تقارير البيان: العلاقات بين الخرطوم والقاهرة إلى المربع الأول

انطفأت بسرعة الآمال المتنامية بتطبيع وشيك بين السودان ومصر مع مغادرة وفد فني مصري الخرطوم امس بشكل مفاجىء بعد ان فشل على ما يبدو في حلحلة عقدة اعادة المنشآت المصرية في السودان والتي كانت السلطات السودانية صادرتها ابان توتر العلاقات مع مصر . وتركت مغادرة الوفد الحكومي المصري المفاجئة وقطعه للمهمة التي بدأها قبل عشرة ايام, علامات استفهام كثيرة في العاصمة السودانية. وبينما أوردت صحيفتان مستقلتان معلومات عن نهاية المباحثات وهو ما لم تتعرض له الصحف وأجهزة الاعلام الرسمية في مثل هذه الاحوال وضح من صياغة مغادرة الوفد المصري وعدم تحديد موعد لاستئنافها وتأجيل زيارة لوزير التعليم المصري الذي كان مقررا له ان يكون في طليعة الوزراء المصريين القادمين الى الخرطوم اليوم (الاربعاء) . فقد ذكرت صحيفة (أخبار اليوم) السودانية ان مسؤولا اتصلت به تحفظ على نتائج المباحثات, كما أكد ان اعادة العمل ببطاقة وادي النيل بين الدولتين ما زالت تحت الدراسة, وبهذا يكون واحد من الانجازات التي انجزها نظام نميري أصبح في مهب رياح العلاقات بين الدولتين, وفشل الطرفان في الوصول لاتفاق لقضايا تعتبر من الدرجة الثالثة قياسا الى الملف الآخر. الرواية الرسمية قالها الدكتور حسن عابدين وكيل وزارة الخارجية ان الجانبين اتفقا على تقسيم المنشآت المصرية التي تمت سودنتها الى ثلاث فئات يتم تسليم الأولى فورا ومنها بعض مباني وزارة الري والمدارس والثانية تسلم ما بين ثلاثة اشهر وثلاث سنوات ومنها بعض الاستراحات ومدارس الولايات, وأضاف ان الجانب السوداني اقترح فترة ثلاث سنوات للتسليم بعد اكتمال الدور المدرسية وأيضا المباني التي كانت تابعة للملحقية العسكرية المصرية, كما اقترح خمس سنوات لتسليم مباني جامعة القاهرة فرع الخرطوم وذلك الى ان تنتقل (جامعة النيلين) الى مقرها الجديد, وقال الدكتور عابدين لصحيفة (الأسبوع) ان الجانب المصري طالب باخلاء مباني الجامعة خلال عام واحد, بينما عرض الجانب السوداني دفع تعويضات نقدية أو عينية لبعض المنشآت والمعدات التي تم استهلاكها, ورغم ايراد فقرة في التصريح بأن الجانب المصري رفض زيارة المباني والمنشآت طالما ان الجانب السوداني سيقترح تواريخ لتسليمها, فإن الدكتور عابدين قال ان المفاوضات اسفرت عن رؤيا مشتركة ومنهج, ومنها حل اي نزاع ينشأ بالطرق القانونية وان تعود حالة المباني الى ما كانت عليه قبل استلامها من الحكومة السودانية. من كل هذا يتضح ان نبرة التفاؤل التي سادت بين الدولتين بتطبيع العلاقات بالسرعة التي كان يلاحقها بها نائب الرئيس الراحل الزبير محمد صالح لا يمكن ان تتحقق بهذه الوتيرة المتعثرة. وبدا واضحا ان وفاة الفريق الزبير أدت الى غياب عنصر هام ومؤثر في ترميم العلاقات السودانية المصرية بالرغم من الجهود المضنية التي يبذلها حاليا الدكتور مصطفى اسماعيل وزير الخارجية واللواء عبدالرحيم محمد حسين وزير الداخلية اللذان يمسكان بأهم الملفات بين الخرطوم والقاهرة ومن ابرزها الملف الامني. ومن المفروض انه كانت هناك مساحة خاصة للفريق الزبير وسط القيادة المصرية عبر عنها صراحة رئيس وزراء مصر كمال الجنزوري في تأبين نائب الرئيس السوداني بعد ساعات من وفاته, بأن مصر كانت تلجأ للزبير عندما ترغب في بحث اية مسألة هامة بين الدولتين, وبدأ وقتها للمراقبين ان هذه الملاحظة كان لها وقعها السلبي لدى القيادة السودانية اذ جاء الرد السوداني متوترا كما عكسه رئيس البرلمان الدكتور الترابي الذي قال ان اصدقاء ابتعدوا عنها كثيرا وآخرون يحاولون الآن التقرب الينا بعد ان تفجرت ثروات بلادنا ومنها البترول لاقتسامها معنا. وبعد ان انحسرت موجة الحزن على نائب الرئيس الراحل الذي كان يفاجىء الكثيرين بوجوده في قصر الرئاسة بالقاهرة, والذي أعاد وضع العلاقات المتردية بين الدولتين الى طريق المفاوضات, لاحظ المراقبون ان شحنة العواطف الحارة بين العاصمتين أصابها بعض البرود, وان وتيرة الحركة بينهما اقرب الى الجمود منها الى الديناميكية التي بدأها الزبير, وجاء تردد علي عثمان محمد طه الذي حل مكان الزبير نائبا للرئيس في معالجة الملف ليؤيد جمود من جهد التقدم. ويتضح هذا ايضا بأن القاهرة قد بدأت تضبط خطواتها اكثر وتزن عواطفها تجاه الخرطوم بعد التعديل الوزاري الذي اعقب وفاة الفريق الزبير تتضح لها توجهات العديد من صناع القرار بشأن المسألة المصرية. وهكذا تقلصت المعالجة للملفات الكثيرة بين البلدين لتقتصر على الزيارات التي يقوم بها وزراء سودانيون الى القاهرة للاشتراك في مؤتمرات أو اجتماعات عربية مقررة سلفا, وعلى هامشها يتم بحث القضايا السودانية المصرية, ولم تسفر هذه الاتصالات سوى عن اتفاق لاستئناف الملاحة بين حلفا واسوان كما قررته الهيئة المشتركة للملاحة, وكذلك اسفرت مباحثات بين الهيئة المشتركة لمياه النيل بين الدولتين بعد ان عاد لها نشاطها عن اتفاق بينهما لمواجهة الاطماع الاجنبية في مياه الوادي, كما انتهت مفاوضات لوزير العدل السوداني مع رفيقه المصري في القاهرة فاروق سيف النصر عن اتفاقية ثنائية للتعاون في مجال صياغة القوانين وتبادل الخبرات والتدريب. لكن القضايا الاساسية ما زالت معلقة حتى تم الاعلان بأن وفدا فنيا مصريا سيصل الخرطوم يضم ممثلين لوزارات الدفاع والخارجية والتربية والري لبحث استعادة الممتلكات المصرية وهو موضوع حساس لا يزال يثير أزمة. وتزامن هذا مع رحلة لوزير الداخلية الى القاهرة للمشاركة في اجتماعات وزراء الداخلية العرب لانجاز اتفاقية مكافحة الارهاب. وأعلن اللواء عبدالرحيم محمد حسين وزير الداخلية العائد من مصر عن التوصل لاتفاقية أمنية بين البلدين لمكافحة التهريب وحماية الحدود وتنقل المواطنين, وأضاف ان الاتفاق الذي وصفه بأنه الأهم بين الدولتين سيخضع لدراسات في اجهزة الدولتين. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي

تعليقات

تعليقات