أم نظمي تحكي قصتها مع ثورة مصر

عندما زارتها (البيان)في منزلها المتواضع بمنطقة عابدين بوسط القاهرة كانت تعد لزيارة أبنائها الثلاثة في سجن طرة, ومع ان موعد الزيارة كان بعد اسبوع من يوم اللقاء, الا انها كانت حريصة على استكمال كل ما يحتاجه الابناء الذين قالت انها أصبحت خبيرة بشؤونهم , الا ان ما يحزنها هذه المرة انها لن تجد ابنها محمود نور الدين قائد تنظيم ثورة مصر قبل ان تنخرط في بكاء مرير. انها والدة نظمي شاهين أحد أعضاء ثورة مصر القابعين الآن خلف الأسوار في سجن طرة منذ 11 عاما, والتي تبدو كما لو كانت شاركت أعضاء ثورة مصر في كل عملياتهم التي استهدفت عناصر الموساد في شوارع القاهرة, فهي تحفظ جيدا تاريخ كل عملية ودور ابنها فيها, وتذكر جلسات المحاكمة ولحظة استقبال محمود نور الدين للحكم, وكيف التقى ابناء الشعب المصري على تأييد هذه الثورة التي أعادت الى الاذهان أجواء الحرب المقدسة ضد أعداء الأمة, وقالت السيدة الصابرة المحتسبة انها تدعو الله ان يتغمد محمود نور الدين برحمته. وأشارت الى ان نور الدين زارها في منامها وأوصاها خيرا باخوانه نظمي شاهين وحمادة شرف وسامي عبدالفتاح أعضاء ثورة مصر الذين قضوا حتى الآن 11 عاما في السجن وبقيت أربع سنوات. وقالت ان نبيلة شقيقة نظمي لم تتحمل خبر وفاة محمود نور الدين وأصيبت بذبحة صدرية. وأضافت: لقد حزنت عليه كثيرا وبكت معي ساعات طويلة ويبدو انها لم تتحمل. وعندما سألناها: وهل كانت ابنتك تعرف نور الدين؟ قالت: نعتبر محمود نور الدين أحد أبناء الاسرة, جميع أبنائي يعرفونه جيدا, وكم من رجال التقوا في هذه الشقة المتواضعة وكان قائدهم محمود نور الدين.. وكم كنت سعيدة بهذه اللقاءات التي لم تمتد طويلا, فقد قبض عليهم جميعا يوم 16 سبتمبر عام 1987 وهو اليوم نفسه الذي ودع فيه محمود نور الدين دنيانا بعد 11 عاما من السجن. أنا (أم نظمي) تذكر أم نظمي ليلة القبض على الابطال, فقد جاء رجال الشرطة في زيهم العسكري, وكان بينهم رجال يرتدون الملابس المدنية.. طرقوا الباب وسألوا عن العنوان فلما أخبرتهم ذهبوا ثم عادوا بعد لحظات وهجموا على البيت, لم يكن نظمي موجودا في هذه الليلة, وقبيل الفجر عادوا به وأخذوا بعض المتعلقات الخاصة به من هنا وذهبوا. وفي صباح اليوم التالي عندما تصفحت الجرائد وجدت ان نظمي شاهين وأصدقاءه حمادة وسامي بين المتهمين وعلى رأسهم محمود نور الدين وخالد جمال عبدالناصر وشريف حسين الشافعي قد دخلوا السجن. منذ هذا التاريخ بدأت رحلتي مع هؤلاء الابناء, فقد حضرت على مدى أربع سنوات جلسات المحاكمة كاملة وطوال الــ 11 عاما الماضية عرفت طريق منطقة سجون طرة مرتين شهريا, أذهب للزيارة.. التقي بالأبناء حاملة معي كل ما يحبون حتى المياه المثلجة أحملها معي واللب والفول السوداني.. التقي بهم واتحدث معهم, ويوصيني محمود نور الدين بأبنائه مروة ابنة نظمي الوحيدة التي تركها قبل ان تكمل عامها التاسع.. في كل زيارة كنت أتحدث مع نور الدين ورفاقه في كل شيء.. انقل لهم صورة لما يحدث في الواقع, فهم خلف الأسوار في عالم آخر غير الذي نحياه. كانت الزيارة الأخيرة يوم 15 سبتمبر الماضي وفي الساعة الحادية عشرة والنصف خرج حمادة من زنزانته واستدعى نظمي, وبعد لحظات خرج نظمي وترك حمادة في الزنزانة. في هذا اليوم لم يستطع نور الدين ان يخرج من الزنزانة لتحيتي كعادته, وعندما سألت عليه قالوا انه مريض وبقي حمادة بجانبه, وظل نظمي طوال الزيارة شاردا وكأنه يعلم ان محمود سوف يفارقه للأبد.. لكن في الزيارة التالية أعلمني ابني حمادة بأن نور الدين مات ولا أعلم الآن كيف حال الأبناء الثلاثة بعد رحيل محمود. وهل يتخيل نظمي ابني انه سيعيش أربعة أعوام كاملة داخل السجن ومحمود بعيد عنه.. لهذا السبب نلتمس من رئيس الجمهورية ان يصدر قراره بروح الأب بالافراج عن هؤلاء الابناء قبل ان يصبح مصيرهم نفس مصير نور الدين. وتواصل أم نظمي حديثها الباقي قائلة: حتى الآن لم استطع القيام بواجب العزاء لأبناء ابني محمود, فأهل المنطقة وكثيرين لا أعرفهم يأتون اليّ يوميا ويواسونني, كان آخرهم الفنانة نادية لطفي وحمدي احمد الذي حرص على توصيلي يوم الجنازة الى هنا, وأتلقى يوميا عشرات المكالمات الهاتفية من ابنائي شباب مصر الذين يعرفون قدر التضحية التي قدمها أبطال ثورة مصر. الاقصى في قلبه تعتز والدة نظمي بمجسم للأقصى السليب صممه محمود نور الدين في زنزانته وأهداه لها قبل شهر واحد, ولوحة فنية صممها نظمي داخل زنزانته في عيد الأم الماضي تحمل توقيع (الى أغلى أم في الوجود.. أم نظمي) .. من ولدك الحر نظمي شاهين. زينة شباب عابدين من حارة الى حارة في منطقة عابدين تعيش ثورة مصر, ومن بيت الى بيت يستدفىء البسطاء ببطولات هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى.. ومن حارة الشيخ ريحان الى حارة الدقامسة منزل سامي عبدالفتاح الذي ترك والدته وحيدة فالتهمتها الأمراض وباعت أثاث بيتها الفقير لتنفق على متطلبات زيارة وحيدها سامي في سجنه وتنتظر بين لحظة واخرى لقاء ربها, لكنها تتمنى ان يشما معا هواء الحرية في حارة الدقامسة وأم سامي لا تعرف من أصل المنطقة سوى والدة نظمي التي تزورها تقريبا كل يوم وتخفف عنها كثيرا.. ويقتلان معا الوقت احيانا في حديث عن الابناء المغيبين خلف أسوار السجون, وهذه السيدة لا تتمنى شيء سوى ان ترى سامي (زينة شباب عابدين) ــ كما تقول ــ بين يديها ولو ليوم واحد قبل ان تموت. وتتوجه بنداء آخر الى رئيس الجمهورية ان يفرج عن هؤلاء الابناء الذين ضحوا بشبابهم من أجل مصر. وسامي عبدالفتاح لم يقرأ كثيرا من تاريخ الصراع العربي الصهيوني ولم ينضم الى تنظيمات سياسية قبل ان يصبح عنصرا فاعلا في تنظيم ثورة مصر, لكنه لبى نداء الوطن وفكر في مصر قبل ان يفكر في والدته. القاهرة ــ مكتب البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات