قضية عربية: العلاقات المصرية الأمريكية

القاهرة لا تستطيع مخاصمة امريكا ولا مجاراتها: ثلاثة آراء مصرية حول آلية الحوار الاستراتيجي لم تكد تمضي اسابيع على قدوم السفير الامريكي الجديد كيرتزر الى مصر, حتى طرح السفير مبادرة بشأن العلاقات المصرية - الامريكية اسماها آلية الحوار الاستراتيجي التي تنص حسب ما نشرته وسائل الاعلام المصرية على تشكيل آلية حوار بين الجانبين. وتهدف آلية الحوار هذه الى فصل مواقف مصر من قضايا اقليمية, كموقفها من الحصار المفروض على ليبيا او السودان او العراق, حتى لا يؤثر ذلك على العلاقات بين مصر وامريكا. وما ان تم الاعلان عن البدء في تنفيذ هذه الآلية, حتى تفجر كلام كثير حولها, واسباب طرحها, وهل هي مفيدة. السفير جاء في ظرف مأساوي ماذا يقول المحللون السياسيون, عن آلية الحوار الاستراتيجي , وقضية الاقباط؟ ... واجمالا ... ماذا تريد امريكا من مصر؟ محمد سيد احمد المحلل السياسي البارز والكاتب الصحفي يرصد الفتور الحالي في العلاقة بين مصر وامريكا ويراه ناجما عن ان امريكا تطبق معيارين في سياستها بالشرق الاوسط بصورة واضحة للغاية, كما في سياستها اتجاه اسرائيل واتجاه العراق فالاجواء السياسية اليوم ليست معادية للعراق مثلما كانت في وقت غزوها للكويت اليوم الضحية هي الشعب العراقي وبغض النظر عن مسؤولية النظام العراقي عن ذلك فان الشعب العراقي في نهاية الامر شعب شقيق, وامره له اولوية كبيرة عند الشعوب والحكومات العربية ورغم ذلك نرى معاملة معينة بالنسبة لاسرائيل تتسامح معها امريكا في كل شيء, وفيما يتعلق بطرف عربي هو العراق تشدد امريكا الى اقصى ما يمكن التشدد؟ وهو بالتالي موقف غير صحي وغير طبيعي وبناء عليه حدث نفور في العلاقة بين مصر وامريكا, ونوع من التدهور في العلاقة ... في الوقت نفسه تدرك مصر ان امريكا هي الدولة العظمى الوحيدة, ومخاصمتها تكاد تكون مستحيلة, وهذه هي مأساة الموقف المصري ... لا تستطيع ان تقاطع امريكا او ان تدينها وتتوقف عند حد الادانة, ولا تستطيع من ناحية اخرى ان تجاري العلاقة الخاصة مع امريكا, والسفير الجديد (كيرتزر) جاء في هذا الظرف المأساوي للعلاقة بين البلدين, وهو ليس شخصا سيئا عندما تتحدث اليه, كما يقول محمد سيد احمد الذي التقاه مرتين, لكن كما يحرص محمد سيد احمد ان يؤكد ان اختيار (يهودي) لهذا المنصب لم يكن موفقا ويبدو وكأنه اشارة لمصر بمعنى معين, وليس هناك مايدعو لهذه الاشارة الضمنية من اختيار يهودي سفيرا لامريكا في القاهرة في ظل تدهور العلاقات بين الجانبين, الا اذا كان الامريكان يريدون ان يطرحوا تساؤلا متحديا للمصريين هل ستقبلون ذلك ام لا؟. غضب امريكا عال ومن زاوية مختلفة الى حد ما عن رؤية محمد سيد احمد, ينظر د. حسب ابو طالب الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية للاهرام الى آلية الحوار الاستراتيجي التي يطرحها السفير الامريكي , ويعتبرها بشكل ما ايجابية, فهو يرى ان تلك الدعوة موجودة منذ فترة طويلة, مرتبطة بعدد من القضايا التي تمس تطور العلاقات المصرية - الامريكية بصفة عامة, احدها البحث عن بدائل للمعونة الاقتصادية الامريكية لمصر, ومن بينها ماتم الاتفاق عليه منذ ثلاث سنوات. الشراكة المصرية الامريكية, والتي تهدف الى ايجاد بدائل للمعونة وفتح الابواب للاستثمارات الامريكية في مصر, والتي تعد بكل المقاييس رغم الانفتاح الاقتصادي وعمليات الخصخصة وتعديل القوانين والمناخ الجامد للاقتصاد المصري, قليلة الى اقصى درجة ممكنة, ولا توائم او تعبر عن درجة من الاحباط المصري من الاهتمام الامريكي بالمساهمة الاقتصادية الجادة في تطوير الاقتصادي المصري, في ضوء هذه الخلفية, الى جانب بروز مجموعة من القضايا محل الخلاف والتباين في الرؤية, تتعلق بالاستقرار الاقليمي بعملية السلام. بالموقف المصري ازاء بعض الدول العربية محل عقوبات دولية, وما يمكن تسميته (غضب امريكي عال المستوى) مثل ليبيا والسودان والعراق, كل هذه الامور دفعت للبحث عن طريقة لتقديم العلاقات المصرية الامريكية, ومحاولة الفصل بين تطور العلاقات الثنائية من جانب آخر تبدو من حيث المعنى العام .. ايجابية ... لسببين, اما من السهل تماما ان يكون هناك تباين في الرؤية تجاه قضية معينة, وهو مطروح ووارد في اي لحظة من اللحظات كما حدث في الفترة الاخيرة, ووارد ان يحدث ايضا في المستقبل. التباين والعلاقات وهنا يطرح سؤال: واذا حدث تباين تجاه قضية اقليمية او دولية هل يعني ان ينعكس سلبا على مجمل العلاقات بين البلدين؟ المنطق يقول: طالما ان العلاقات تستند الى بعض الاهداف المشتركة مثل تدعيم عملية السلام من حيث المبدأ فانه ينبغي الا تتأثر العلاقات باختلاف حول تفاصيل فيه, قد يكون هناك خلاف حول تطور عملية السلام في لحظة معينة, لكن المبدأ في حد ذاته متفق عليه, وهو ان عملية السلام يجب ان تستمر وان تصل الى نهايتها, وتحمل حلولا للقضية الفلسطينية, وانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية وايضا حلا لعمليات العنف والعنف المضاد وحلا لعملية الاستقرار الاقليمي. والخلاف حول اتجاه مسار من مسارات عملية التسوية, او اقتراحها مطروحا الا يعني التضحية بالهدف الاستراتيجي البعيد والمبدأ المتفق عليه ... ومن هنا فان بداية الحوار المصري - الامريكي تحاول بقدر الامكان ان تضع الامور في طريق اكثر وضوحا, واكثر يقينية, بمعنى الفصل بين المبادىء بعيدة المدى, والخلافات التي تبرز حول قضايا جزئية. والسبب الثاني من وجهة نضر د. حسن ابو طالب انه توجد في الولايات المتحدة الامريكية اتجاهات عديدة, ترى ان الاستثمار الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي الذي قامت به امريكا طوال العشرين عاما الماضية لم يكن عائده السياسي الاستراتيجي على قدر الطموحات التي دفعت الادارات الامريكية المتعاقبة الى مثل هذا الاستثمار في مصر. والفكرة التي يقول بها البعض في الولايات المتحدة هي ان مصر من خلال اتخاذها مواقف استقلالية عدة. احبطت كثيرا من المشروعات الامريكية في المنطقة بمعنى انها لم تساهم ايجابيا لتمرير العديد من الافكار الامريكية وايضا الافكار الاسرائيلية الخاصة بالتوسع من وجهة نظرهم. وانها وقفت حجر عثرة امام كثير من هذه الاقتراحات انها وقفت تدافع عن الحقوق العربية, سواء السورية او اللبنانية او الفلسطينية دفاعا مستميتا, وانها تدافع عن حق ليبيا في رفع الحصار وتقف ايضا ضد الافكار والمشروعات الامريكية ضد العراق ... وكان هناك خلاف شهير حول واحدة من اكبر القضايا الدولية , قضية تحديد اتفاقية حظر الانتشار النووي, سنة 1995 ... هؤلاء الذين يستندون لهذه الخلافات في داخل الادارة الامريكية وفي داخل الكونجرس الامريكي وبعض جماعات الضغط المختلفة, يرون ان الوسيلة التقليدية في الدعم الاقتصادي والسياسي مع مصر لم تكن ناجحة من وجهة نظرهم, وبالتالي يجب ان يحدث نوعا جديدا من تقويم العلاقة بين البلدين, او آليات وتكتيكات جديدة تتبعها الادارة الامريكية تجاه مصر. ويعتقد د. حسن ابو طالب ان هذا الرأى قد يكون حجة ضدهم, بمعنى ان هناك بالفعل ادوارا كبيرة لعبتها مصر بحكم توافق المصالح بينها وبين بعض الادارات الامريكية في الفترة السابقة, في العشرين سنة الماضية , والتي تحقق بها عددا من الاهداف المصرية والامريكية في آن واحد, ولم يشر اليها هؤلاء. وكما هو معروف تمارس مصر دورا توازنيا في المنطقة يحسب لها حينما تمنع حربا اقليمية , وتساهم في وقف اعتداء دولة عربية على دولة اخرى كما حدث في حرب الخليج الثانية, عندما وقفت الى جانب التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الامريكية لانهاء احتلال العراق للكويت. ايجابيات آلية وعن امكانية صمود آلية الحوار الاستراتيجي المصري الامريكي امام تطور محتمل وقريب في مواقف مصر تجاه قضايا عربية واقليمية كاعادة احتواء العراق في النظام العربي الجماعي, او المشاركة مع بقية الدول العربية من خلال جامعة الدول العربية في كسر الحصار ولو جزئيا على ليبيا والسودان او اعمال قرارات القمة العربية الاخيرة بوقف التطبيع مع اسرائيل في ظل استمرار تعنتها وهدمها لاركان الاتفاقات الدولية وعملية التسوية برمتها؟ يرجح د. حسن ابو طالب امكانية صمود آلية الحوار الاستراتيجي لانها مصممة لمثل هذه المواقف, وان كان لا يرجح الافتراض الضمني في التساؤل المطروح عليه, بان مصر قد تضرب بعرض الحائط العديد من الاشياء, منها قرارات الامم المتحدة فيما يتعلق بالعقوبات على ليبيا, والتي تلتزم بها التزاما حرفيا, ويوجه الانتباه الى ان الالتزام بالقرارات الدولية لا يعني اطلاقا ان مصر لا تسعى من خلال الجهود الدبلوماسية وعلاقاتها المتشعبة دوليا وعربيا وافريقيا الى اقناع مجلس الامن باتخاذ قرارات تنهي هذه العقوبات, او تجمدها او ترفعها, مصر تلتزم بالقرارات ولكنها ترى ان هذا الالتزام لم يؤد الى الغرض المطلوب منه, وانه يحمل اكثر من شبهة في انه لا يتناسب اطلاقا مع حجم المشكلة المطروحة, ثانيا انه يضر بالشعب الليبي, وانه يضر بالمصالح العربية والمصرية, وبالتالي نحن نسعى لرفع العقوبات او تجميدها ... وهذا حق مشروع لمصر, ولا يعني التضارب مع الولايات المتحدة الامريكية .. فالسياسة اخذ وعطاء, والتزام ومحاولة لتغيير الالتزام عبر القنوات الدولية ذات الصلة بالمسألة الليبية وتحاول مصر ايضا اقناع الادارة الامريكية نفسها بان تغير نهجها سواء ازاء ليبيا او السودان او العراق, في ظل مجموعة من الشروط التي تحقق المصلحة المصرية من جانب ومصلحة الاستقرار الاقليمي من جانب آخر في التنمية والسلام ... ونجاح آلية الحوار الاستراتيجي مرتبط بشرط اساسي هو اعمالها بطريقة جادة, وان توفر لها سبل الدوام. لكن بتبادل الطرفان المصري والامريكي الافكار والاقتراحات , وان يتفهم كل طرف مواقف الطرف الآخر لانه في بعض الاحيان لا تفهم الولايات المتحدة بصورة جيدة مواقف الاطراف الاخرى, وايضا كثير من دوائر الكونجرس الامريكي وجماعات الضغط تستغل في احوال عديدة تباينات في الرأى لتشجيع الادارة الامريكية على اتخاذ مواقف (عنترية) او بها شبهة الضغط او شيئا من العقاب على الدولة التي تختلف مع السياسة الامريكية. ماذا تريد؟ وعما تريد مصر من امريكا حاليا يرى د. ابو طالب ان مصر تريد من امريكا في ظل هيمنتها على النظام الدولي, ان تكون بالفعل قوة تدعو الى الحق والعدل واذا سعت الادارة الامريكية لان تكون اداة للاستقرار والعدل ووضع الحقوق في نصابها, سيؤدي ذلك الى اعادة النظر في كثير من السياسات الامريكية, , ليس فقط تجاه عملية السلام او تجاه الدول العربية المعرضة للعقوبات, او الواقعة تحتها بالفعل, ولكن ايضا تجاه الكثير من المناطق الاقليمية ذات الصلة بالشرق الاوسط وبالمنطقة العربية, مما سيؤدي الى خفض التوازن الموجودة, ولو تصورنا ان امريكا غيرت من سياستها في دعم قطاعات من المعارضة المسلحة السودانية ومحاولة تحفيز بعض الدول الافريقية المحيطة على التدخل في شؤون السودان الى حد محاولة فصل الجنوب عن الشمال السوداني, سيكون مدخلا لاشاعة الاستقرار داخل السودان من ناحية ومابين السودان الموحد مع مجموعة الدول المجاورة كاريتيريا واوغندا وكينيا واثيوبيا وهذا الاستقرار تتمناه مصر. لانه يتيح لها الاهتمام بقضايا الداخل ودعم الاقتصاد وتنشيط العلاقات على اسس واضحة وشفافة, بحيث لا تمثل مصدرا من مصادر التوتر غير المبرر مع الولايات المتحدة الامريكية. فلسفة المصالح وعن آلية الحوار الاستراتيجي المطروحة بين مصر وامريكا يرى الباحث ضياء رشوان انها بداية تعبر عن فلسفة العالم الجديد كما تتصوره الولايات المتحدة الامريكية. وهي انه لا توجد روابط تتسع لجمع البشر اكثر من مصالحهم, والمصالح هنا تعني المصالح المادية الاقتصادية المباشرة, وتغيب عن هذا التصور الروابط القومية والاجتماعية والثقافية, وبالتالي يقوم التصور الامريكي للحوار الاستراتيجي على ان ما يربط مصر وامريكا هو الروابط المادية الاقتصادية المباشرة, ولها الاولوية على اية روابط اخرى, ولا يحق لها ان تتدخل لكي تفسد رابطة مصر وامريكا المباشرة وبهذا المعنى الحوار له اولوية مطلقة وبنفس اللحظة يلغي اي روابط مصرية عربية ويتجاهل الروابط المصرية العروبية بين مصر والعراق, او بين مصر وليبيا, وهي ليست فقط قومية, بل مادية واقتصادية مباشرة على الاقل فيما يخص ليبيا وميزان التبادل التجاري بين مصر وليبيا يؤكد ذلك , ومقتل التصور الامريكي للحوار الاستراتيجي هو ان مصر لن تستطيع في كل الاحوال ان تتخلى عن الروابط التقليدية كروابط الجوار القومية, ولا تستطيع ايضا ان تغلب المصالح المباشرة مع امريكا على المصالح الاقتصادية المباشرة لها مع الدول العربية. المتوقع ان تسير تلك الآلية بعض الوقت ولكنها ستقابل عقبات كثيرة جدا, ولا يمكن لها ان تستقر, فمصر ليست دولة متوسطة او دولة صغيرة في العالم العربي, ليست بنما على سبيل المثال, واذا كانت امريكا تواجه صعوبات مع دولة مثل فرنسا داخل حلف الاطلسي وداخل المنظومة الغربية, ولها تصورات عن نفسها في الاطار الاوروبي, فما بالك بمصر التي تعتبر نفسها جوهرية في اقليمها (العالم العربي) وعليها دور لابد ان ان تقوم به. وعما تريده مصر من امريكا وما تريده امريكا من مصر في الفترة الحالية غير المزيد من الاستثمار وغير دور عادل في موضوع التسوية يرى ضياء رشوان ان (المسؤولين) عن تحديد مطالبنا من امريكا هم الاولى بالاجابة عليه, لكي نعرف بالضبط ان كان مطلبا معقولا او يتناسب مع احتياجاتنا ام لا, ولكن من موقع التحليل والمعرفة بجزء من الحقائق والمعلومات فان ما تطلبه امريكا من مصر هو ان تعيد اقلمة نفسهاعلى التصور الامريكي, وعلى فكرة ان العالم قد تخطى مرحلة الصراعات التقليدية, وبدأ عالم جديد من التعاون على اسس واضحة في اذهان الامريكيين فقط, وليست واضحة في اذهان المصريين والعرب, وهي ان الاولوية دائما لمصالح امريكا مباشرة, حتى لو تصادم ذلك مع مصالح مادية او غير مادية اخرى للاطراف المتعاملة مع امريكا! وفيما يتعلق بما تريده مصر من امريكا فان غاية ما تطلبه اليوم هو الا تحرجها امريكا اكثر من الحاصل, فيما يتعلق بالقضايا التقليدية, وعلى رأسها القضية الفلسطينية وهي اكبر مصدر للمشاكل في العلاقات بين مصر وامريكا, يتلوها مباشرة التدخل في الشؤون الداخلية المصرية من خلال موضوع الاقباط, والدبلوماسية المصرية اليوم تبذل جهودا مضنية لكيلا تخضع مصر لقانون الكونجرس المتعلق بالاضطهاد الديني.

تعليقات

تعليقات