الطريق الثالث وازمة البحث عن هوية

على جانبي المحيط الاطلسي يدور حوار ساخن في الاوساط السياسية والأكاديمية حول النهج السياسي الذي يجب أن يحل مكان الاشتراكية الديمقراطية اليسارية, ومفاهيم السوق الحرة اليمينية . اما الاحزاب المعنية بالاجابة على هذا السؤال فهي نفسها التي فازت بالانتخابات في الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وايطاليا والبرتغال وهولندا والمانيا. فالافكار الجديدة, او عملية البحث عنها وتحديدها, هي التي تعرف اليوم (بالطريق الثالث) . الا ان مجرد ذكر (الطريق الثالث) لايزال يثير الكثير من التساؤلات التي لابد من الاعتراف بان بعضها يتسم بالموضوعية ويبتعد عن المغالاة. فالمشككون يسألون اذا كان الطريق الثالث يمثل مجموعة من الافكار العملية الحقيقية ام انه مجرد شعار اعلاني. كما يريدون ان يعرفوا اذا ما كان الطريق الثالث يمثل جهودا مخلصة لخلق اشكال وانماط جديدة من السياسة التقدمية, ام انها بدلا من ذلك استسلام لليمين وانتصار ساحق لرونالد ريجان ومارجريت تاتشر. واخيرا وليس آخرا, فانهم يسألون اذا ما كان الطريق الثالث مجرد احد اشكال اعادة التغليف السياسية الذكية التي تتضمن التوجهات والافكار التي ساعدت بيل كلينتون وتوني بلير وغيرهما للفوز بالانتخابات. هل هو مجرد خدعة لتمييز نفسك عن (الآخر) المرعب (مثل اقصى اليمين او اليسار التقليدي القديم) دون ان نضطر الى تحديد من (نحن) ؟ لنضع جميع هذه الافكار والتساؤلات جانبا ولو للحظة, ونتطرق الى الافكار والاستراتيجيات الجديدة التي يتم تداولها. ومن أهم ما تتضمنه هو كيف من الممكن للحكومات الديمقراطية التأثير على الاقتصاد العالمي الذي يتجاهل وبشكل مضطرد الحدود والقوانين الوطنية؟ ما الطريق الافضل لتصحيح ومعالجة التفاوت الاقتصادي الذي احرزته الرأسمالية الجديدة الجسورة؟ وكيف من الممكن ان نؤهل افراد المجتمع ونقدم يد العون لهم للبقاء على قيد الحياة في اوقات تزداد فيها المنافسة التي لا ترحم يوما بعد يوم؟ كيف من الممكن اعادة تشكيل البرامج الاجتماعية التي وضعت قبل ستة عقود؟ وكيف من الممكن ايضا ان نخلق نوعا من التوازن بين ديناميكية السوق من ناحية والحاجه لحماية العائلات والمجتمعات من الانهيار المحتوم؟ يمكن للمراقب ان ينظر الى انتصارات هذه الحركة ويقول انه في مرحلة وصول الرأسمالية الى ذروتها, فان الناخبين يؤيدون الاحزاب التي تقترح فرض بعض القيود على السوق الحر, وتقديم التعويض عن بعض اشكال الخلل الاجتماعي والاقتصادي الذي احرزته. او يمكن للمراقب ان يقول ان جميع هذه الاحزاب هي نفسها التي مهدت الطريق وقدمت التسهيلات للرأسمالية المغامرة واليات السوق الحرة على مدى نصف القرن الماضي. ان كلا المقولتين صحيحتان لانه حتى الآن لايزال من الصعوبة بمكان تحديد او تعريف الطريق الثالث, ولأن من يؤيدون الطريق الثالث غالبا ما يعرفونه ليس بما هو ولكن (بما ليس هو) . وفي رسالة مفتوحة الى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير نشرت في وقت سابق من هذا العام في (نيوستيتسمن) المجلة البريطانية المهتمة بما يدور من مداولات حول الطريق الثالث, كتب المفكر رالف داهريندورف مؤكدا ان عدم قدرة رواد على تحديد وتعريف الطريق الثالث حتى الآن يعتبر اكثر المشاكل التي تواجه هذا النهج. وأضاف: (ان تعريف نفسك بالقول انك لا هذا ولا ذاك يجبرك على تقديم الآخرين بشكل كاريكاتوري. والاهم من ذلك انه عندما تعرف نفسك باستعمال تعابير واصطلاحات الآخرين, فانك تسمح لهم بتحديد جدول اعمال ربما دون ان تدرك ذلك) . اذا كان الطريق الثالث ليس اكثر من ردة فعل على اليسار القديم واليمين الجديد, فانه قد ينظر اليه على أنه اسير للمداولات القديمة اكثر مما هو دليل للمستقبل. و(الطريق الثالث) ليست عبارة مستحدثة. فمنذ عقود خلت, وصف الصحفي الامريكي ماركيز تشايلدز الديمقراطية الاشتراكية السويدية على أنها تجسيد (للطريق الثالث) بين الرأسمالية الامريكية والاشتراكية السوفييتية. اما الطريق الثالث الجديد فيبدو انه يقع بين السويد والولايات المتحدة. مما يسمح بالاعتقاد بان مضمون هذا النهج يبقى نسبيا ومقيدا الى حد كبير بمقولات واطروحات السياسيين والاكاديميين. وهو لايزال حتى الآن يقف على مسافة متساوية بين نقطتين متناقضتين. الاّ ان التيار الفكري السائد في الطريق الثالث يوفر له بعض الخصائص التي تميزه عن غيره. وفي مقالة نشرت مؤخرا في مجلة (نيوستيتسمن) قال انتوني جيدنز مدير معهد لندن للدراسات الاقتصادية ان الانحسار السريع الذي طرأ على طبقة العمال واختفاء العالم ذي القطبين, فان معالم سياسة الطبقات من ناحية والتقسيم التقليدي بين يسار ويمين من ناحية اخرى قد تراجعت بشكل ملحوظ. لابد للمرء من توخي الحذر بشأن التنبؤات حول تدهور سياسة الطبقات, وخصوصا ان البعض يلجأ الى استخدامها في بعض الاحيان كوسيلة للدلالة على عدم وجود تفاوت بين الطبقات الاجتماعية. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال لاتزال الفوارق الاجتماعية موجودة ولم تختف كما يحلو للبعض ان يدعي. ولكن جيدنز مصيب عندما يقول ان الطبقة العاملة التي تعتمد على طاقتها الجسدية, وهي القاعدة للاحزاب التقليدية اليسارية, بدأت بالانحسار ليحل محلها موظفون يقدمون العديد من الخدمات. ومع تراجع الولاء للطبقة تراجع الولاء للحزب. ولذلك ان كلا من توني بلير وبيل كلينتون كانا حريصين على كسب اصوات سكان الضواحي الذين تغير ولاؤهم عن ولاء آبائهم واجدادهم بعد ان انتقلوا بعيدا عن المراكز المدنية وضعفت علاقتهم بالمؤسسات التقليدية واصبحوا اكثر استعدادا للتأثر بوسائل الاعلام وما يحصلون عليه من معلومات. ويحرص جيدنز على التمييز بين الاقتصاد اليساري والذي يتضمن ملكية الدولة للمرافق الصناعية من ناحية وبين قبول الطريق الثالث بتدخل الحكومة لمساعدة افراد المجتمع في اقتصاد يمتلكه ويشرف على ادارته القطاع الخاص من ناحية اخرى. وبينما نرى ان اليسار القديم يؤيد الدولة التي تؤمن الرعاية الاجتماعية من المهد الى اللحد, نرى ان الطريق الثالث يفضّل الاستثمار الاجتماعي وخصوصا في مجال التعليم وتدريب العمال وتأهيلهم. يمكن القول ان الطريق الثالث هو ثمرة تراجع الايديولوجية الاشتراكية, والماركسية على وجه التحديد, بعد انتهاء الحرب الباردة. ان المأزق الحقيقي الذي يواجه الطريق الثالث هو كيف بامكان الحكومات الديمقراطية التعامل مع الاقتصاد العالمي, وخصوصا ان الدولة التي تشرف على تنظيم الامور كما يطرح الليبراليون الامريكان او الديمقراطيون الاشتراكيون في اوروبا يصعب عليها اداء عملها في الاقتصاد العالمي. فالشركات والمستثمرون في القطاع الخاص يتمتعون الآن بحرية لم يسبق لها مثيل. فانظمة العمل يصعب تطبيقها عبر الحدود الوطنية. وينطبق هذا وبشكل متزايد على قوانين الضرائب. في مقال نشر في الانديبندنت البريطانية, كتبت المحررة الاقتصادية ديان كويل (انه بالرغم من ان معظم الاشخاص العاملين لا تهرب من دفع الضرائب على دخلهم, الا ان عمليات التمويل الالكتروني بدأت تتزايد بشكل مضطرد وبالتالي يصعب متابعتها او مراقبتها من ناحية وسيكون من السهل اخفاؤها من ناحية اخرى. وخلصت كويل الى القول (ان هذا لا يعني ان الحكومات اصبحت لا حول لها ولا قوة, ولكن لان انماط النفوذ التقليدية اصبحت غير مجدية) . وتكمن الخطورة الان بان جماهير الشعب بدأت تنظر لرواد الطريق الثالث على أنهم اشخاص يعتقدون بانه يمكن حل جميع المشاكل من خلال دعم التعليم وتدريب وتأهيل القوى العاملة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل هذا يكفي فعلا؟ بعض مؤيدي الطريق الثالث ومعظم من ينتقدوه يميلون الى الاعتقاد بأن هذا ليس كافيا, وخصوصا لان تحقيق الاهداف التي يتبناها الطريق الثالث كالاقتصاد المتوازن والأكثر عدلا, على سبيل المثال, سيحتاج الى اشكال جديدة ووضع انظمة وترتيبات جديدة فيما يتعلق بالمقاييس البيئية والقوى العاملة, وكذلك بذل المزيد من الجهود للتحكم بالمضاربات على العملات الوطنية التي يمكن لها وبسرعة ان تقوض الاقتصادات المزدهرة. ومن نقاط الخلاف البارزة بين صفوف رواد الطريق الثالث تتمحور حول الطريقة المناسبة لادخال تعديلات على نظام التأمين الاجتماعي. فموضوع اصلاح برامج الشؤون الاجتماعية خلق شرخا في كل من الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة وحزب العمال في بريطانيا. حتى ان العديد من مؤيدي الطريق الثالث في الولايات المتحدة لايزالون غير متفقين حول ما يجب عمله بنظام الضمان الاجتماعي. وعندما اجتمع روّاد الطريق الثالث قبل حوالي شهرين في واشنطن في ندوة اشرفت على تنظيمها هيلاري كلينتون وبلومنثال لمناقشة هذه القضايا كان واضحا انهم متفقون ومتحدون حول العديد من القضايا باستثناء قضية الخصخصة الجزئية للضمان الاجتماعي, ولم يتوصلوا الى اتفاق حول اذا ما كانت هذه الخطوة تعتبر تقدما او تراجعا لنهج الطريق الثالث. ولكن ومن الناحية الثانية اظهر النقاش مدى الاجتماع في صفوف الحزب الديمقراطي الذي طالما عانى من الانقسامات, حول الميزانية والجريمة والعائلة وحقوق الانسان وضرورة اعتماد المزيد من الاموال لقطاع التعليم والصحة وتدريب وتأهيل اليد العاملة. ان نجاح الرئيس كلينتون في تحقيق هذا الاجماع يعتبر احد اهم الاسباب التي جعلت السواد الاعظم من الديمقراطيين الوقوف الى جانبه وعدم التخلي عنه طوال فضيحة مونيكا لوينسكي وما رافقه من أوقات عصيبة ومواقف محرجة. لقد كان الرئيس كلينتون مصدر الهام لتوني بلير لاعادة صياغة نهج حزب العمال واعادة تشكيل صورته وتحسينها امام الناخب البريطاني. ولكن لابد من الاعتراف انه بالرغم من النجاح الذي حققه كلينتون, الا انه كان أقل قدرة بكثير من بلير في تغيير مناخ الحوار السياسي. يدور الحديث في بريطانيا حول الطريق الثالث, اما في الولايات المتحدة فان الناس يتداولون الحديث حول الجنس والكذب تحت القسم. من ناحية اخرى فان الطريق الثالث لم يجذب اهتمام الكثيرين الذين كان من المفروض ان يدعموه ويؤيدوه ويتحمسون له. وفي هذا الصدد قال روبرت رينح السكرتير السابق لحزب العمال ان هناك مخاوف من ان يقوم روّاد الطريق الثالث مثل كلينتون وبلير, بدلا من رسم وتحديد معالم الطريق الثالث, ليس بالتخلي عن اليسار التقدمي وحسب, ولكن عدم القيام بما يكفي لتصحيح المظالم الاجتماعية التي افرزتها الرأسمالية الحديثة. قد يكون لهذه المخاوف ما يبررها اذا تبين ان الطريق الثالث لا يعدو كونه اكثر من شعار. ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار اداء الاحزاب التقدمية في جميع انحاء العالم من ناحية, والهزائم المتتالية التي تعرضت لها الاحزاب المحافظة من ناحية اخرى, فانه لا يبدو في الافق حتى الآن ان هناك بدائل كثيرة للجهود التي يبذلها روّاد الطريق الثالث لتعديل واصلاح السوق الحرة في نفس الوقت. من المحتمل انه قد آن الأوان للطريق الثالث ان يفرض وجوده في هذا الوقت بالذات, لأن الافكار والاستراتيجيات والايديولوجيات الاخرى لم تعد تصلح للتطبيق ونحن نقف على أبواب القرن الحادي والعشرين. عن (الانترناشونال هيرالد تريبيون)ترجمة ـ سليمان عوض

تعليقات

تعليقات