر وكذلك كوك, وكليما وامثالهم ومن جهة اخرى جوسبان ولافونتين. وفي ندوة اقيمت في باريس الشهر الماضي تحت عنوان (اي نموذج اجتماعي اوروبي؟) دعا فيه الاشتراكيون الفرنسيون جميع الديمقراطيين الاشتراكيين, مركزين على ضرورة تدخل الدولة في الصراع ضد عطالة العمل. في حقيقة الامر, لم يعد ثمة خلافات بين الاشتراكيين واليساريين في اوروبا. القائد الاشتراكي الاسباني جواكيم ألمونيا يؤكد ذلك بقوله: (ان الاختلاف الكبير يكمن في اللغة.. ذلك ان اختلافاتنا تتركز حول الكلمات الاسطورية اكثر مما تتركز على المحتوى, على سبيل المثال باستخدام كلمة المرونة.. واذا كانت اوروبا اليسارية ينبغي ان تكون اسطورة, فان المسألة الجوهرية ستكون: ما هي البنى الجديدة للتعاون او ما هو التقارب السياسي الذي سيترجم هذا التعاون بين البنى الموجودة. وبعيدا عن الاختلافات الموجودة, فان اوروبا التي تحكمها اغلبية اشتراكية لابد ان تضع ثقلها على وزارات الاقتصاد والمال اذ من الصعب جدا اهمال, براون, وستراوس ــ كان, ولافونتين في الاتحاد الاوروبي. وقد تحدثوا كثيرا عن وضع حد للمضاربات المالية. فقد طلب ليونيل جوسبان بدراسة مفصلة حول (ضريبة توبن) taxe Tobin, التي تحمل اسم الامريكي جيمس توبن, الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد, وغرضها التقليل من المضاربات المالية على الصعيد العالمي. وليس جوسبان وحده الذي يهتم بهذا النظام, فان اوسكار لافونتين يشدّد على أهمية (ضريبة توبن). اذن الخريطة السياسية الحالية لاوروبا تبين بوضوح ان معظم بلدانها تتجه نحو الاشتراكية. وهذا لم يحصل منذ فترة طويلة. ولعل ما يثير العجب ان اوروبا الغربية, ومعظم حكوماتها تنتهج الاشتراكية في الوقت الذي انهارت فيه الشيوعية. وتأتي هذه الحكومات امتدادا لـ (الليبرالية المتوحشة و(عولمة) السوق. وانبثق تحوّل غير منتظر في الحياة السياسية, ناتج عن ازمة الاسواق المالية العالمية, ووضعت علامات استفهام حول مفهوم فوكوياما (نهاية التاريخ) فتعهدت الحكومات الاشتراكية بتنظيم الاقتصاد, وضغطت على الاسواق والحريات الاقتصادية وطوّرت التحويلات والضرائب والوظائف العامة. ولاشك ان التطور الصناعي والتكنولوجي في العقود الأخيرة ادى الى ظهور ظروف ضاغطة على الأسعار باتجاه تخفيضها. والسؤال المطروح حاليا: هل لعبت الصدفة دورها في أن ينجح الاشتراكيون في بلدان اوروبية عديدة؟ مما لاشك فيه انه من الضروري البحث عن عوامل مشتركة ادت الى فشل المحافظين في الانتخابات الذين كانوا يحكمون في اوروبا في سنوات الثمانينات. وقد جاءت الى السلطة لكي تتحصن ضد الشيوعية الا ان الحكومات اليمينية المحافظة فشلت في معظمها على القارة الاوروبية من تحقيق معدلات النمو المطلوبة والدفاع عن ايجاد فرص العمل. كما فشلوا ايضا في السياسة المالية النقدية التي قادها التكنوقراط, وذلك ادى الى ظهور مشروع العملة الاوروبية المشتركة (اليورو) . ان بطء تطور الاقتصاد الاوروبي وازدياد نسبة العاطلين عن العمل في اوروبا اديا, بلاشك, الى ظهور البديل الانتخابي في بداية الحقبة. فالدراسات السياسية والاقتصادية اوضحت بأن الناخبين لم يصوتوا الى اليسار الاشتراكي لاسباب ايديولوجية بل لاسباب تتعلق بتقديم الدولة للخدمات. واولئك يهتمون بالانجازات الاقتصادية, ويدركون بان ذلك يعتمد على الادارة المالية والميزانية والسياسة الضريبية للدولة, ومن الواضح ايضا ان الاشتراكيين الحاكمين في اوروبا حاليا يركزون على اهمية ايجاد فرص العمل اكثر من تركيزهم على الاستقرار المالي الذي يهتم به ساسة اليمين. ولعل من الافضل لليمين في اوروبا ان يفكر بمعدلات النمو, فلم يعد الناخبون يصغون الى الخطابات الرنانة لان نموذج المجتمع البيروقراطي قد اثبت افلاسه. فالأوضاع الاقتصادية لم تعد تسمح لاي حكومة ان تتلاعب بالاقتصاد وفرص العمل والنمو وخدمات الدولة. مفهوم (الوسط الراديكالي) بلير, كلينتون, وحتى شرويدر ينادون بهذا المصطلح (الوسط الراديكالي) . المنظر انطوني جيدنز يشرح هذا (الوسط الراديكالي) , هذا المزيج العجيب من الفردية والجماعية. وانطوني جيدنز Anthony Giddens, عالم اجتماع ومدير مدرسة لندن للاقتصاد, وهو احد اهم المنظرين الاساسيين لليسار الجديد من المعروف جيدا, ان التاريخ مليء بما يسمى (الطريق الثالث) سواء في اليمين او اليسار. وكتاب انطوني جيدنز The Third Way يرفض من جهة (الليبرالية الجديدة) و(الديمقراطية الاجتماعية) من جهة اخرى. لذلك فهو يختار سياسة جديدة وهي (الوسط الراديكالي). وهذه صيغة يحاول بلير ان يسير عليها على غرار مارجريت تاتشر, والغرض منها تشكيل واعادة صياغة السياسة البريطانية بأكملها. ولكن بلير اكثر براجماتية من غيره. انها الايديولوجية في الفترة التي ترفض فيها الايديولوجيات جيدنز يقدم عالما يخلو من العدو الذي ينبغي الانتصار عليه بل هناك فقط مشاكل لابد من حلّها. ويطرح علينا مشكلات عديدة ويقترح لكل مشكلة حلا عن الطريق الثالث. وهو مزيج من الفردية والجماعية والسوق والدولة والخاص والعام واليمين واليسار. وهو يشكل قاعدة لليسار الوسط التقدمي والحديث. ويتعامل جيدنز مع جميع المشكلات, من العولمة حتى المعونة الاجتماعية, ومرورا بالبيئة والعائلة.. وهي مجرد خطوط ينبغي العمل عليها وانجازها. والطريق الثالث هو بالضرورة راديكالي. ويقارب بين اليساري والراديكالي. وهو لا يجد بديلا لاقتصاد السوق الرأسمالي انما يضيق عليه مسألة (التحرر الفردي) . وهذا ما يعطي الدولة دورا ذكيا ويعطي الافراد فرصة لمواجهة تغييرات المجتمع. ولا يتحدث جيدنز عن (الديمقراطية الاجتماعية) بأسلوبها القديم بل يتحدث عن الديمقراطية بايجاز. ولهذا يعطي هذا المنظر كتابة عنوانا فرعيا (تجديد الديمقراطية الاجتماعية). والطريق الثالث في نظره هو الصيغة الجديدة للديمقراطية الاجتماعية. وكما يؤكد اهتمامه بالمنتجين يركز ايضا على دولة الضرائب والانفاق العام. ويركز الاشتراكيون في اوروبا حاليا على ضرورة سياسة الدولة المالية ودعم المنتجين من اجل القيام بالمنافسة العالمية. وفي الوقت ذاته يجب ان تمارس سياسة فعّالة ازاء سوق العمل, الذي يهتم بالبحث والتكنولوجيا واعداد الكوادر. هذه بعض الافكار الشعبية التي اعلن عنها مشروع توني بلير على سبيل المثال. المدافعون عن مشروع توني بلير يضعون مبادئهم حسب مصطلحات المنظّر انطوني جيدنز (بعيدا عن اليمين وعن اليسار) . ويصف اولئك بــ (ديمقراطيي اليسار الوسط) . وهذا المشروع شائع في عموم اوروبا.

تعليقات

تعليقات