نافذة: مفاجأة سودانية جديدة: محمد الحسن أحمد

نقلت وكالة الأنباء الفرنسية ان الحكومة السودانية وافقت على سفر وفدين يضمان شخصيات سياسية من الجنوب الى كل من اسمرا ونيروبي تمهيدا للمفاوضات المقبلة بين الحكومة والمتمردين الجنوبيين في الثلاثين من هذا الشهر في نيروبي . وأوضح مصدر سياسي جنوبي للوكالة القطرية في الخرطوم ان نائب الرئيس السوداني السابق ابل الير سيقود وفدا سيتوجه الى اسمرا لاجراء محادثات مع الاحزاب الشمالية المعارضة وطرح وجهة نظر سكان الجنوب في شأن سير المفاوضات, فيما يرأس هلري باولو لوقالي وهو احد القيادات السياسية في الجنوب الوفد الثاني الذي يزور كينيا للقاء قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان واطلاعهم على وجهة نظر القيادات الجنوبية في الداخل في شأن المفاوضات المقبلة. فالخبر يبدأ بموافقة الحكومة على سفر الوفدين وهذه (الموافقة) تعني المباركة وحتما تعني ان هناك جديدا اقنع هذه الشخصيات المعروفة بمواقفها المعارضة للنظام لكي يشد الرحال الى كل من نيروبي واسمرا علما بأن شخصية مثل ابل الير ظل يقدم المذكرات متضامنا مع اركان المعارضة في الداخل ومنفردا للنظام, ويعلن بوضوح انه مع مقررات اسمرا ما يعني تطابق موقفه مع المعارضة ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. ولذلك فإن سفره على رأس وفد للاجتماع بالمعارضة الشمالية في اسمرا لطرح وجهة نظر سكان الجنوب في شأن سير المفاوضات يعني ان هناك مستجدات طرأت على موقف الحكومة, وربما على موقفه هو ايضا مثلما ان وفدا برئاسة هليري لوقالي سيتوجه الى نيروبي للاجتماع بقيادة الحركة الشعبية يعني ان هناك مستجدات ايضا. وكذلك الطلب المقدم من مجموعة الاحزاب الجنوبية لحضور الاجتماعات المقبلة بصفة مراقب! ولكي تبدو الصورة اكثر قربا للأذهان تجدر الاشارة الى انباء ترددت في داخل السودان مفادها ان مسؤولين كبارا في النظام قد عقدوا عدة اجتماعات مع الشخصيات الجنوبية التي وافقت الحكومة على سفر الوفدين المعنيين منها الى كل من اسمرا ونيروبي, وانها اي الحكومة ابدت موافقتها على الكونفدرالية بحيث يتسنى لها في الشمال قيام حكومة دينية, وفي الجنوب حكومة علمانية وان تعطي هذه الكونفدرالية فرصة اختبارية لمدى معقول يمكنها من النجاح أو يتحقق بعدها الانفصال الكامل للجنوب. وان المسؤولين الكبار في النظام ركزوا على ان التفاهم مع المعارضة الشمالية يمكن ان يتم لاحقا لأنه خلاف على (السلطة) وألمحوا الى ان مصر تعد في دور لهذا الوفاق, وروجوا الى ان مصر على تفاهم معهم ومع المعارضة الشمالية!! فإذا كانت تلك الانباء التي تسربت من الخرطوم صحيحة وعلى الارجح انها صحيحة يبدو من السهل التعمق في الخبر المنسوب للوكالتين واستقراء الكثير من المدلولات. وقل ان نمضي قدما في استقراء المدلولات يلزمنا ان نذكر بأن الحكومة كانت تردد بالفم المليان انها لن تقبل بحق تقرير المصير بل وتعتبر قبوله خيانة وطنية لكنها ما لبثت ان تبنته بالفم المليان, هذا اذا لم نعد بالذاكرة الى اجتماعات فرانكفورت قبل سنوات حيث تم القبول به سرا مع لام اكول ومشار! ولذلك لا ينبغي ان يفاجأ الجميع لو اعلن النظام قبوله للكونفدرالية التي حاول ان يخلق ضجة كبيرة حولها في المفاوضات السابقة, وادعى جون قرنق وقتها انه طرحها على مائدة المفاوضات كاجراء تعجيزي لأنه لا يرى فائدة في التفاوض مع النظام وانه ملتزم بمواثيق ومواقف التجمع, ترى ماذا سيكون موقفه اذا قبل النظام بهذا الحل الذي وصفه قرنق بالحل التعجيزي؟! لعل الاجابة عن هذا التساؤل تحتاج الى الكثير من التأمل, والأرجح ان الوفدين, وفد ابل الير, ووفد هيلري لوقالي يحملان كل ما يجيب على التساؤل في ضوء الدوافع التي حملتهما الى قبول المهمة! ترى هل مهمة ابل الير ان يقنع المعارضة الشمالية بقبول طرح الكونفدرالية؟ وهل مهمة هيلري هي اقناع قرنق بالتخلي عن المعارضة الشمالية اذا قبلت الحكومة الكونفدرالية وانه يحمل ضمانات تؤكد انها ستبادر بقبولها؟ وهل نجحت الحكومة اخيرا في وضع مخطط لفك الارتباط بين المعارضة الجنوبية والمعارضة الشمالية؟ فاقنعت الجنوبيين أو على الاصح أوهمتهم ان لها اتصالات سرية قطعت شوطا بعيدا مع المعارضة الشمالية عبر مصر وان المطلوب هو ان نصل في المبتدأ الى تسوية نهائية لمشكلة الجنوب معكم, لأنها مشكلة رئيسية, اما مشكلة النظام مع المعارضة الشمالية فهي لا تزيد عن كونها خلافا على السلطة ومن يحكم أوانه من الافضل لأهل الحكم واهل الجنوب الوصول الى التسوية النهائية ثم تكتمل الصورة وتتوج بالاتفاق مع المعارضة الشمالية! وهل من المنطق او المعقولية في شيء ان تقدم الحكومة مثل هذه العروض السخية لأهل الجنوب ولا تجد قبولا لمجرد التزامهم مع المعارضة الشمالية التي لا تملك سلطة القرار الآن ولا تصل اتفاقاتهم معها الى هذا المدى من الخيارات؟! من جهة اخرى ما الذي يدفع الحكومة لرفع شعارات تقول بالصوت العالي: انها لن تفرط في وحدة السودان, ثم تعمل في الخفاء لفصل الجنوب عن الشمال؟ وماذا تكسب من فصل جنوب السودان؟ إذن فإن تفكير النظام في فصل الجنوب عن الشمال كان يمثل احد خيارين, خيار اخضاع الجنوب بقوة السلاح وادخاله تحت عباءة الدولة الدينية, وهذا ما جعل النظام يتصاعد بالحرب ويحولها الى حرب جهادية على نحو ما هو معروف. أو اذا استحال اخضاع الجنوب بقوة السلاح, فالخيار الآخر فصله لأن التعايش معه في دولة موحدة لابد ان ينتفي معه قيام دولة دينية وهذا ما يتعارض مع الدعوة الرسالية التي تتبناها جبهة الترابي. الآن تيقن النظام من استحالة اخضاع الجنوب بقوة السلاح فأصبح الخيار الآخر هو القبول بفكرة قيام دولتين في كونفدرالية حتى يكون بوسع الجبهة القومية ان تحافظ ولو جزئيا على ما تطلق عليه مشروعها الحضاري الذي تتاجر به دينيا محليا وعالميا. وهنا تكمن الحكمة من وراء اصرار النظام على عدم الجلوس في مائدة واحدة تجمع كل القوى السياسية شمالية وجنوبية, لأن اية مفاوضات بهذا الشمول ستقود الى اجماع الآخرين على الدولة الواحدة في اطار لا يؤسس على الدين وهنا سيسقط في ايدي جماعة الترابي ما يسمى بالمشروع الحضاري مقابل وحدة السودان بارادة غالبية اهله, ولذلك فإنهم يسعون باستمرار للتفاوض مع الجنوبيين دون اعتراف بالمعارضين الشماليين ويصرون على التفاوض مع الجنوبيين قبل الشماليين حتى لما اعترفوا بضرورة التفاوض مع المعارضة الشمالية, فإنهم ازدادوا تشددا في الحرص على ان تحل قضية الجنوب أولا عن طريقهم وحدهم, وفي ضوء هذه الحقائق فإنه من غير المستبعد ان يكونوا قد ارادوا ان يفاجئوا المجتمع الدولي والاقليمي بقبول الكونفدرالية في المفاوضات القادمة, وساعتها لن يجد هذا العرض لا رفضا من سائر القوى الجنوبية ولا من المجتمع الدولي خاصة ان انعكاسات الحرب في الجنوب وما يستتبعها من مجاعات هي مدار اهتمام العالم وكل المنظمات الانسانية. ويكون النظام قد وضع المعارضة الشمالية في موضع محرج للغاية كما يكون قد خدع كل القوى التي حاول ان يظهر لها انه الاحرص على و حدة السودان. ولكن هل مثل هذا التوجه من النظام سيجد المصداقية بعد كل التجارب التي اثبتت انه نظام مخادع؟ وهل سيسمح له اهل الشمال بأن ينفرد بحكمهم في دولة ثيوقراطية؟ وهل سيتخلى عن رسالته العالمية؟ وهل هناك اسئلة عديدة يصعب سردها! اعتقد ان رسالته العالمية هي جزء من متاجرته بالدين ولن يجاهد لها اذا تيسرت له فرص وضمانات بالاستفراد بحكم شمال السودان. ولكن من المتوقع ان يقول الجنوبيون لحلفائهم في المعارضة الشمالية نحن قبلنا عرض النظام للكونفدرالية, وقبلنا بمبدأ وقف اطلاق النار. وبالمناسبة نشرت احدى الصحف اليوغندية قبل اسبوع تصريحات منسوبة للحركة الشعبية انها ستقبل اقتراح وقف اطلاق النار لأسباب انسانية. وهذا الخبر لم يصدر اي نفي له من الحركة, وربما كان هذا التصريح فضلا عن الاسباب الانسانية ووراءه ايضا اسباب سياسية هي اشارات أولية من الحركة ترحيبا بخطوات النظام المتسقة مع قبول الكونفدرالية!! وربما تعرض الحركة على المعارضة الشمالية ان تواصل جهودها ونضالها لاسقاط النظام ومتى ما تحقق لها النصر وألغت الدولة الدينية فإنهم على استعداد لتطبيق الالتزام بقبول الدولة الموحدة وفق المواثيق المتفق عليها! ان كل هذه القرارات والتحليلات مستوحاة من ظواهر واقعية متعددة ونرجو الا تكون صحيحة. أو اذا كانت صحيحة ان يفكر أولو الأمر فيها بما تستحقه من تقدير وتدبير وبالسرعة المطلوبة. صحفي سوداني مقيم في لندن*

تعليقات

تعليقات