تقارير(البيان): خطوات عملية نحو سياسة دفاع عسكري وأمن أوروبي موحد

بعد عشرين عاما من الجمود بدأت الحركة من جديد تدب في أوصال صناع ومخططي السياسة في أوروبا, فقد خرجت المباحثات الأوروبية ــ الأوروبية من اطار السرية لحيز العلانية , تنادي بسرعة البدء في خطوات عملية نحو خطة سياسية أوروبية أمنية موحدة, والذي فتح الباب مؤخرا هو رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) مطالبا نظرائه في أوروبا بسياسة دفاع أوروبية, ولقد استجاب لهذا الطلب المستشار النمساوي (كليما) الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي معلنا ان هذا الموضوع يحتل رأس قائمة الاهتمامات, وانه أول بنود المباحثات التي ستجرى في اجتماع القمة الأوروبية في النمسا, وقد جاء في كلمة (كليما) اثناء الاجتماع السنوي للبرلمان الأوروبي ان الضعف الأوروبي وعدم وجود سياسة أمن ودفاع مشترك موحدة يشكل ارضية من القلق لدى الشعوب الأوروبية, وأضاف بأنه يتوجب على قادة ورؤساء الحكومات الأوروبية اعطاء اشارة بأن تحقيق الوحدة الاقتصادية وتنفيذ التعامل بالنقد الأوروبي الموحد (الإيرو) ليس نهاية المطاف, وانه من الواجب التحدث عن الدور الأوروبي في العالم, واستطرد المستشار النمساوي (كليما) في تصريحاته يسترشد بكلمات رئيس اللجنة الأوروبية (جاك سانتيير) الذي اعلن في وقت سابق ان الشعوب الأوروبية تنتظر من حكوماتها ألا تتدخل في قضايا دولية فرعية ليس لأوروبا شأن فيها, وان تهتم بقضايا أوربا مثل: مكافحة البطالة, الأمن, مواجهة الجرائم المنظمة, وان (كليما) حاول ان يستمد القوة والتأييد من تصريحات (سانتيير) في سعي صريح لتأكيد البحث عن فكرة الامن والدفاع المشترك الأوروبي, وتحفيز الشعوب الأوروبية لبث مزيد من الحماس لهذه المطالب, مؤكدا مساندته لرئيس اللجنة الأوروبية بأنه فقط في حالة النظر للمصالح الأوروبية القومية سوف لا يكون أدنى شك في تطوير المزيد من التعاون في أوروبا, وجدير بالذكر ان (سانتيير) لم يخف خلال السنوات الاخيرة مشاعر القلق وعدم الرضا للقصور الأوروبي الذي يفتقر لسياسة خارجية ومواقف موحدة, وهو الذي وصف الاتحاد الأوروبي اكثر من مرة بأنه يبحث عن علامات على الطريق في الساحة الدولية, وانه في صراع دائم من اجل التوصل لصيغة يستطيع من خلالها التحدث بلسان رجل واحد! ولم يقتصر هذا الوصف على لغة الكلام بل تؤكد المعلومات وجود ثمة خطة لمشروع سياسة أمن ودفاع مشترك, وهذا المشروع قد توارى بسبب البيروقراطية, ومن ناحية ثانية انشغال أوروبا بقضايا اخرى عطلت مشروع الدفاع الموحد مؤقتا, أما الآن وقد شارف الاتحاد الأوروبي على الانتهاء من اثنين من أهم القضايا وهما: وحدة النقد الأوروبية (اليورو), وتنظيم الأسواق الأوروبية الداخلية. فليس أمام أوروبا في المرحلة المقبلة الا مشروع الامن والدفاع المشترك, ذلك بالرغم من ان التطورات على الساحة الدولية تؤكد ان أوروبا ليس لها أعداء, وتفيد المعطيات السياسية الظاهرة بأنها لا تنوي التمهيد والاستعداد لشن حرب قريبة على واحدة من القارات الأخرى في العالم, كما ان ــ أوروبا ــ لا تعيش حالة من الصراعات العسكرية, وذلك باستثناء ما يحدث في الاتحاد اليوغسلافي السابق ومنطقة البلقان بصفة عامة, والتي لو أرادت فعلا أوروبا حسم المشاكل هناك لحدث ذلك في أقل من 24 ساعة, وهذه قضية أخرى ليست محل الطرح الآن, لكن لماذا تبحث أوروبا عن سياسة أمن ودفاع مشترك؟ من ناحية الدفاع فإن دول الاتحاد الأوروبي هي ايضا اعضاء في المنظمة العسكرية (حلف شمال الأطلسي) المعروف بالناتو, ومن الواجبات الأساسية لهذا الحلف الدفاع عن أعضائه وتوفير الحماية لهم, أما قضية الأمن فلم تعد هناك أخطار قائمة تهدد الشعوب الأوروبية, خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق, اذن ما هي حاجة أوروبا لاتفاقية أمن ودفاع مشترك؟ وهل فعلا هي في حاجة لمثل هذه الاتفاقية؟ تشير كل التطورات الأوروبية بأن الاجابة تكمن في ان أوروبا تبحث عن دور سياسي على الساحة الدولية تنقذ به إراقة ماء وجهها من وقت لآخر خاصة أمام أمريكا التي تدفع أوروبا في معظم المشاكل الدولية نحو تقديم المساعدات الاقتصادية فقط, والمشاركة تحت قيادتها, فهل آن الأوان وبعثت اليقظة في الاتحاد الأوروبي لتكوين جيش أوروبي واحد, وتوقيع اتفاقية أمنية ودفاع مشترك واحدة. حتى يكون لها ــ أوروبا ــ القدرة على اتخاذ مواقف سياسية ولعب دور فعال على المسرح الدولي يسمح لها بمواجهة القطب الأمريكي الواحد؟ ستجيب التطورات في المرحلة المقبلة على هذا السؤال وأسئلة أخرى كثيرة, ويبقى السؤال الأخير والمهم اذا كانت دول الاتحاد الأوروبي القوية اقتصاديا وعسكريا تبحث عن التوحد الدفاعي والأمني دون مبررات ملحة, فأين نحن في العالم العربي من التوحد الأمني والدفاعي لحماية أمتنا العربية, ولنا في الأزمة التي فجرتها تركيا وتهديدها لسوريا العربية أسوة وتجربة واضحة. بروكسل ــ سعيد السبكي

تعليقات

تعليقات