تقارير (البيان): كيف تفكر دمشق

لم أرغب منذ البداية باجراء حوارات صحفية مسجلة مع القادة السوريين الذين التقيتهم والذين تعذر لقاؤهم في زيارتي الاخيرة للعاصمة السورية. كان فاروق الشرع قد اعتذر عن التسجيل في فترة سابقة, لان اعطاء اجوبة صريحة , مقنعة, سيعني بالضرورة فتح المعارك مع الآخرين في وقت تجهد دمشق لاعادة صياغة موقف عربي يستجيب للتحديات. وفي خبرة سابقة مع قادة الانظمة المركزية في الدول الاشتراكية وموسكو في المقدمة منها أيقنت ان أحدا منهم لا يستطيع ان يقدم لك مواقف تتجاوز ما هو منشور ومصاغ بدقة يحفظها المسؤولون عن ظهر قلب ويسكبوها أمامك مهما تكن طبيعة الاسئلة ودقة الصناعة الصحفية فيها. النظام السوري مازال يحتفظ بشيء من المركزيةرغم وجود أشكال من الليبرالية والانفتاح في كافة المجالات, وفي هذه المرحلة التي تسرب فيها الصحافة الاسرائيلية مبالغات حول تطوير هائل في السلاح السوري ومبالغات حول طاقم الصقور الذي صعد لقيادة الجيش والأمن في دمشق وفي هذه المرحلة التي يتجه فيها الكنيست لفرض تشريع ــ مازال في بداياته ــ لتحريم الانسحاب من الجولان الا بتصويت أغلبية مطلقة واستفتاء عام قد يحددون ان تكون نسبة الحسم فيه 60% كما فعل ديجول ذات يوم حين أصر على تفويض من الشعب بنسبة 75%, في مثل هذه الظروف قد يكون من الصعب تحقيق استطلاع لمواقف سوريا في هذه الحقبة التاريخية من خلال التمترس وراء المسجل وتلقي اجوبة تقطر حذرا وعمومية. لهذا تحدثت مطولا مع عدد من كبار صانعي السياسة السورية وخاصة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ووزير الاعلام د. محمد سلمان وأعدت قراءة كل ما هو منشور في الفترة الأخيرة من مذكرات غربية واسرائيلية تتعلق بالمفاوضات مع سوريا وخاصة كتاب رابينوفيتش (حافة السلام السوري الاسرائيلي) وكتاب (المسيرة) لاوري سافير ولكل ما تم نشره على الجانب الآخر وذلك لتكوين صورة عما تفكر به دمشق وما تقرأه في الواقع الراهن وما تتوقعه وتعمل من أجله في المستقبل وعلى المدى المتوسط والبعيد. والموضوع الرئيسي الذي يناقشه الصحفي والسياسي الزائر الى دمشق, لابد أن يتعلق أساسا بعملية السلام. قلت للأستاذ عبد الحليم خدام وقد استقبلني ليلا في منزله الواقع على أعالي مدينة بلودان السياحية: أين نحن الآن؟ أجاب: نحن في بلودان. قلت: منظر جميل وساحر وخلاب هذه السهول التي نشاهدها من هذه الشرفة, هل منظر عملية السلام الذي نشاهده في هذه اللحظة التاريخية فيه شيء من هذا الجمال الباعث على التفاؤل. تحدث الرجل مطولا وبأدق التفاصيل التي انسابت عفويا من هذا الرجل الذي واكب العمل السياسي العربي أكثر من ربع قرن ليست كلها للنشر بالطبع: فيها الجروح والمواجع والمراجعات وفيها ما قدمته سوريا وتنكر له كثيرون, وفيها رغم ذلك, الحرص على تجاوز ما هو قائم نحو ما هو أفضل. كان في ذهني على الدوام اسئلة حائرة تحتاج الى حل الرموز والتوصل لاجوبة مقنعة فيما يتعلق بالسياسة السورية التي مازال الاعلام عنها قاصرا في اختراق عقولنا وأقلامنا نحن معشر الصحافة وأهل الكلمة, رغم أشكال من التقدم والمبادرات المحدودة في الفترة الاخيرة, فالمسؤولون السوريون حذرون في التعامل مع وسائل الاعلام, ويحددون مواقفهم بأكبر قدر من التركيز وأقل قدر من الكلمات المحسوبة عليهم حين تنتصب أمامهم المسجلات وكاميرات التصوير. من هذه الاسئلة الحائرة: لماذا لم يذهب العرب الى مؤتمر مدريد بوفد عربي موحد, هل عملت دمشق لتحقيق ذلك, وهل كان ذلك ممكنا لو أصروا جميعا عليه, وهل كان يمكن لنا أن نشهد هذا المشهد وهذه التسويات لو تحقق الوفد الموحد وفاوض بقوة عربية واحدة حول كافة القضايا, وهل كان لنا أن نشهد وضعا مختلفا الآن, واتضح لي بعد حوارات مع كافة الاطراف ان سوريا كانت حريصة على تحقيق هذا الوفد المشترك او الموحد, لكن الاطراف العربية الاخرى لم تكن راغبة في ذلك, فالفلسطينيون يريدون ان تعترف بهم اسرائيل طرفا مستقلا وتتفاوض معهم على هذا الاساس وذلك ما تم في نهاية المطاف لكن الحصاد مازال بعيدا عن أن يكون في مستوى الحد الادنى من الطموحات الوطنية. ومن هذه الاسئلة الحائرة: هل تريد دمشق التوصل لسلام فعلا أم أنها تريد المناورة وحماية الرأس مستوعبة كل دروس التهور السياسي والعسكري العراقي, ريثما تتغير الظروف والاحوال وتحدث اصطفافات جديدة في المنطقة تشمل ايران والعراق, وتصبح فيها ومعها دمشق الطرف الاقوى على المساومة. لماذا ترددت دمشق في التوصل لاعلان مبادىء في عهد اسحاق رابين ثم شيمون بيريز وهل كان ذلك ممكنا؟ هل شجعت, عبر حلفاء في لبنان, على اسقاط بيريز ومجيء نتانياهو لتخفيف الضغط عنها وحتى تصبح الكرة في ملعب هذا القائد الاسرائيلي المتطرف؟ اسئلة قاسية ولكنها مطروحة في السوق السياسي وقد طرحتها أو طرحت أغلبها وإن بأسلوب غير مباشر على نائب الرئيس وعلى وزير الاعلام د. محمد سلمان الذي تحاورت معه هو الآخر فترة طويلة من الوقت وبدا لي مستوعبا لأدق الامور والسياسات, ذلك ان حل شيفرة هذه الاسئلة السياسية المعقدة يساهم في توضيح الصورة ويساهم في توضيح حقيقة المواقف التي اندفعت وما زالت تندفع للاتفاق تلو الآخر مع اسرائيل, سياسيا وتطبيعيا, متذرعة بأنه لا يمكن انتظار السوريين الذين لا يريدون في واقع الامر, حسب ذلك المنطق, اية تسوية في هذه اللحظة التاريخية. قلت لأحد القادة الفلسطينيين الكبار (والكبار جدا): اذا استمرت المراوحة وعدم التقدم في المسار التفاوضي فإن الحل الفعلي لا يكون بالقفز في الهواء والهروب للأمام عبر التهديد بإعلان دولة, بل يكون بالعودة لتكامل المسارات مع سوريا ولبنان وبإعادة صياغة المواقف والتحالفات حيث يبدو لي ان قدرة وطاقة الاندفاع على المسار الفلسطيني بالماكينة الوطنية وحدها توشك ان تصل لنهايتها ويوشك العداد على الصفير معلنا نفاد الوقود. قال لي: هل انت متأكد ان دمشق تريد تسوية اساسا. وفي السياق نفسه, هناك من يشبهون الموقف السوري من التسوية واستحقاقاتها برجل نزل في فندق وبعد ايام اكتشف ان الفاتورة كبيرة لا يستطيع ان يدفعها, وفي كل يوم جديد تزداد الفاتورة دون ان يكون قادرا على البقاء أو المغادرة فهو في ورطة. فالسلام له استحقاقات ويتطلب في حالة تحقيقه وجود سفارة اسرائيلية في دمشق وأفواجا سياحية ترتاد مطاعم دمشق وفنادقها في وقت قام البعث وأحزاب سوريا عبر نصف قرن بتعبئة هائلة ضد الوجود الاسرائيلي نفسه وما زالت التعبئة قائمة, ويتطلب مغادرة لبنان ويتطلب في عصر السلام قبول دور أقل قيادية من دور دمشق في عصر المجابهة مع العدو وهي التي تملك جيشا قويا وراسخا, ويتطلب اطلاق مزيد من الحريات الديمقراطية بعد ان تنتهي مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. استمع وزير الاعلام واستمع خدام لهذه الاطروحة باستغراب شديد. كان الاستاذ فاروق الشرع قد قال لي في حوار سابق ان اكثر ما يلحق الاذى بدمشق هو ترداد مقولة ان سوريا لا تريد السلام وان كل ما تفعله هو حركة من اجل الحركة. قال عبدالحليم خدام ان هذه التحليلات والتشبيهات تتمتع بدرجة عالية من الغباء ان لم نقل شيئا أكثر قسوة. في كل محادثاتنا مع اسرائيل ولابد انك اطلعت على كل ما نشره الاسرائيليون لم يطرح علينا احد ايا من هذه البنود ــ الموهومة ــ لفاتورة السلام ولا أحد يجرؤ اصلا ان يفعل ذلك معنا, وفي محادثاتنا مع الطرف الامريكي بما في ذلك محادثات الرئيس الاسد مع بيل كلينتون في جنيف لم نسمع حرفا واحدا عن لبنان والدور الاقليمي والديمقراطية الداخلية. سوريا تنتزع دورها بقوتها الاستراتيجية وليس منحة من احد, والانفتاح الداخلي مسألة سورية داخلية يقررها الشعب السوري ومن المستحيل ان نقبل حولها حديثا من الخارج. والعلاقات اللبنانية السورية مسألة ثنائية في نهاية المطاف رغم تداخلاتها الاقليمية. قبل ذهابي لدمشق اعدت قراءة متأنية وفاحصة لما نشره رابينو فيتش في كتابه: (حافة السلام السوري الاسرائيلي) والذي تضمن ادق التفاصيل حول المفاوضات السورية الاسرائيلية التي قادها هذا البروفيسور, وهو الذي كان قد تقدم بدراسة سيئة لمؤتمر جامعة بار ايلان عام 1992 حول: (الاقليات المذهبية والدينية والطائفية في سوريا) موحيا بإمكانية اسرائيلية لاستثمار ذلك لتفتيت هذه الدولة المستقلة, وأعدت قراءة ما نشره حديثا أوري سافير وكذلك ما تضمنته مقالات ودراسات اسرائيلية حول سوريا والتسوية السياسية, وأعتقد انني اقتربت من حل اللغز: هل تريد دمشق التوصل فعلا لتسوية سياسية؟ وخرجت بعد كل هذا القراءات والحوارات باستنتاج يرى ان سوريا تريد تسوية عادلة, بالمقاييس النسبية للعدالة, تحقق انسحابا شاملا من الجولان وحتى حدود الرابع من يونيو مقابل علاقات سلمية طبيعية مع اسرائيل تحدد حدودها تطورات الامور والمصالح كما قال وليد المعلم في مفاوضاته مع الاسرائيليين. السوريون يتحدثون منذ فترة عن الانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران 1967, وهذا ما حققوه مع طاقم المفاوضات الاسرائيلية أيام اسحق رابين, ولم يعودوا يتحدثون عن الانسحاب من الجولان لأن هناك من يثير قصة (الجولان الفلسطيني) وإمكانية قبول مساومة سورية حوله وهو وهم لا أساس له من الصحة. حين أقر بيريز التزامات رابين في يوم تشييع جنازته حول الانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران, يأس رئيس استخباراته السابق: ألا يعرف رابين ان ذلك يشمل انسحابا من أراض غير سورية ولم تكن تتبع سوريا ايام الانتداب الفرنسي؟ قال لي وزير الاعلام انه حين تلقى سؤالا من صحفي اجنبي حول (الجولان الفلسطيني) ظن ان هناك خطأ في الترجمة اذ انه يعرف بأن الجولان محتل ويجب ان يعود كل شبر وقع تحت الاحتلال. من خلال كل ما هو منشور, من الواضح ان اسحق رابين كان يفضل التوصل اولا لاتفاق مع سوريا وقد حاول احداث اختراق في مفاوضات واشنطن دون ان يحقق اي نجاح. المحاولة بحد ذاتها جعلت الفلسطينيين يسرعون الخطى نحو دخول أوسلو, وسافير يقول انه لو تم حدوث اتفاق ما مع سوريا, لما أعطينا الفلسطينيين الا غزة وحدها التي كان يحلم شيمون بيريز ان يصحو ذات يوم, بعد ليلة حافلة بالنبيذ المعتق, ليرى غزة وقد ابتلعها البحر. كان هاجس الخوف من اندفاع سوريا لاتفاق منفرد هو احد عوامل الاسراع الفلسطيني في دخول غابات وضواحي أوسلو الجميلة, بجانب العامل المركزي وهو الأهم وهو الخوف من الانقراض السياسي لقيادة المنظمة بعد عزلتها وانعزالها في تونس اثر اخطائها وخطاياها في حرب الخليج, وكانوا يتحدثون دوما ان سوريا تريد الاوراق الفلسطينية والاردنية واللبنانية لتساوم بها من موقع القوة, واتضح ان ذلك التحليل وتلك المخاوف لم تكن سوى غطاء للاندفاع نحو اتفاقات ثنائية كان قادة (القرار الوطني الفلسطيني) وما زالوا مؤمنين بأنها الطريق الوحيد لانتزاع ما يمكن انتزاعه من حقوق شعب فلسطين. قد يكونون على حق, وقد يكونون على خطأ, والامر سيتحدد نهائيا على ضوء سير الامور على المسار الفلسطيني. ومن خلال كل ما هو منشور, وخاصة المفاوضات في واي بلانيتشن بين سوريا وإسرائيل بحضور الوسيط الامريكي حضورا فاعلا أزعج الاسرائيليين الذين يريدون لموازين القوى الثنائية ان ترسم حدود الاتفاقات, يتضح دون عناء كبير ان السوريين قد أبدوا مرونة واضحة في أمور عديدة ولكن على (الطريقة السورية) كما يقول سافير الذي يرى ان فهم (اللغة السورية) كان شاقا ولكنه الطريق الوحيد للتوصل لحلول وسط. بدأ الطرفان بإظهار أقصى درجات التشدد, قال الجنرال عوزي دايان الذي بسط امام المفاوضين خارطة المنطقة للسفير وليد المعلم: انظر سعادة السفير, لا نريد اي جيش سوري بين الجولان وحتى هنا ووضع يده على دمشق. انفجر المعلم غاضبا: أنزل يدك عن عاصمتنا, إياك ان تلمسها مرة اخرى. تلك كانت البداية وهي بداية منطقية لمتفاوضين اعداء تفصل بينهما جبال من الجماجم تطاول عنان السماء, وهي بداية مختلفة جذريا عن بدايات وفدنا الفلسطيني العتيد في أوسلو الذي كسر عصاته من أول غزواته وأبدى مرونة شديدة وتحدث عن العرب الذين خذلونا فأفقد نفسه بنفسه أهم أوراقه التفاوضية ان لم نقل الاستراتيجية, فإذا ضاقت الدنيا علينا بما رحبت, وبقي الجنود الاغراب المدججون بكل صنوف الدمار يجوبون قرانا في فلسطيننا آناء الليل وأطراف النهار, فليس أمامنا الا العودة للحضن العربي, دافئا كان أم باردا, سواء بسواء. لكن مجريات المفاوضات بعد ذلك بين السوريين والاسرائيليين حفلت بتنازلات من الجانبين, ولكنها تنازلات محسوبة, ولو كان السوريون لا يقبلون ولا يريدون اي اتفاق من أي نوع لأصروا على مواقفهم ذات الحد الاقصى. المفاوضون الاسرائيليون يصفون التفاوض مع الفلسطينيين بأنه أشبه بالرقص على نفس الارض, اما التفاوض مع السوريين فهو اشبه بلعبة الشطرنج, والرئيس الأسد لاعب شطرنج سياسي بارع, ينتظر طويلا كي يحرك الطرف الاسرائيلي أحد احجاره قبل ان يعطي الماحة لاتجاه تحريك حجره هو الآخر, وهذا هو تقييم سافير ورابينوفيتش وغيرهم, كان وزير الخارجية الامريكية الاسبق د. هنري كيسنجر الذي تفاوض مع الاسد حول فك الاشتباك في الجولان مطالع السبعينات قد تحدث في مذكراته المنشورة حول الاسلوب التفاوضي للرئيس السوري ومدى عناده وحذره في اعطاء اي تنازل لم يحن وقته وكتب انه في بعض الحالات كان يشعر ان الاسد يريد تحسين لغته الانجليزية اكثر من التفاوض الفعلي. في كل الامور مثار التفاوض حدث تقدم بين الجانبين: في الانسحاب والترتيبات الامنية والعلاقات الطبيعية وبدا احتمال التوصل لاتفاق مرئيا, لكن شيمون بيريز الذي يبدو ان مستشاريه ومؤسساته ومراكز دراساته لم تضعه في صورة شخصية الاسد, حاول استعجال الامور وطلب لقاء الاسد لاجمال المفاوضات والا فانه سيقدم موعد الانتخابات حتى مايو من ذلك العام: عام 1996م, بدلا من نوفمبر منه, الرئيس الاسد ابلغ الوسطاء الامريكيين انه يعرف بأن مقابلة المسؤولين الاسرائيليين على مستوى القمة امر سيقع ذات يوم, لكنه مازال مبكرا. ان المطلب بحد ذاته يدل على جهل فاضح بشخصية رجل سوريا القوي. مع ذلك فان اعتقادي الشخصي, بعيدا عن كل ما سمعته في دمشق ان بعض اطراف القيادة السورية كانت تنوي انضاج الامور قبل انتخابات نوفمبر 1996م, (حيث موعدها القانوني) , وحشر شيمون بيريز المتلهف على اتفاق مع دمشق في الايام الاخيرة السابقة على الانتخابات, فيما كان هناك اتجاه اقوى يرى ان بيريز عائد للحكم وسيكون أمامنا وقت طويل للتوصل معه لاتفاق, كان التفكير السياسي السوري يتركز حول الوصول لحل سلمي ولكن ليس أي حلا. المعلومات الاسرائيلية المنشورة (وناقل الكفر ليس بكافر) تقول ان ايران قد شجعت عددا من العمليات العسكرية في بداية حكم شيمون بيريز اوائل عام 1996م, لمنع حدوث تقدم على جبهة المفاوضات السورية الاسرائيلية وان ذلك والعهدة على الراوي الاسرائيلي, احدث سوء تفاهم بين دمشق وطهران سرعان ما انحسر لحاجة كل طرف للآخر, ولأن الامور سارت باتجاه جديد بعد ان اندفع بيريز لغزو لبنان في (عناقيد الغضب) وحدوث مذبحة قانا, توقف كل شيء وذهب بيريز لانتخابات خسر فيها موقعه وهو الرجل الذي لم يعرف الفوز وخسر بأقل من واحد بالمائة من اصوات الناخبين, وكان ذلك مفاجأة للجميع, وأي قارئ منصف وموضوعي لكل الحقائق التي رفعوا عنها أغطية السرية وسكبوها فوق آلاف الصفحات المطبوعة, بلغات عديدة, لابد ان يخرج باستنتاج حدوث تقدم حقيقي في المفاوضات السورية الاسرائيلية كان سيصل لنهاياته اتفاق محدد وواضح, لقد قبل الاسرائيليون الانسحاب الشامل حتى حدود الرابع من يونيو (بما في ذلك شريط الارض الفلسطينية التي كان الرئيس عرفات يتحدث عنها في كل لقاء له مع الرئيس الاسد) وهو اختراق هائل بكل المقاييس, وتحركات قوى اليمين في اسرائيل اليوم تستهدف الارتداد عن ذلك الالتزام, وادى ذلك الالتزام لميلاد حزب جديد في اسرائيل هو (حزب الطريق الثالث) الذي انشق عن حزب العمل لرفضه امكانية النزول عن هضبة الجولان وهو الحزب الذي يشكل (بيضة القبان) في الائتلاف الحاكم في تل أبيب لان انسحابه من الائتلاف يعني سقوط الحكومة, وقدم السوريون تنازلات محسوبة في قضايا (العلاقات الطبيعية) وقال لهم وليد المعلم: لا نستطيع الالتزام بآفاق التطبيع وحدوده, ستكون هناك سفارات, وسيخرج الاسرائيلي من حدود ضيقة ليقود سيارته نحو تركيا. لم يذكر انه سيأتي بها الى مصايف سوريا على سبيل المثال. كان المعلم يعلق على مذكرة البنود الثمانية عشر التي تقدم بها المستشار القانوني الاسرائيلي, حول التطبيع المستقبلي كما تراه اسرائيل. وكان السوريون حريصون طوال الوقت على بقاء الدور الامريكي فاعلا في المفاوضات لأنهم يريدون في عصر السلام ان يحصلوا على مساعدات اقتصادية واسعة النطاق تتناسب مع دور دمشق الذي ألمح الامريكيون, عكس الاوهام السائدة, بأنه سيكون دورا اقليميا هاما. حاول الاسرائيليون الغاء الدور الامريكي في المفاوضات دون جدوى, وقال المفاوض الاسرائيلي للمفاوض السوري: لماذا لا نتفاوض دون وسطاء. هل تعرف قصة الشاب الذي احب فتاة ولكنه خشي ان يبوح لها بذلك فأخذ يرسل لها كل يوم رسالة مع ساعي البريد وبعد عام تزوجت من ساعي البريد. لفت انتباهي ان المفاوض السوري استخدم الورقة التي كان يجب ان يستثمرها الطرف الفلسطيني حين أوضح للاسرائيليين عشرات المرات اثناء المفاوضات ان السلام مع سوريا سيجلب السلام مع العرب وان ذلك يتطلب ثمنا كبيرا. لقد ساعدت اتفاقات اوسلو في انفتاح اسرائيل على العرب لكنه انفتاح محدود تمثل في عدد من المكاتب الاقتصادية في العواصم البعيدة وتم افتتاح اغلبها بمطلب فلسطيني, وساعدت في ذهاب الاردن للتوصل لاتفاق سلام مع الاسرائيليين حيث كان ذلك مستحيلا دون الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي, ولكن أوسلو ساعدت اساسا في انفتاح اسرائيل على العالم, لا حرب دون مصر, ولا سلام دون سوريا: هذا هو الاستنتاج الاساسي من مسار السياسات في منطقتها خلال العقود الثلاثة الماضية. ولكن الحديث في هذه الحلقة دار حول الماضي وشؤونه وهمومه وهو حديث ضروري لمعرفة مواقع الاقدام, ماذا عن المستقبل؟ بماذا تفكر دمشق وهل تأمل في تحقيق تسوية سياسية. كيف تدير السياسات صوب بغداد وايران وباريس وواشنطن. وهذا ما سنتحدث عنه في الحلقة المقبلة. دمشق ــ توفيق ابوبكر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات