قضية عربية : المتوسطية.. جرد حسابات الربح والخسارة

مثيرة للجدل, فوائدها محل خلاف, وسلبياتها كذلك, اذ يفترض البعض انها مهمة واستراتيجية, بينما يرى البعض الآخر, انها مدمرة وخطيرة وهدامة.. انها الشراكة مع اوروبا, او ما يطلق عليه البعض اصطلاحا بالمتوسطية, تلك الشراكة التي بات العرب على مسافة سنوات قليلة منها, لكنهم مازالوا يتجادلون حول فوائدها ومضارها, ويتجادلون حول ما اذا كانوا مستعدين لها أم ان الزمن المتبقى امامهم لا يكفي للحاق ركب الشراكة. وبين هذا وذاك تطفو الى السطح مسائل عدة اخرى من نوع اهداف هذه الشراكة وامكانية التشارك مع اوروبا والغرب خصوصا, في ضوء العلاقة المحفوفة بالشكوك التاريخية والتقلبات بين الجانبين. بيد ان حسابات الربح والخسارة والتي ماتزال تبدو غامضة ومشوشة, تظل مهيمنة على التفكير العربي, ومحركا للجدال الكبير في هذا الخصوص. هنا وقفة مع جدال المتوسطية في بلدين عربيين وقعا اتفاق الشراكة مع اوروبا, لكنهما لايزالان يتوجسان خيفة منها. سؤال تردده جميع الاوساط وتتشكك في عواقبه: هل المغرب جاهز فعلا للشراكة مع اوروبا؟ يشهد المغرب حاليا جدالا واسع النطاق حول اتفاق الشراكة مع اوروبا والذي تطارده الشكوك والاتهامات من كل حدب وصوب. ففي احتفالات عيد العمال في الاول من مايو الجاري اثار (الاتحاد المغربي للعمل) , اقدم النقابات المغربية, الشكوك حول جدوى هذا الاتفاق الذي قال انه لم يأخذ بمصالح المغرب الاساسية, في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد المغربي نتيجة المنافسة الدولية القوية. ولا تخفي هذه الاوساط قلقها وامتعاضها من الطريقة التي يتعامل بها الاوروبيون مع ملف هذا التعاون, وازاء عدم توفر ظروف الاندماج الاقليمي التي اوصى بها مؤتمر برشلونة منذ حوالي ثلاثة اعوام. وقد عرفت الاسابيع الاخيرة سلسلة من الاجتماعات واللقاءات بين رجال الاعمال المغاربة لدراسة كل الانعكاسات المؤكدة والمحتملة على مجمل الانتاج المغربي بعد قيام منطقة التبادل الحر والاجراءات والتدابير الواجب اتخاذها لمواجهة تلك الانعكاسات او التخفيف من حدتها. وتردد ان النسيج الاقتصادي الوطني سيفقد ثلث مقاولاته التي لا تحتمل منافسة نفس ما تنتجه المقاولات الاوروبية, بينما سيكون الثلث الثاني من المقاولات المغربية قادرا على التكيف بعد استعدادات كثيفة في المراحل الانتقالية الممتدة الى عام 2010, اما الثلث الاخير فهو الذي عبر بمفرده منذ بداية مفاوضات الشراكة عن استعداده لدخول امتحان المنافسة فورا. والسؤال المطروح هو هل المغرب مؤهل للاستحقاقات الاوروبية المقبلة؟ ذلك ان التحديات المتوقعة كبيرة بالقياس الى الماضي, بعدما اصبح مفتوحا بالكامل على اوروبا, وداخل محيط دولي اوسع يجبره على التكيف معه ويدعوه في نفس الوقت الى الاحتفاظ بشخصيته الذاتية لكي لايذوب في هذا المجتمع الجديد الذي يتشكل من نحو 30 دولة تضم ما بين 600 و800 مليون نسمة, ويحتكر حوالي 40 في المئة من التجارة العالمية. غير ان الخبراء يقولون ان السنوات العشر المتبقية امام المغرب للدخول عمليا في شراكة اوروبا غير كافية لكي ينجز المغرب ما انجزته الاقطار الاوروبية في ظرف عقود متعددة, فما لم تكن الصناعة المغربية قادرة على المنافسة من حيث الاسعار والجودة على صعيد السوقين المحلي او الخارجي فان اقامة منطقة حرة للتبادل ستكون بمثابة خطر يهدد بانهيار ما سعى المغرب الى تشييده منذ عقود وفي ذلك الكثير من المخاطر التي يتعين تجنبها. خصوصيات مغربية وتعتقد الاوساط المغربية ان اقامة منطقة للتبادل الحر تقتضي العمل على احداث توازن في المبادلات التجارية, وقبل ذلك تقتضي مساعدة المغرب على تحقيق التنمية الاقليمية, مثلما حدث بالنسبة للدول المندمجة في السوق الاوروبية المشتركة منذ انطلاقها كايطاليا والدول التي التحقت بها كاليونان واسبانيا والبرتغال, ولاحداث التوازن في المبادلات لابد من ان تؤخذ خصوصيات كل من قطاعي الزراعة والصناعة بعين الاعتبار, والواقع ان القطاع الزراعي المغربي هو وحده القادر على التخفيف من اختلال ميزان المبادلات التجارية مع الاتحاد الاوروبي, وهو اختلال يحدث عجزا بنسبة تفوق 40 في المئة, ومعنى هذا ان القطاع يعد عاملا مركزيا في مساعدة المغرب على الاندماج في السوق الاوروبية المشتركة. وتفيد المؤشرات ان في استطاعة القطاع الزراعي المغربي ان يخفف من اختلال ميزان المبادلات التجارية مع الاتحاد الاوروبي وهو اختلال يفوق نسبة 60 في المئة, لكن الملاحظ ان الدول الاوروبية لاتبدي الاستعداد اللازم لفتح الابواب امام المغرب لاستغلال الامكانيات المتوفرة في الاسواق الاوروبية وبالتالي استيعاب المنتوجات الزراعية المغربية, فبالرغم من ان الواردات الاوروبية من المغرب لا تشكل الا نسبة ضئيلة فان الاوروبيين لا يفتؤون يضعون العراقيل التي تذهب الى حد التناقض مع اتفاقيات (الجات) الرامية الى اقرار حرية التجارة على الصعيد الدولي. اما بالنسبة للقطاع الصناعي فان الاوروبيين يدركون ان رفع الحواجز الجمركية التي يطالبون بها لايمكن الاستجابة اليها في الظروف الحالية لان الصناعة في المغرب لم تصل بعد الى مستوى تحمل منافسة الصناعة الاوروبية المتطورة, رغم ان المغرب شرع في تخفيض الرسوم الجمركية ابتداء من يناير 1997 وعلى مدى اربع سنوات, اي الى نهاية عام 2000, حيث سيتم خلال هذه الفترة خفض الرسوم على التجهيزات وقطع الغيار والموارد الاولية المستوردة, وبعد هذا التاريخ سيتم الشروع ابتداء من يناير 2000 في تخفيض باقي معدلات الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المئة كل عام حتى نهاية 2009, اي عشية قيام منطقة التبادل الحر التي تصبح فيها المبادلات بلا رسوم حمائية. مساعدات محدودة واذا كان المغرب يتلقى مساعدات اوروبية على شكل قروض او هبات او استثمارات, لكن الارقام التي يقدمها الاوروبيون لا تستجيب لمتطلبات توفير الشروط الاساسية لشراكة حقيقية, واول مثال لتقييم تلك المساعدة يكمن في المساهمة الاوروبية في تنمية منطقة شمال المغرب التي تدخل فيها اعتبارات اخرى اضافة الى اعتبارات اقامة منطقة للتبادل الحر, ونعني بها محاربة المخدرات والهجرة السرية الى اوروبا فالملاحظ ان المساعدات الاوروبية في هذا المجال لاترقى الى ضخامة العمل الذي يجب انجازه في هذه المنطقة. وحسب الخبراء المغاربة فان اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي تكشف عن اوجه خلل متعددة يتعين معها تصحيح او مراجعة بعض بنودها لبلوغ الاهداف التي ترمي اليها, ويرى هؤلاء ان الاتفاقية (ترغم المغرب على رفع الحواجز الجمركية مع الوعد بان يكون هناك مقابل لكن دون ان يشمل المنتجات الزراعية) , بينما يعد القطاع الزراعي المغربي هو المؤهل منذ الآن ويوجد في مستوى يتيح له مواجهات متطلبات الشراكة مقارنة مع القطاع الصناعي الذي لم يصل بعد الى ذلك المستوى, وفي ضوء ذلك فان الغلاف المالي لبرنامج تأهيل المغرب للشراكة الذي تنص عليه اتفاقية التبادل الحر غير كاف, ويرى الخبراء المغاربة (ان المغرب بحاجة الى اكثر مما تضمنه الغلاف ليكون في مستوى الانفتاح على الواردات الاوروبية) . ويذكر ان الاتحاد الاوروبي قرر تخصيص دعم مالي لفائدة المغرب تصل قيمته الاجمالية الى نحو 450 مليون وحدة اوروبية نقدية (حوالي خمسة مليارات درهم مغربي) وذلك خلال فترة 1996 ــ 1999, كما ان البنك الاوروبي للاستثمار (B.E.L) وافق على منح قروض للمغرب تتراوح قيمتها ما بين 400 و450 وحدة نقدية اوروبية, وذلك خلال نفس الفترة المذكورة. وكان الاتحاد قد منح المغرب منذ 17 عاما وحتى يوم يونيو 1997 نحو 3.1 مليارات وحدة نقدية اوروبية, اي ما يناهز 34.17 مليار درهم على شكل مساعدات وهبات وقروض مختلفة.

تعليقات

تعليقات