قضية عربية : جدلية قانون الثراء الحرام في لبنان

منذ أن أقرت الحكومة اللبنانية مشروع قانون الاثراء غير المشروع المعدل والجدال لا يزال مستعرا وعلى أشده في لبنان بشأن القانون الذي يفرض على كبار مسؤولي الدولة وموظفيها بالتصريح عن ثرواتهم لدى تسلمهم مهام مناصبهم وبالتصريح عنها مرة أخرى لدى ترك الوظيفة وتقديم تفسيرات حول أي زيادة تطرأ عليها. وتدافع الحكومة اللبنانية بحرارة عن قانونها الذي يفترض أن يجتمع مجلس النواب اللبناني لدرسه تمهيدا لاقراره أو ادخال ما يراه من تعديلات عليه. لكن دفاع الحكومة الحار عن القانون, اصطدم بهجوم نيابي حاد عليه يمثل نائب الشمال بطرس حرب رأس الحربة فيه. ويتركز الهجوم اللبناني على القانون على معظم مواده المعدلة التي يعتبر النواب انها تسقط الملاحقات وتبقى على الحصانات. وبين دفاع الحكومة وهجوم النواب, يبقى الجدال حول القانون الذي يستلهم قانونا سابقا يعود عمره إلى العام ,1954 مستعرا وساخنا كما هي عادة اللبنانيين الذين يهتمون بتفاصيل التفاصيل في كل ما يخص حاضرهم ومستقبل بلادهم وهي تتشرف الألفية الثالثة. (البيان) تابعت الجدال وخرجت بالحصيلة التالية: حرب : طبارة خالف القانون وهو بحكم المستقيل أقرت الحكومة اللبنانية أخيرا مشروع قانون جديد للاثراء غير المشروع بعد سنوات من الأخذ والرد والتراشق بمختلف أنواع (الأسلحة الكلامية) خاصة بين وزير العدل بهيج طبارة, والنائب بطرس حرب. لكن اقرار الحكومة لمشروع القانون المثير للجدال مساء الأربعاء الماضي, واحالته إلى مجلس النواب لاقراره. لم ينه المعركة المريرة بين طبارة ــ حرب, والتي يبدو أن الاثنين خرجا بنتيجة لا غالب ولا مغلوب, فلا اقتراحات حرب وبعض زملائه النواب أخذ بها, ولا المشروع الأساسي الذي كان قد أعده وزير العدل والذي أشعل فتيل الحرب بينه وبين النائب حرب, تم تمريره من جانب الحكومة. وقد شن حرب حملة شعواء ضد مشروع طبارة واضعا إياه بأنه: (ليس أكثر من محاولة لأن تحصل الحكومة على براءة ذمة لنفسها) , مضيفا: (إن المشروع يهدف إلى عرقلة انطلاقة العهد الجديد, وهو خطوة إلى الوراء لأنه سيقطع الملاحقات بدلا من اسقاط الحصانات, ويعطل أية محاولة جدية لتحقيق الاصلاح المنشود) . ويعتبر حرب ان الوزير طبارة ارتكب مخالفة قانونية بعدم التصريح عن أمواله بعد تكليفه بحقيبة وزارة العدل, لذلك فهو يطالبه بتقديم استقالته: (لأن القانون يفرض ذلك) , وان طبارة له يعتبر مستقيلا بحكم القانون حسب وجهة نظر طبارة سواء قدم هو نفسه الاستقالة أم لم يقدمها. ويقول النائب حرب أيضا ان جلسات لجنة الإدارة والعدل النيابية تحولت خلال الفترة الماضية إلى حلبات للصراع بين طبارة وبعض أعضائها حول التعديلات الواجب ادخالها على قانون الاثراء غير المشروع. اختلافات المشاريع ولا يرى النائب عن محافظة الشمال أي وجه شبه بين اقتراح القانون الذي طرحه هو مع بعض النواب بين مشروع طباره ويقول: (ان اقتراح القانون الذي كنا قد تقدمنا به (مجموعة من زملائي وأنا), ينص على انه إذا لم يقدم رئيس الجمهورية والوزير والنائب والموظف, بعد توليه مهامه, سواء بعد الانتخاب أو التعيين أو التوظيف, بتصريح عن ممتلكاته في غضون شهر يعتبر مستقيلا, وكأنه تنازل عن رئاسته أو وزارته أو نيابته أو وظيفته. فالتطبيق الجدي لقانون الاثراء غير المشروع يبدأ بالتصريح, للتمكن من المقارنة بين ما كان يملك المسؤول أو الموظف قبل توليه الخدمة العامة أو الوظيفة, وبعد توليه إياه بمدة. أما الوزير طبارة فيعتبر في اقتراحه ان من لم يتقدم من السياسيين, من فئة الرئيس أو الوزير أو النائب, بتصريح, لا يعتبر مستقيلا, ويكتفي باعتبار فعله, وكأنه أخل بالواجبات المترتبة عليه, أما في حالة الوزير فيلزم لمتهمه بالاثراء الحرام ان يتوجه إلى مجلس النواب لاصدار قرار اتهامي بثلثي أعضائه لاحالته أمام محكمة الوزراء والرؤساء, وهذه قيود لا يمكن ان تلاحق وزيراً) . ويتابع حرب: (لقد قام الوزير طبارة بوضع قانون لا يمكن من خلاله الملاحقة اطلاقا بحق المسؤولين. ويشرع باب الاثراء غير المشروع والفساد والافساد والهدر. وكأن هناك محاولة قبل نهاية هذا العهد لأن تعمل الحكومة براءة ذمة لنفسها, وتحصل على الحصانة لتفادي الملاحقة من المخالفات التي قامت بها, أو التي قام بها أعضاؤها, وأضاف: إذا كان هذا هو المطلوب فليقل الوزير طبارة ذلك بصراحة. وذلك يعني ان مشروعه هو ضرب للاصلاح في لبنان, وعرقلة لانطلاقة العهد الجديد الذي سيكون الاصلاح الإداري والسياسي أحد أهم الشعارات التي سيعمل على تطبيقها بجدية. ويضيف النائب بقوله: ولو لم يكن الأمر كذلك, لماذا رفض طبارة الدعوات التي وجهتها له مرارا بأن نعقد مناظرة تلفزيونية تبث مباشرة على الهواء, وان عدم استجابته لدعواتي تلك رافقها اصراره على (مشروع الهرطقة الذي يتمسك به) . ويعتبر النائب حرب ان الوزير طبارة مخالف للأصول القانونية في تقديمه مشروع قانونه حول الاثراء غير المشروع. ويضيف: (آمل أن يتفق معنا وزير العدل ان من أولى واجباته السهر على تنفيذ القوانين واحترام أحكامها شخصيا, وان يكون قدوة صالحة للمواطنين, فيبدأ بنفسه ولا يخالف القوانين لكن هذا لم يحصل؟) . وأضاف: ومن المفترض أن يعلم وزير العدل ان هناك قانونين لمكافحة الاثراء غير المشروع, الأول: المرسوم الاشتراعي رقم 38 الصادر في 18 فبراير 1953 والثاني القانون الصادر في 14 ابريل ,1954 وان هذين القانونين لا يزالان ساريي المفعول. ويعلم الوزير طبارة والكلام للنائب حرب ان المادة الأولى من القانون الصادر عام ,1954 والذي أشرت إليه, تفرض (على كل موظف, وكل قائم بخدمة عامة أن يقدم في خلال ثمانية أيام, من تسلمه العمل, تصريحا موقعا منه يبين بالتفصيل الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها هو وزوجته وفروعه) . ويمضي حرب إلى القول ولا شك ان وزير العدل يعلم ان المادة الخامسة من القانون نفسه تنص على أن: (كل موظف أو قائم بخدمة عامة لا يقدم التصريح المنصوص عنه في الفقرة الأولى من المادة الأولى (المشار إليها أعلاه) بدون عزز يعتبر مستقيلا من الوظيفة) . لذلك أقول ــوالكلام لحرب ــ: ان الوزير طبارة لم يحترم هذين القانونين, ولم يتقدم بالتصريح المنصوص عليه, وانه بذلك يخالف القانون اللبناني, وانه يستمر في وظيفته كوزير للعدل بصورة مخالفة للقانون الذي يعتبره مستقيلا لتخلفه عن التصريح عن أمواله وأموال زوجته وفروعه. ويواصل حرب هجومه اللاذع على طبارة قائلا انه لا يجوز له القاء المحاضرات عن الفضيلة والزعم بأنه حريص على تطبيق القوانين والقاء الغطة تلو الأخرى على الغير, إنما المطلوب هو عكس ذلك حسب قوله, وأضاف: فحرصا مني على كرامة الوزير طبارة, أدعوه إلى تنفيذ القانون وتقديم استقالته, لا سيما وانه مضى عليه أكثر من خمس سنوات وهو يمعن في مخالفة القانون, وهو في هذا المجال يشكل أنموذجا حيا عن العقلية المتخلفة التي تحكم البلاد والتي لا تقيم وزنا للدستور والقوانين, مما اغرق البلاد في جو الفساد والافساد, وقضى على احلامنا في بناء دولة القانون والمؤسسات) . التزمت بالقانون في وزارة التربية وردا على سؤال يقول بأن الغالبية الساحقة من المسؤولين والعاملين في الخدمة العامة لم يتقيدوا هم أيضا بالفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون 14 أبريل 1954 فهل عليهم جميعهم الاستقالة؟ وهل طبقت أنت على نفسك ذلك؟ يجيب النائب حرب بالقول: (من المؤسف ان هذين القانونين بقيا دون تنفيذ, بحيث لم يلتزم بالتصاريح المطلوبة الا قلة ضئيلة جدا من القائمين بخدمة عامة من رؤساء ووزراء ونواب وموظفين. وتحول قانون الاثراء غير المشروع إلى شعار فارغ من أي محتوى يعود إلى وجهة الحياة السياسية كلما ظهرت فضيحة في الإدارة, أو كلما ثبت تورط أحد السياسيين بمخالفات أدت إلى اثرائه, مما أدى إلى تفاقم حالة الفساد والافساد في السياسة والإدارة العامة, ولا سيما بعد فشل المحاولات الخجولة أو المبتورة التي لجأت إليها بعض الحكومات في محاولة لامتصاص النقمة الشعبية الناتجة عن انفلات الحال. أما بالنسبة لي شخصيا, فقد أقدمت يوم كنت وزيرا للتربية والفنون الجميلة سنة 1991 على التصريح عما أملك, مع زوجتي وأولادي, وطلبت إلى كل موظفي وزارة التربية تقديم تصاريح بما يملكون, وأثرت هذا الأمر في مجلس الوزراء, وعلقت استمراري في الحكومة على تجاوب الحكومة مع مطلبي الرامي إلى التقيد بأحكام القانون) . بيد ان حرب قال ان الحكومة قررت بعد أخذ ورد تكليف وزير العدل بتحديث أحكام قانوني الاثراء غير المشروع في مهلة شهرين لاقراره والالتزام به بعد موافقة مجلس النواب عليه. لكن حرب قال: ان السنوات مرت ولم ينته وزراء العدل المتعاقبون من دراساتهم ولم تطرح الحكومة أي مشروع جديد للاثراء غير المشروع) . وتابع قائلا: (في العام 1996 رشحت نفسي للانتخابات النيابية عن محافظة لبنان الشمالي, والتزمت أمام الناخبين بالسعي لتنفيذ قانون الاثراء غير المشروع, وقد قمت بالفصل بوضع دراسة مع بعض الأصدقاء من رجال القانون والإدارة حول ثغرات هذا القانون, وتقدمت بتاريخ 17 ديسمبر 1996 باقتراح قانون لتعديل قانون الاثراء والحرام لكن حرب قال ان المفاجآت بدأت منذ الجلسة الأولى للجنة الإدارة والعدل التي اجتمعت لبحث مشروع القانون, مشيرا إلى ان وزير العدل اتخذ موقفا سلبيا من الاقتراح, و(استبسل) لاعاقة اقراره, أو حتى مناقشته, واكتفى طيلة مدة سنتين, اما بالاعتذار عن الحضور لسبب أم لآخر, أو بالحضور طالبا امهاله لدرس الموضوع, أو بالحضور لينقد الاقتراح المقدم من النواب دون تقديم أية فكرة بديلة, وتحولت جلسات لجنة الإدارة والعدل إلى (جلسات صراع) بين الوزير ومقدمي اقتراح القانون. ويضيف النائب انه وبعد أخذ ورد كلامي وصل حد الخلافات الشخصية بيني وبين طبارة تقدم الأخير بمشروع قانون للاثراء غير المشروع أدخل عليه التعديلات التي رآها مناسبة مع خبراء محليين ودوليين, لكن كانت للنائب حرب ملاحظات سلبية عليه حيث اعتبره: (ان مشروع الوزير تضمن سلبيات كثيرة وتحوله من (انجاز عظيم) إلى خطوة إلى الوراء على طريق الاصلاح, وإلى تكريس لحالة الفلتان لدى قسم كبير من المسؤولين السياسيين, وإلى محاولة جديدة لحماية العابثين بالمال العام ومستغلي وظائفهم ومواقعهم السياسية لتحقيق الاثراء غير المشروع. واتهم النائب الوزير طبارة بالسعي لتحصين المخالفين ومن يحقق الاثراء غير المشروع من رؤساء ووزراء ونواب قائلا: انه جاء في مشروعة ببدعة جديدة تميز بين الموظف المسكين وبين القائم بالخدمة العامة, وأخضع كل منهما إلى نظام مختلف وإلى عقوبات عدة. وأضاف لقد أسقط الوزير الملاحقات بدلا من اسقاط الحصانات, فلم يعد بعد ذلك من حاجة إلى مواجهة الحصانات. فبعد ست سنوات من الدراسة والتفكير والاستعانة بالخبراء الدوليين والمحليين, يطالع الرأي العام اللبناني بحل عظيم لمشكلة قانون الاثراء غير المشروع, وذلك بازالة العقبة الأساسية التي كانت تحول دون تنفيذه, أي في اعفاء الطبقة السياسية عمليا من التصريح ومن الملاحقة, وبالغاء كل نص ضاغط للتصريح, بما كانوا يملكون عند تسلمهم أعمالهم, وبما أصبحوا يملكون بعد انتهاء هذه الأعمال. بيروت ــ وليد زهر الدين

تعليقات

تعليقات