تقارير البيان: لوبي في روسيا يدافع عن مصالح اسرائيل

أشارت الكثير من التحليلات السياسية العربية الى ان تعيين سيرجي كريينكو رئيساً للحكومة الروسية يعني سيطرة اليهود على صناعة القرار في موسكو. بالاضافة الى نجاح العديد من رجال المال والأعمال اليهود في تحقيق مكاسب كبيرة وفرت للكثير منهم سيطرة على بعض المجالات الحيوية. غير ان الدراسة المتأنية لطريقة وقنوات صنع القرار في موسكو تؤكد ان يلتسين لا يزال هو المتحكم الاول في آليات تسيير الكثير من القضايا المصيرية, فرغم الحديث عن مرضه والشوط الديمقراطي الذي تم انجازه بيد أن كافة الأمور تدار بمعرفته او من خلاله.. ويكفي التمعن في الطريقة التي تم عبرها تمرير تعيين كريينكو داخل مجلس الدوما.. اذ بعد الفشل في المرتين الاوليتين, استخدم يلتسين تهديداته ومارس ضغوطه المادية والمعنوية على اعضاء الدوما, حتى رضخوا في المرة الثالثة لتعيين رئيس الحكومة الجديد, تفادياً لكثير من التعقيدات والاشكاليات السياسية التي يمكن ان يؤدي اليها استمرار الاعتراض على كريينكو,لا سيما وان الساحة الروسية تعج بالعديد من التباينات على أكثر من صعيد, كما ان الانتخابات الرئاسية ليست ببعيدة, والغموض يكتنف الموقف النهائي لاحتمال ترشيح الرئيس يلتسين في الدورة الثالثة, حيث يتجاذب تفسير قانونية الترشيح موقفين: احدهما يؤيد الترشيح وفقاً للدستور الجديد الذي ينص على عدم احقية الترشيح لأكثر من دورتين اعتبارا من صدوره بمعنى ان الدورة التي خاضها يلتسين قبل صدور الدستور غير محسوبة والتفسير الثاني يعتبر الدورة الاولى محسوبة, بالاضافة الى وجود بعض الكتابات التي بدأت تروج لشخصيات بارزة سوف تخوض الانتخابات المقبلة مثل الكسندر ليبيد, والشاب اليهودي بوريس نيمتسوف. مشهد ومعالم على هذا الأساس يبدو المشهد السياسي في موسكو غير محدد المعالم بصورة حاسمة, ويجعل كافة الاحتمالات السياسية مفتوحة, بيد ان العوامل الاقتصادية الدافعة للسياسة الروسية سوف تكون ابرز المؤثرات على التطورات المقبلة في موسكو اذ اكد بيان (حكومة روسيا الاتحادية والبنك المركزي حول السياسة الاقتصادية لعام 1998. ان ثمة تعليمات مباشرة تتسم بالحدة والحسم تتناول الخطوات التي يتوجب على الحكومة اتباعها في اطار جدول زمني لترشيد السياسة الاقتصادية على حساب تقليص الدعم وفتح باب الاستيراد دون قيود وتخفيض النفقات الحكومية, وتخصيص العديد من المؤسسات.. الأمر الذي يشير إلى ان برنامج الاصلاح الاقتصادي سوف يتواصل في روسيا, خاصة وان صندوق النقد الدولي وافق مؤخراً على صرف دفعة من اتفاقه مع موسكو كما ان كثيرا من العواصم الغربية تبدي اهتماماً ملحوظاً باستمرار برنامج الاصلاحات, ووعد بعضها بالمساعدة, لذلك قيل بأن حكومة كريينكو سوف تركز بصورة أساسية على الجوانب والأبعاد الاقتصادية, لا سيما وأن معاناة طبقات كثيرة من الشعب الروسي بدأت تتزايد بطريقة لافتة وتسبب حرجاً للرئيس يلتسين, ويستخدمها معارضوه في الدعاية ضده, واثبات فشل خططه الاصلاحية, وانتفاء فكرة الرخاء الموعود, مستندين في جزء من تحليلاتهم الى تغلغل النفوذ اليهودي وتراكم ثروات مجموعة كبيرة من رجال الاعمال على حساب المواطنين بصورة مشروعة او غير مشروعة, من هذه الزاوية يدرك كريينكو ان نمو الناتج المحلي الاجمالي يتوقف على حجم رؤوس الاموال المستثمرة في القطاعات الانتاجية وهو الآن في تراجع كما يميل فائض الميزان التجاري للانخفاض, وتتزايد مدفوعات خدمة دين الدولة الخارجي والداخلي. ويرى رئيس الحكومة الروسية الجديد أن الأمل في تحقيق نمو اقتصادي قد انهار تحت ضغط أسباب خارجية أهمها الأزمة التي اجتاحت اسواق المال الآسيوية وهبوط أسعار النفط والغاز والمعادن. واخرى داخلية مثل عدم واقعية التزامات الدولة وعدم اعتماد النظام الضريبي الجديد, والنوعية الرديئة للنمو الاقتصادي الذي تحقق وانخفاض الطلب على المنتجات الروسية.. وتراجع حجم الاستثمارات عموماً, والراجح ان يتدعم موقف كريينكو في الداخل عندما تبدأ المساعدات الخارجية في التدفق الى حكومته, ويثبت فشل بعض التوقعات التي راهنت على سقوط هذه الحكومة تحت الحاح الضغوط الاقتصادية.. حيث يحظى كريينكو بدعم الدوائر الامريكية, فقد قام ستروب تالبوت نائب وزيرة الخارجية الامريكية بمقابلة كريينكو خلال زيارته الاخيرة لموسكو, ووعده بصرف 1.6 مليار دولار, مما تحتاجه روسيا من الولايات المتحدة لدفع مرتبات واجور العاملين, كما يعتقد بعض المراقبين ان عدداً من الامريكيين استحسنوا مناقشات بين واشنطن وموسكو عندما كان كريينكو مديرا لأحد البنوك التجارية وبعدها عندما اضطلع بمنصب نائب وزير الوقود والطاقة, ثم وهو وزير للوقود والطاقة خلفا لبوريس نيمتسوف الذي رقي الى منصب النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء السابق, وتؤكد اشادة الرئيس الامريكي برئيس الحكومة الروسية الجديد علنا في البيت الابيض واعتزام ترتيب لقاء له مع نائب الرئيس الامريكي قريبا دعم واشنطن لخطوات يلتسين والاشادة بصحة قرار تعيين كريينكو. ومن المقرر خلال الاشهر المقبلة بيع عدد من ممتلكات الدولة, ربما تضم شركة النفط الحكومية (روزنيفت) وشركة الغاز الطبيعي العملاقة (غازبروم) وشركة شبكة الكهرباء والاخيرتان مملوكتان جزئياً للدولة, واحتمال السيطرة عليها امر يتوق اليه كل من اقطاب الاعمال والاصلاحيين المحيطين بنائب رئيس الوزراء السابق أناتولي تشوبايس الذي قيل انه يتطلع الى رئاسة شركة الكهرباء. موسكو وتل أبيب وعلى خلفية هذه المعطيات, ما هي حقيقة العلاقة بين موسكو وتل أبيب؟.. وما هو مستقبل اللوبي اليهودي في روسيا؟ فيما يتعلق بالتساؤل الاول تبدو الوقائع والمعلومات المتوافرة على درجة من التداخل, ولكن يمكن التركيز على اتجاهين في التحليلات المتناثرة حول العلاقة بين روسيا واسرائيل, احدهما يعتقد في عمقها وتطويرها في المستقبل بناء على بعض القواسم الاستراتيجية المشتركة, ومن بينها مصالح اليهود في روسيا التي يمكن امتدادها الى فنائها الخلفي الممتد داخل الجمهوريات السوفييتية السابقة, لأن هناك جملة من العوامل الدافعة لتوثيق هذه العلاقة, ومن ثم يميل هذا الاتجاه الى ترجيح كفة المصالح الاقتصادية التي تصطحب معها بالضرورة بعض التطورات السياسية ذات الدلالات العميقة فبالاضافة الى حجم الفرص والاستثمارات التي يمكن توفيرها وخلقها في روسيا في ظل الاصلاحات الجارية لاقتصادها. ربما تكون موسكو امتدادا حيوياً للولوج الى الاستثمار في دول الكومنولث المستقلة, وقد يكون تعيين بريزوفسكي أميناً عاما لهذه الرابطة أحد المظاهر القوية لهذا الهدف, خاصة وأن معظم دولها تملك احتياطيات نفطية كبيرة, والكثير من الكتابات والدراسات الغربية رشحتها لتكون منطقة للصراع في المستقبل المنظور, كما بدأت بعض التلميحات تشير الى امكانية تضافر جهود الولايات المتحدة مع اسرائيل لتطويق هذه المنطقة وبناء على العلاقة الارتباطية الاستراتيجية بين هاتين الدولتين, تكون هذه المقاربة محل تفكير وان كان بعض المحللين قد سلموا بتصديقها بعد ظهور تقرير أمريكي اعده مجلس الأمن القومي بالتعاون مع كل من وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الامريكية والسلطات الاسرائيلية يلمح الى توجيه جهود تل أبيب نحو الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى, كي تتصدى لمحاربة نفوذ كل من روسيا وايران في تلك الجمهوريات, وتمنع انتقال التكنولوجيا العسكرية الى طهران, وبالفعل نجح اللوبي اليهودي مؤخراً بدعم ومباركة واشنطن في ارغام الرئيس يلتسين على اقالة فيكتور ميخائيلوف وزير الطاقة النووية بسبب اصراره على تنفيذ التعاقدات الموقعة مع ايران بشأن التعاون في مجال بناء محطة(بوشهر) النووية حيث كان ميخائيلوف يعتبر العقود المبرمة مع طهران توفر الكثير من الاموال التي يمكن من خلالها دفع مرتبات العاملين لتطوير برنامج الطاقة النووية, خاصة ان ذلك لا يتناقض مع القوانين والمواثيق الدولية التي تحظر انتشار التكنولوجيا النووية المخصصة لغير الاغراض السلمية الامر الذي جعل وزير الدفاع الامريكي السابق وليم بيري يقول (ان الطاقة النووية الروسية اشبه بالاخطبوط الذي ما ان تقطع رأسه حتى تظهر اخرى, ومن ثم يتوجب القضاء عليه نهائيا) . ويؤكد اصحاب الاتجاه الاول على رؤيتهم بوجود مجموعة من الاتفاقات الاقتصادية بين روسيا واسرائيل وتوفير جملة من القواعد والمصالح المشتركة ويرتبط البلدان حاليا بحوالي عشرة اتفاقات اقتصادية, كما تم توقيع اتفاق عسكري بينهما, يتضمن عدة بنود تتعلق بتعاونهما العسكري... ابرزها مشروع مشترك لتصنيع طائرة للانذار المبكر من طراز (اي 5) كما يشمل الاتفاق 21 محورا للتعاون تتركز بصورة اساسية على تحديث المعدات العسكرية الروسية وبعض المنشآت الجوية والبحرية والبرية في روسيا. دور وتشكيك اما اصحاب الاتجاه الثاني فيتشككون في جدوى تطوير العلاقات بين روسيا واسرائيل, ويقولون ان اللوبي اليهودي المتنامي في روسيا لا يزال امامه الكثير من الوقت حتى تنضج نتائج ادواره وتكون اكثر ايجابية وقوة الامر الذي يمكن تفسيره من خلال: اولا ــ مهما بلغ حجم تداعي النفوذ الروسي فانه من المؤكد ان موسكو تملك مكانة على الصعيد الدولي لا يمكن انكارها وان الازمات والتشوهات التي يتعرض لها الاقتصاد الروسي لن تكون حائلا امام تفعيل دور موسكو في الساحة الدولية. وبما ان روسيا لديها مجموعة من المصالح المتعددة في المنطقة العربية وايران لا تستطيع التضحية بها فان علاقتها باسرائيل ستكون محكومة بتطورات مصالحها مع هذه الدول. ولعل الدور الذي لعبته الدبلوماسية الروسية في الازمة العراقية الاخيرة قد يفسر لنا جوانب مهمة ودقيقة لما يتردد حول تقوقع روسيا حول ذاتها وتفرغها لمشاكلها. وثانيا ــ ان انتشار اللوبي اليهودي في اوساط صنع القرار الروسي مقولة يشوبها الكثير من اوجه القصور في التحليل السياسي والفهم الموضوعي للواقع المتشابك هناك. اذ يذهب اصحاب الاتجاه الثاني في تفسيرهم الى الاشارة الى وضع هذا اللوبي في بعض الدول الغربية وبالتحديد يستشهدون باللوبي اليهودي في امريكا الذي تكون خلال حقب زمنية ممتدة وعبر ارضية ممهدة نسبيا وساعدت على نمو وتصاعد نفوذهم بالطريقة التي هو عليها الآن. وهي سياسة صهيونية محبوكة جيدا وتستخدم جيدا وتستخدم فيها مختلف الاساليب المشروعة وغير المشروعة حتى استطاعوا الاستحواذ على كثير من العوامل المؤثرة في صنع القرار في واشنطن وهو هنا تزامن مع ارتفاع معدل الحضور المادي لليهود داخل الادارة الامريكية الحالية الذي اوضح الى اي مدى تزايد الدور التأثيري الذي تمارسه مراكز الابحاث والاستشارات الصهيونية في توجيه سياسة واشنطن بطريقة لا تتعارض مع مصالح اسرائيل واليهود ويعتبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى الاقوى نفوذا في هذا المجال خاصة انه يملك مجموعة كبيرة من مصادر التمويل وشبكة قوية داخل النخبة السياسية ووسائل عدة لتشكيل الرأي العام الامريكي. ويعتمد المعهد في ادارته وانشطته البحثية على اليهود الامريكيين وغيرهم من اصحاب الاتجاه الصهيوني المرتبطين بجماعات الضغط اليهودية وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية ايباك. وعلى تنقلنا هذه التحليلات الى سؤالنا الثاني حول مستقبل اللوبي اليهودي في روسيا. الارجح ان صعود كيريينكو الذي ينحدر من اب يهودي يدعى اسرائيتل وام روسية مسيحية تحمل لقبا اوكرانيا على ارض انجازية لن يكون دليلا كافيا على نضج التربة التي ينهض عليها اللوبي اليهودي حيث تبين طريقة تعيين الرجل الى عدم تأثير دور يهودية والده, الذي يؤكد بعض المحللين على انتفاء دور الدين في حياته اصلا ويقطعون بان التحديات والعوامل السياسية وذكاء وطموح رئيس الحكومة الجديد هي التي ادت الى صعود نجم كيريينكو اساسا. كما ادى تضافرها مع مجموعة من المتغيرات الحاسمة وفي توقيت بالغ الحساسية الى النتائج الراهنة. اضف الى ذلك ان ظاهرة رجال المال اليهود في روسيا ودورهم الاقتصادي, من الصعوبة تحليلها بعيدا عن ادوار الاخطبوط اليهودي في اقتصاديات العالم وان وجود بعض منهم يلعبون دورا دقيقا ومؤثرا في الاقتصاد الروسي لا يعني بالضرورة تحكمهم في كافة جوانبه. علاوة على ان مقولة رأس المال في حاجة الى سلطة تحميه من التقلبات والازمات السياسية تبدو معالمها قوية في هذا السياق. من هنا بدأت علاقتهم ببعض السياسيين من امثال الكسندر ليبيد. لكن لا ينفي ذلك تزايد الدور اليهودي في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي من جراء جملة من العوامل سبق توضيحها كما ان انشاء ما يسمى بالطائفة اليهودية في روسيا كتنظيم جديد اعلن عن تشكيله مؤخرا ليكون هيئة استشارية لدى حكومة موسكو له دلالاته البعيدة التي ترجح من احتمال تصاعد نفوذ اليهود السياسي في روسيا مستقبلا. وفي التحليل الاخير على الاقطار العربية اليقظة لهذه التطورات واعداد العدة ليوم قد نجد فيه اللوبي اليهودي في روسيا اكثر شراسة من نظيره في امريكا واقوى تأثيرا على قضايانا وربما يكون تشجيع الاستثمار العربي في روسيا احد المظاهر التي تضمن مكانة عربية هناك. فضلا عن تمهيد الارضية امام الدبلوماسية الروسية بطريقة ذات فعالية اكبر قد يكون لها من النتائج ما يمكن ان يضعف من قوة اللوبي اليهودي ويزيد من مساحة الوجود العربي.

تعليقات

تعليقات