المعارض السوداني من الداخل بكري عديل لــ البيان ! خمسة شروط للمصالحة وعودة المهدي للسودان مستحيلة، مشروع الدستور مرفوض كله بـ تواليه وبدونها

خرج بكري أحمد عديل, نائب الامين العام لحزب الأمة السوداني بزعامة الصادق المهدي والوزير السابق في عدة حكومات عن صمته الطويل, ليشن هجوما حادا على نظام الحكم في بلاده, قائلا ان اخفاقاته لا تحصى , وانه عاد بالسودان الى الوراء, وجر عليه مصائب (تكفي لهد الجبال) . وحدد عديل خلال لقائه مع (البيان) خمسة شروط للمصالحة مع النظام, مستبعدا بشكل قاطع أية امكانية لانفراد حزب الأمة للمصالحة واصفا ذلك بانه مستحيل. وقال عديل ان المعارضة متماسكة ولا مجال لانشطارها واعتبر ان الجهاد المدني الذي اطلقه المهدي مازال مستمرا. وذكر عديل ايضا ان الدستور الذي يجري الاستفتاء عليه حاليا, مرفوض كليا بتعبير التوالي او بدونها. وهنا نص الحوار: يعتبر كثير من المراقبين ان المعارضة بشقيها الداخلي والخارجي مفككة ولا تملك القدرة على انفاذ فعلها وذلك بالاشارة الى ما يذكر من خلافات وسط المعارضة بالداخل. كيف تردون على ذلك؟ ـ المعارضة بشقيها حددت أهدافها ووسائلها لبلوغ اهدافها ولكن القضية اكبر بكثير مما يتخيل البعض وليس من الممكن ان تنجز هذه المهمة الكبيرة بسهولة ويسر اذ هناك اعتبارات كثيرة لابد من أخذها في الحسبان. أما ما يتناقله البعض عن خلافات في صفوف المعارضة, فان الأمر كله ينصب في خانة التشويش والعمل بسياسة فرق تسد. اعلام الحكومة يروج لمثل هذه الاشاعات لاضعاف الصف المعارض وبث روح اليأس بين المواطنين. وهذه سياسة مكشوفة لا تفوت على المعارضة النشطة في الداخل والخارج ولا تفوت على ذكاء المواطن العادي الذي ينتظر ساعة الخلاص بفارغ الصبر. المصالحة المختلفة يتواصل الحديث عن مصالحة وطنية عبر وفاق يزيل ما علق بالنفوس وفي الاذهان تجربة المصالحة الوطنية التي تمت ابان حكم مايو والتي شطرت المعارضة ويخشى كثيرون ان يتكرر السيناريو خاصة وان هناك أنباء تقول ان حوارا يجري بين الصادق المهدي والحكومة سيكون المهدي اول العائدين على اثره ماذا تقول في هذه المسألة؟ ــ اي حديث عن مصالحة بين حزب الأمة وحكومة الانقاذ ليس له اي أساس من الصحة ــ وهذا النوع من الاحاديث تختلقه أجهزة السلطة الأمنية والاعلامية والهدف من ذلك واضح وبين. نحن مقتنعون بان الحكم الحالي قد فشل في كل سياساته, فشل في ايقاف الحرب والتي كانت تدور في جنوب البلاد فقط, اما الآن فقد اصبحت الحروب في كل الجبهات. وفشلت الحكومة في علاج الوضع الاقتصادي السيىء وفي عام 1989 كان سعر الصرف 12 جنيها سودانيا للدولار الواحد. أما الآن فقد ارتفع سعر الدولار الى 2200 جنيه سوداني وتبع ذلك الارتفاع الجنوني للأسعار. فشل النظام في الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الجيران والاصدقاء والاشقاء وبذلك فقد تم عزل السودان بصورة كاملة عن المجتمع الدولي. اذا اردت ان اعدد اخفاقات النظام في هذه العجالة فان ذلك سيكون ضربا من ضروب المستحيل. فقضايا الفساد والمحسوبية والاحتكار وتجنيد الاطفال والانحلال الخلقي... الخ كلها قضايا الواحدة منها تكفي لهد الجبال. باختصار نحن مقتنعون تماما بأن التغيير قد اصبح ضروريا وعاجلا. التغيير الذي نتحدث عنه قد يتم بواحد من طريقين: اما عن طريق القوة وهذا مالا نريده الا اذا أجبرنا عليه ولم نجد وسيلة غيره. الطريق الثاني هو طريق الحوار. خمسة شروط الوفاق في مفهومنا نحن هو أن يقتنع النظام بأنه قد فشل والافضل له وللبلاد ان يترك السلطة لجهة يختارها الشعب السوداني: تصورنا نحن في المعارضة للتغيير الوفاقي هو كالتالي: 1ــ تعلن الحكومة اقتناعها بضرورة التغيير والرجوع بالبلاد الى النظام الديمقراطي التعددي. 2ــ الغاء كل القوانين والمراسيم المقيدة للحريات. 3ــ الغاء كل قرارات المصادرة سواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات واعادة الممتلكات لاصحابها وتعويض كل من تضرر من جراء تلك القرارات. 4ــ اطلاق سراح كل المسجونين في جرائم سياسية وكل المعتقلين السياسيين. 5ــ الدخول في حوار مع كل الشرائح السياسية لتشكيل حكومة قومية لفترة انتقالية محددة.. وتكون مهام الحكومة الانتقالية هي: نقل البلاد الى الحكم الديمقراطي المدني. والاعداد لقيام مؤتمر دستوري شامل. وهذا تصور مجمل ما نفكر فيه نحن في المعارضة ولا أكشف سرا اذا قلت بأن حكومة الانقاذ على علم تام بكل ذلك ولكنها لا تريد ان تتخلى عن كراسي الحكم لشيء في نفس يعقوب. والغريب ان حكومة الانقاذ في هذه اللحظة لم تطرح شيئا يمثل تصورها للوفاق الذي يتحدث عنه الكبير والصغير. اختتم الرد على هذا السؤال بالتأكيد على الحقائق التالية: ليس هناك اي حوار مع النظام في الوقت الحاضر ولن يتم اي حوار الا في اطار اجندتنا. لن يعود الصادق المهدي الى الخرطوم الا اذا وافقت الحكومة على التغيير المقترح. شق الصفوف لكن يقولون ان الحكومة نجحت في شق صفوف المعارضة, خاصة بعد اتفاقية السلام الموقعة في الخرطوم مما جعل ابناء الجنوب يراهنون على السلام من الداخل؟ الحكومة لم تستطع تفكيك المعارضة بل حدث العكس اذ فشلت كل اتفاقات الحكومة في تحقيق السلام والدليل على ذلك ما حدث في واو من عناصر اساسية في اتفاق الخرطوم للسلام واكثر من ذلك امتناع اكبر فصيل في المعارضة الجنوبية ــ قرنق ــ من التوقيع على اتفاقية الخرطوم للسلام فكيف تقول بعد ذلك ان السلام قد تحقق وان المعارضة قد تفككت؟ اما الذين يراهنون على السلام من الداخل فهم شعب كل حكومة منذ ان عرف السودان الاستقلال. ــ وماذا عن الاتفاق الذي توصلت اليه الحكومة مع حركة قرنق, كيف تراه, الا تعتقد انه في جانب منه محاولة لسحب البساط من تحت المعارضة؟ ــ كل هذه تمثل تصورات سياسية قد تحتمل اكثر من مغزى وعلى العموم فان جميع الاطراف المعنية بالشأن السوداني لها مصالحها ولها استراتيجيتها ويستوي في ذلك الحكومة والمعارضة والاطراف الاخرى. الموقف لا المكان ـ نعرج على موضوع آخر يتعلق بك, لماذا فضلت البقاء بالداخل, مع توفر الفرص امامك للعمل بالخارج؟ المكان ليس مهما ولكن المهم هو الموقف في الحكومة السابقة كان تعليقكم على ممارسات بعض اعضاء المكتب السياسي لحزب الأمة التي تصب في صالح الجبهة الاسلامية آنذاك بانهم وكلاء الجبهة بحزب الأمة واليوم ترى ان عددا من أعضاء الحزب صاروا من التنفيذيين المشاركين في السلطة القائمة فهل يعني هذا ان هذه هي ثمار تلك الوكالة ام ان ما يقال بان حزب الأمة مخترق من قبل الجبهة هو الاصح؟ الذين تركوا حزب الأمة وقبلوا التعاون مع حكومة الانقاذ لا يمثلون الا نسبة ضئيلة لا تزن ذرة من تراب وليس مهما اذا كان تعاونهم ومواقعهم مكافأة لما قاموا به بل المهم هو انهم كشفوا أنفسهم وفقدوا ثقة الجميع. ما هو وضعكم الآن بالحزب في ضوء الاجتماعات التي ضمت مجموعة من قيادات الحزب بالدخل وما الهدف من تلك الاجتماعات؟ ــ أنا أحد مجاهدي الأمة وكيان الانصار وموقعي تضعني فيه الجماهير العريضة والحمد لله انا راض كل الرضا عن موقفي وموضعي. التوالي والدستور دار جدال كثير حول الدستور وتعبير التوالي السياسي الذين تضمنه, كيف تنظر الى هذا التعبير اولا؟ التوالي السياسي, التوجه الحضاري.. الخ كلها مصطلحات للتمويه والتضليل ونحن قد اسقطناها من حسابنا تماما وما هي الا مزيد من اللف والدوران. ــ ما هو تعليقكم على الدستور وماذا تقولون عن ضعف الاقبال على الاستفتاء عليه؟ ــ قبل الاستقلال لم يكن هناك اي دستور يحكم السودان بمقتضاه بل كانت هناك قوانين تصدرها السلطة الحاكمة وقتذاك وكان الأمر ساريا لاعتبارات ليس هذا مجال ذكرها. بعد الاستقالال وبقيام الدولة ذات السيادة ظهر للوجود دستور عام 1956 ولاول مرة تعرف البلاد شيئا اسمه الدستور ولكن جاء نظام عبود ليقضي على هذا الدستور ويحكم البلاد بمراسيم يصدرها من وقت لآخر حتى قامت ثورة اكتوبر 1964 وعاد النظام الديمقراطي ليحكم البلاد بدستور 56 المعدل. ثم جاءت حكومة النميري العسكرية والغت دستور 1956 المعدل وحكمت البلاد بالمراسيم العسكرية حتى عام 1973 عندما وضعت دستورا للبلاد اسمته الدستور الدائم. لكن دستور 1973 ظل يعدل ويتبدل حسب ظروف النظام الأمنية حتى قامت انتفاضة ابريل 1985م وألغت دستور نميري لعام 73. وتم وضع دستور انتقالي ظل قائما الى أن جاءت حكومة الانقاذ وألغته وحكمت البلاد لتسع سنوات بمراسيم عسكرية بلغ عددها 14 مرسوما. واضح ان الانقاذ ارادت ان تقنن وجودها وتبسط هيمنتها بصورة اكثر فاعلية ولذلك سعت لوضع دستور دائم ليحقق ذلك الغرض. اضافة الى ذلك ارادت الانقاذ ان تخاطب الرأي العام الداخلي وتقنعه بتوجهها نحو الاستقرار الدستوري. وتخاطب ايضا المجتمع الدولي لاقناعه بتوجهها نحو بسط الحريات العامة والحقوق الاساسية وتضمين ذلك في ورقة اسمتها الدستور الدائم. غياب نصف قرن قصدت بهذه المقدمة أن ادلل على ان السودان ظل يحكم بغير دستور دائم لفترة تقارب نصف قرن من الزمان ولم نشهد خلال هذه الفترة تدهورا في كل شيء مثلما نشهد الآن. فعدم الاستقرار الناشيء عن الحروب في جبهات السودان الاربع لم يشهد له مثيلا من قبل, والفساد وانعدام الخدمات وتوقف مشاريع التنمية واحتكار الاقتصاد وسوق المال وتشريد الابرياء.. كل ذلك لم نشهد له مثيلا من قبل وفقدنا ما كنا ننعم به ــ نسبيا ــ من استقرار. تحت هذه الظروف لا اعتقد ان اي عاقل يفكر في وضع دستور دائم اللهم الا اذا كان الهدف هو تقنين ماهو قائم رغم انف الناس. وهكذا فإن حكومة الانقاذ رأت ان تضع دستوراً دائما للبلاد لتكتمل به حلقات الهيمنة والتمكين ولتتم به تقنين ماهو قائم بالفعل. واعلنت الحكومة عن تشكيل لجنة قومية واخرى فنيه واختارت أكفأ رجال القانون بالبلاد لرئاسة هاتين اللجنتين. بعد ذلك حدث الآتي: - قاطع اكثر من 70% من الاعضاء المعينين اجتماعات اللجنة القومية وتدنت عضويتها من حوالي 600 الى 130 عضواً في المتوسط. - انحصر عدد الذين واظبوا على الحضور على اعضاء الجبهة الاسلامية القومية فقط. انهت اللجنة القومية مهمتها وسلمت وثيقة مشروع الدستور الى رئيس الجمهورية ليقوم بارسالها الى المجلس الوطني وبهذه المناسبة المجلس الوطني الحالي ليس جمعية تأسيسية وبالتالي فان مداولاته لا تزيد عن كونها اراء وملاحظات. ماذا حدث في القصر الجمهوري؟ في القصر جرت تغييرات كثيرة جداً حذفاً واضافة وبالتالي فان نسخة مشروع الدستور المقدمة من اللجنة القومية فقدت ملامحها تماماً وحذفت منها المواد التالية وهي مواد هامة للغاية: - المادة 28 والتي تنص على عدم محاكمة اي شخص الا بوجود نص وقت ارتكاب الجريمة. - المادة 45 (ب) وهي تتعلق بالتعليم الاساسي والزاميته ومجانيته. - المادة 46 (ب) وهي تتعلق بالعمل العام وضرورة تحصينه. - المادة 38 وهي تتعلق بالبينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع. - المادة 182 وهي تتعلق بالنيابة العامة. - المادة 184 وهي تتعلق بمجلس العدل. هذا على سبيل المثال وهناك مواد كثيرة اختفت والغيت من مسودة الدستور القومية ولايسمح المجال هنا بسرد كل المواد التي حذفت. يجرى الان الاستفتاء على المسودة الجديدة التي خرجت من القصر الجمهوري بما فيها من (توالي) وغموض. هناك عدد من التساؤلات: ـ هل سيتم الاستفتاء لكل مادة على حده ام سيتم الاستفتاء على الدستور مجملاً؟ ـ اذا كان للشعب رأى في بعض المواد فكيف يتم التعبير عن هذه الاراء؟ ـ كان هناك جدل طويل حول بعض المواد اما كان من الاجدى ان يستغنى عنها؟ ـ المواد الذي حذفت من نسخة اللجنة القومية والتي ورد ذكر بعضها آنفا اما كان الاصوب ان تعرض بصورة او باخرى على كل مستويات الاجهزة بما فيها الاستفتاء العام. الدستور الذي نريده ومضى عديل الى القول حقيقة ان مشروع الدستور المقترح مرفوض كله بالنسبة لنا وبالنسبة للشعب السوداني كافة ورغم ان الاقبال على التصويت ظل ضعيفا منذ اليوم الاول وحتى اللحظة فان النتيجة المتوقع اعلانها هي 99.9%. الدستور مرفوض لاسباب سياسية ولاسباب فنية بالنسبة للاسباب السياسية فهو مرفوض لان الجبهة التي وضعته تمثل حزباً معنياً لا يشكل وزنا شعبيا في البلاد واستطاع هذا الحزب رغم وزنه الهامشي ان يستولي على السلطة بانقلاب عسكري خطط له بليل, فالذي ينقض على حكم ديمقراطي منتخب لايمكن ان يعمل على اعادة الديمقراطية التي ينادي بها الشعب وفاقد الشيء لا يعطيه. في ظروف السودان الحالية, حروبات في كل جهة من جهات السودان الاربع وخصومات وتنافر بين فئات الشعب المختلفة وقطيعة للاقارب والاباعد, وطبقة صغيرة تمتلك كل شيء تقابلها طبقة كبيرة لاتمتلك شيئا.. في مثل هذه الظروف لا ينبغي ان تجد قضية وضع الدستور الدائم الاولوية.. في رأينا ان قضيتنا الاولى هي ايقاف الحروب المستعرة وازالة اسباب الشقاق وتوحيد الامة ثم بعد ذلك تأتي قضية وضع دستور دائم يشارك الجميع في بنائه وارساء قواعده وقيمه.. هذا هو الدستور الذي نريده والذي نجله ونقدسه. ان حكومة الانقاذ مخطئة تماما اذا كانت تعتقد ان مجرد اصدار دستور بهذه الطريقة سيوقف الحرب ويحقق الاستقرار ويوحد الامة وينعش الاقتصاد. بل العكس هو الصحيح فان الاصرار على وضع دستور يجسد احتكار الانقاذ ويقنن وجودها بالصورة التي تحقق اهدافها كحزب وتسحق ماعداها, الاصرار على هذا الدستور بما فيه من عيوب وثقوب, لن يعود على البلاد الا بمزيد من الشقاق والصدام والاقتتال وعندها سيزول السودان من الوجود. الخرطوم ـ الصافي موسى

تعليقات

تعليقات