نافذة: الطلاب السودانيون بين التفوق والحرب: بقلم - محمد الحسن احمد

في محاولة مكشوفة من الفريق البشير للتخفيف من وطأة مجزرة الطلاب التي حدثت في معسكر التجنيد بالعيلفون قبيل عيد الاضحى نقلت وكالات الانباء انه اصدر أمرا بمنع التجنيد الاجباري لطلبة الجامعة قبل الانتهاء من دراستهم , كذلك نقلت وكالة السودان للانباء الرسمية عن وزير التعليم العالي: ان قرار البشير سيطبق من العام الدراسي المقبل وان البشير أمر بعدم ارغام اي طالب للالتحاق بالخدمة الوطنية قبل ان يكمل دراسته,وانه اي الوزير مسرور بزف تلك البشرى. وبعد يومين فقط تملص البشير مما نسب اليه ونقلت وكالة الانباء السودانية عن البشير قوله في بيان (ان جميع الطلاب الحاصلين على شهادات مدرسية سيلتحقون بالخدمة العسكرية وسيتسلمون نتائج الامتحانات والشهادات من خلال قنوات الخدمة العسكرية, وان المنتظمين في معسكرات الخدمة فقط هم الذين سيتسلمون شهاداتهم. لكنه اضاف (ان الطلاب الذين يسجلون درجات عالية يمكنهم تأجيل الخدمة والانتظام في الجامعة بشرط ان يتموا الفترة المتبقية من الخدمة العسكرية خلال فترة الدراسة او بعد التخرج وفق ما تقتضيه ظروف البلاد. لقد اطلق على البيان الثاني الذي نسخ البيان الاول بانه تفسير للبيان الاول ما يعني ان الدكتور ابراهيم احمد عمر وزير التعليم العالي قد اساء فهم القرار. أو لكأنه لم يناقش الامر مع البشير مع ان الاحتمال الاكبر انه هو صاحب المبادرة بالغاء تجنيد الطلاب لانه منذ المبتدأ كان له رأى ضد اغلاق الجامعات وارسال الطلاب الى معسكرات التجنيد, وطالما هو الوزير المختص لذلك من غير المعقول انه لم يفهم القرار الى درجة اساء تفسيره مما استوجب ان يصدر البشير البيان الايضاحي الجديد! في كل الاحوال لم يستغرب الناس هذا التبدل السريع في مواقف البشير لانهم من خلال تجاربهم العريضة مع النظام ادركوا انه لا يتمتع بأي قدر من المصداقية وان قراراته على التوالي ينسخ بعضه بعضا سواء من الجهة التي اصدرتها بالاساس او من جهة اخرى. وفي هذا الموضوع بالذات فان ارجح الاحتمالات ان الترابي هو الذي الزم البشير بنقض القرار الاول حتى لا تبدو الحكومة وكأنها تائبة او خائفة من عاقبة ما حدث, او يعود الطلاب لمدرجات الدرس فيمارسون ضغوطهم على النظام ويصبحون رأس الرمح في الانتفاضة المقبلة. لذلك طلب من البشير ان يعدل القرار ورؤي من باب الردع للوزير ان يعلق على عنقه سؤ الفهم والقصور عن تفسير القرار التفسير الصحيح. ويجب الا ننسى انها المرة الثانية التي يردع فيها هذا الوزير خلال ايام. فالكل يذكر كيف خرج غاضبا من المجلس الوطني ومصمما الا يعود اليه ما قيل له اثناء مناقشة الدستور انه وزير اكتسب عضوية المجلس بتلك الصفة وليس عضوا منتخبا ولذلك لا يحق له التصويت فاثار نقطة وجيهة, ثم خرج, ما هي النقطة؟ ان اعضاء المجلس بعضهم اكتسب العضوية بالتعيين وليس بالانتخاب ومع ذلك فانهم يصوتون فكيف بالوزير المعين يحرم من هذا الحق؟! المهم في نظر الشيخ حسن انه لم يحسن تفسير بيان البشير وفي نظر الجميع ان البشير قد تراجع بأوامر عليا من مرشد النظام, فماذا تعني الحواشي الجديدة والمستمسكات التي أمنت على استمرار محاصرة الطلاب في المعسكرات وارسالهم الى محرقة القتال؟ اولا: التأكيد على ان المعسكرات هي المكان الوحيد ليتسلم الطلبة شهاداتهم الدراسية ما يعني التحاقهم بالتجنيد الاجباري. وان المنتظمين في معسكرات الخدمة فقط هم الذين سيتسلمون شهاداتهم, ومن هناك يرسلون الى ميادين القتال لا الى مدرجات الجامعات او المعاهد! ثانيا: الطلاب الذين يمتحنون للجامعات والمعاهد العليا تصل اعدادهم الى تسعين الفا والجامعات والمعاهد لا تستوعب ربعهم وبالتالي فان اكثر من خمسين الفا ستضمهم المعسكرات بمعنى انه لن يسمح لهم بالاعادة او البحث عن جامعات ومعاهد خارج البلاد. ثالثا: حتى الطلبة الذين ستقبلهم الجامعات سيظلون بالمعسكرات الى ان تظهر النتيجة وهم وحدهم المعنيون بالقرار الاستثنائي والذي صيغ بعبارات مفادها اذا اقتضت دواعي الجهاد فيمكن العمل على استيعابهم في التجنيد تمشيا مع الضرورات! رابعا: ان النظام لم يقل حتى الان لماذا اصدر القرار؟ ولماذا تراجع عنه؟ رغم ان الجميع يعلمون الاسباب وهي ما يسمى بمجزرة العيلفون والتي لم يصدر عن النظام اي بيان بشأنها بينما تتحدث الاحصاءات عن مقتل المئات من الطلبة اما بالرصاص او غرقا وهذا يعبر عن منتهى عدم المسؤولية وسؤ الخلق. خامسا: والاسوأ من ذلك كله ان جميع اجهزة اعلام النظام واصلت برامجها الترفيهية في العيد وكأن شيئا لم يكن بينما كانت العاصمة تعيش عيدا حزينا! سادسا: بالرغم ان الحكومة لم تصدر اية بيانات توضح الموقف ـ ناهيك عن ابداء الأسف او الترحم على الاموات ـ فانها لم يصدر عنها ما يفيد بأنها عازمة على التحقيق في الحادث او معاقبة المتسببين فيه. ولعل السؤال الهام هو لماذا يكون الاستثناء قاصرا على المتفوقين في الدراسة مع الترصد والاصرار لأخذ الاقل تفوقا الى محرقة الحرب؟ هل هذا هو معيار انساني او ينطوي على منطق معقول؟ من شواهد اكثر فظاعة من مجزرة العيلفون ومن قبلها المطاردات التي شهدها مطار الخرطوم عندما اراد النظام ان يحشر الطلاب في الطائرات لارسالهم رأسا الى ميادين الحرب في الجنوب في خدعة لم تنطل عليهم. لقد حاول النظام التستر على جريمته بدفنه للطلاب في مقابر جماعية حتى يخفي جريمة من قتلوا برصاص ميليشيات الجبهة او بتعذيب زبانيتها لكن بيان التجمع الوطني الديمقراطي اكد ان تقرير الطبيب الشرعي شرح اسباب الوفاة وهي تتراوح بين كسر الرقبة واثار العصي والرصاص وعدد هؤلاء الضحايا 74 قتيلا وان 55 طالبا ماتوا غرقا وان المقابر الجماعية التي دفن فيها الطلاب سرا هي الصحافة وفاروق والبكري وام بدة وان وزير الداخلية ومدير شرطة العاصمة بالانابة وعدد من قيادات النظام قد اشرفوا على الدفن وان عدد الجثث التي دفنت بشكل جماعي 117 جثة بينما سلمت 12 جثة فقط الى ذويها. ولم تعرف اسباب هذا التمييز ولكن المؤكد ان الدفن الجماعي الهدف منه اخفاء اسباب القتل.. وحادث العيلفون يتطلب من المعارضة في الخارج والداخل ان تبتدع وتتبنى وسائل كفيلة بالحيلولة دون استخدام الطلاب كمحرقة لنظام الجبهة. وينبغي ان تكون هذه الجريمة الشنعاء نهاية لمعسكرات الموت والبداية الحقيقية للمعركة الفاصلة مع نظام الجبهة الذي بلغ مدى لا يمكن السكوت عنه. صحفي سوداني مقيم في لندن*

تعليقات

تعليقات