الناتو وهولبروك والفرص الضائعة في كوسوفو

بعد خمسين ساعة من المفاوضات مع الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش اعلن المبعوث الامريكي ريتشارد هولبروك الاسبوع الماضي عن خطة مفصلة لحل النزاع القائم في اقليم كوسوفو الذي تقطنه غالبية البانية . فقد وافق ميلوسيفيتش على السماح للجنة تحقيق غربية تتألف من 2000 مراقب, وكذلك على عمليات مراقبة جوية تقوم بها طائرات غير مسلحة لحلف الناتو. وأخيرا وليس آخرا, قطع ميلوسيفيتش وعدا على نفسه بتقديم تنازلات سياسية جوهرية حول إقامة حكم ذاتي في كوسوفو في المستقبل. وبعد شهور من التعنت يبدو ان ميلوسيفيتش اصبح مستعدا للاذعان لمطالب الغرب لمنع حدوث جولة جديدة من سفك الدماء في البلقان. ولكن وسط اجواء الارتياح التي سادت بعد الاعلان عن الاتفاق, لم يلاحظ الا عدد قليل من المراقبين ان القائد اليوغسلافي لم يعط موافقته الخطية على كثير من المطالب المهمة والجوهرية مثل انسحاب معظم قوات الجيش ورجال الشرطة الصرب الذين قتلوا المئات من سكان اقليم كوسوفو واجبروا ما يزيد على ربع مليون منهم على النزوح بعد حرق بيوتهم. لقد كانت هذه الفجوة الاكبر في الاتفاق ولكنها لم تكن الوحيدة, وخصوصا ان مؤيدي الاتفاق والمتحمسين له من الامريكيين والاوروبيين اعربوا عن شكوكهم حول الاتفاق الذي توصل له هولبروك مع ميلوسيفيتش. وبعد فترة قصيرة من الاعلان عن الاتفاق علق الرئيس الامريكي بيل كلينتون قائلا: (ان مقابر البلقان مليئة بالوعود التي حنث بها الرئيس ميلوسيفيتش) . اما بالنسبة لهولبروك نفسه, فان هذه هي المرة الثالثة التي يحاول فيها احلال السلام في اقليم كوسوفو. فالمفاوضات التي اجريت في شهر مايو تحولت الى كارثة عندما استخدمها ميلوسيفيتش كغطاء لشن هجوم واسع وشامل على قرى الاقليم بتهمة ايوائها لعناصر من جيش تحرير كوسوفو. وقبل اكتمال تلك المفاوضات اضطر ما لا يقل عن 13 ألف مدني من النزوح الى البانيا. اما ابراهيم روجوفا القائد الكوسوفي الذي وافق على لقاء ميلوسيفيتش, فقد وجد نفسه في دوامة نزاعات سياسية داخلية ودفعت بالعديد من المعتدلين الغاضبين للالتحاق بمعسكر جيش تحرير كوسوفو الذي لايزال يرفض انصاف الحلول ويصر على الاستقلال التام للاقليم. اما محاولة هولبروك الثانية في شهر يونيو فلم تزد عن كونها مهمة لتقصي الحقائق ولم يتمخض عنها اكثر من ابطاء مؤقت لحملة الحرق والتدمير التي شنتها القوات الصربية والتي ادت الى تهجير 250 ألف مدني من بيوتهم ولايزال 50 ألف منهم يعيشون في العراء في التلال المجاورة. اما هذه المرة, فقد كان هولبروك يتمتع بدعم حلف الناتو بعد ان وجه تهديدا جادا باللجوء الى استخدام القوة ضد الصرب. كما ان مشاركة الجنرال الامريكي مايكل شورت, والذي يشرف على اختيار الاهداف لحلف الناتو, في الوفد المفاوض, اقنع ميلوسيفيتش ان الغرب جاد في تهديداته. لقد كانت المطالب في غاية الوضوح: ليس هناك من خيار امام ميلوسيفيتش سوى سحب قواته من كوسوفو, وان يبدأ حوارا جادا مع المسؤولين في الاقليم والسماح لعودة اللاجئين دون قيد او شرط, وكذلك السماح بمرور الاعانات الغذائية والطبية وعدم التعرض لهيئة التحقيق في جرائم الحرب. لقد جاء التقدم على الجبهتين الانسانية والسياسية فوريا. فقد نشرت الحكومة الصربية احد عشر بندا للتوصل الى حل سياسي وجدول زمني لانجازه. ومن اهم التنازلات القبول باجراء انتخابات خلال تسعة اشهر تؤدي الى حكم ذاتي بصلاحيات موسعة لسكان الاقليم, والادارة المحلية لقوات الشرطة واصدار عفو عام لجميع الذين شاركوا في القتال باستثناء اولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب. اما على الجبهة العسكرية فقد ترك هولبروك للقائد الصربي مجالا واسعا للمناورة وخصوصا فيما يتعلق بحجم القوات العسكرية المسموح لها بالبقاء في الاقليم. فالصرب لم يلتزموا الا (بسحب قوات الأمن المستخدمة في اضطهاد المدنيين) . وهو تعبير يكتنفه ما يكفي من الغموض للسماح لميلوسيفيتش بالدخول في جدال لا نهاية له حول التفاصيل وتحديد طبيعة القوات التي تمارس الاضطهاد والقمع ضد المدنيين. لقد اصر جنرالات حلف الناتو الذين اجتمعوا بميلوسيفيتش على ضرورة تحديد عدد القوات التي سيسمح لها بالبقاء في الاقليم, الا ان هولبروك وغيره من رجال السياسة الغربيين وجدوا انفسهم امام ازمة حقيقية لان الغرب لا يرغب برؤية مزيد من التفكك بانفصال اقليم كوسوفو لان هذا سيكون بمثابة سابقة خطيرة لتغيير الحدود من طرف واحد وقد تنتشر الى الاقلية الالبانية في مقدونيا ودفعها لاعلان الثورة. ولذلك لابد من بقاء بعض القوات الصربية في الاقليم لمنع جيش تحرير كوسوفو من الامساك بزمام الامور والسيطرة على الموقف. ولكن مع اقتراب فصل الشتاء, فان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها لا يستطيعون السماح بحدوث كارثة انسانية او ترك اللاجئين يعيشون في العراء في الجبال والتلال المجاورة ليواجهوا الموت من الجوع والبرد. ويأمل هولبروك ان ينجح فريق المراقبين بالتعاون مع القوات الجوية لحلف الناتو بالقيام بالمهمة ومنع حدوث المزيد من المعاناة لسكان اقليم كوسوفو. واستنادا لما قاله هولبروك فان الصرب سيقومون بوقف دفاعاتهم الجوية فوق كوسوفو عن العمل ويضعون الانظمة المضادة للطائرات في المستودعات وذلك لافساح المجال لطائرات حلف الناتو للقيام بمهمتها. الا ان آليه عمل فريق المراقبين على الأرض تبقى غامضة. وبالرغم من تأكيدات المسؤولين على ان المهمة على الارض ستكلل بالنجاح, الا ان اولئك الذين يعارضون هذه المهمة وينتقدونها يميلون الى الاعتقاد بأن المراقبين الألفين سيكونون رهائن اكثر من كونهم مراقبين. وتراود حلف الناتو مخاوف من قيام الصرب بهجمات انتقامية ضد المراقبين اذا ما قامت قوات الحلف بضرب اهداف صربية في حال عدم التزامهم بالاتفاق. ويقول ايفو دادلر من معهد بروكنجز (انه طالما هناك 2000 رهينة محتملة, فان قدرتنا على ممارسة الضغط على ميلوسيفيتش ستنحسر كثيراً) . اما ديفيد جونسون, السفير الامريكي في قوات المراقبة فقال انه في حال حدوث اعتداء على المراقبين (فاننا سننسحب على الفور ونعود الى حيث نحن الآن اي (التهديد بتوجيه ضربات جوية. واضاف ان حلف الناتو سيعمل على تجهيز قوات تبقى على اهبة الاستعداد لسحب (المراقبين) اذا ما دعت الحاجة لذلك. اما جيش تحرير كوسوفو فيشكل احد مصادر التهديد والخطر على المراقبين. فبعد هزيمته امام القوات الصربية, ادرك المسؤولون في هذا الجيش ان افضل طريقة لمحاربة القوات الصربية هي اتباع اسلوب حرب العصابات وهي (ان تضرب وتهرب) ونتجنب المواجهة المباشرة. ولكن حتى هذا النوع من العمليات يمكن ان يقضي على اية فرصة لتحقيق السلام. اضف الى ذلك ان هناك مجموعة من الصرب الذين يعيشون في الاقليم يتهمون ميلوسيفيتش بانه تخلّى عنهم. وتصر (حركة المقاومة الصربية) المجموعة المعادية للألبان في كوسوفو, على ان كل صربي, فلاحا كان ام جنديا, على استعداد للدفاع عن الأرض الصربية. يبدو واضحا بعد هذا العرض الموجز ان احتمالات فشل الاتفاق تفوق كثيرا احتمالات نجاحه وخصوصا ان بعض التنازلات التي وافق عليها ميلوسيفيتش مازالت عاتمة وفضفاضة وتحتاج الى آلية واضحة ومحددة لتنفيذها على الأرض. ولعل هذا هو اهم الانتقادات التي توجه الى هولبروك وطريقة معالجته للاتفاق. لقد كان بامكان المبعوث الامريكي ان يحصل على مزيد من التنازلات من ميلوسيفيتش وخصوصا ان حلف الناتو قد اعطاه مهلة 96 ساعة للموافقة على مطالبه قبل ان تبدأ العمليات العسكرية. ولكن بدلا من الانتظار لتحقيق شروط افضل خرج هولبروك بعد ست ساعات فقط ليعلن اتفاقا يفتقد الى التماسك ويعاني من الفجوات, واتجه مباشرة الى المطار مفوتا على نفسه وعلى حلف الناتو الفرصة لايجاد حل يرضى جميع الأطراف ويجنب المنطقة المزيد من اعمال القتل والدمار. ان تاريخ ميلوسيفيتش الحافل بالمراوغة ونكث العهود والتراجع عن الالتزامات يبرر ما يميل اليه الكثير من المراقبين بأن هولبروك سيجد نفسه مضطرا وفي المستقبل القريب للعودة الى البلقان ليحاول وللمرة الرابعة ان ينجز مهمته بنجاح. ترجمة ـ سليمان عوض: عن مجلة تايم

تعليقات

تعليقات