يشكل تطورا جديدا في موقف واشنطن: الوفد الأمريكي يبحث مستقبل السودان مع قادة التجمع بالقاهرة

لا تزال المعلومات المتداولة عن اللقاء الذي عقد بالسفارة الامريكية بين وفد أمريكي رفيع المستوى والتجمع الوطني الديمقراطي بالقاهرة قليلة, ومع ذلك فيمكن القول أن ثمة مؤشرات واشارات توفرت حول ذلك الاجتماع تمكن المراقب المتابع للشأن السوداني من قراءة موقف الولايات المتحدة تجاه المسألة السودانية بشكل أقرب إلى الدقة والتحليل السليم. وحسب ما توفر من معلومات فان اجتماع الرابع من ابريل قد تم بناء على طلب من الوفد الأمريكي الذي سبق له الاجتماع إلى قيادات التجمع الوطني الديمقراطي في اسمرا وأديس أبابا.. فالوفد الأمريكي هو الذي طلب الالتقاء بفاعليات التجمع الوطني الديمقراطي بالقاهرة في اشارة لا يغيب معناها.. فالأمريكيون يعلمون أن تجمع القاهرة يمثل الثقل والرقم واحد في حركة التجمع الوطني الديمقراطي السياسية.. فمن حيث الكم فان القاهرة تمثل أكبر تجمع للسودانيين خارج وطنهم, كذلك فان القاهرة قد أصبحت (بدون اعلان) عبر السنوات السبع الماضية (المقر الرئيسي) لكافة الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني السودانية.. كذلك لم يكن يخفى على الأمريكيين ان السنوات الماضية قد خلقت نوعا من العلاقة الخاصة بين الوجود السياسي السوداني المكثف وبين المصريين على كافة المستويات الرسمية والشعبية, مما يمكن القول معه انه أصبح الآن هنالك مشروع سوداني مصري يتكون, متجاوزا الأطر التقليدية للعلاقة الأزلية بين مصر والسودان.. والاشارة المرسلة هنا في معنى طلب الأمريكيين ان يتم اجتماع بينهم وبين ممثلين لكافة فصائل التجمع ومنظمات المجتمع المدني السودانية المقيمة في القاهرة واضحة ولا تحتاج إلى شرح. الاشارة الثانية هي ان الوفد الأمريكي كان مصرا على أن يشمل اللقاء كافة الفصائل السودانية, ولما قيل للأمريكيين ان الجانب السوداني سيكون عدده خمسة عشر شخصا يمثلون (كافة الفصائل الرئيسية) , ابدوا ترحيبهم واستعدادهم لمقابلة أكبر عدد ممكن, وهكذا كان عدد السودانيين الذين مثلوا تجمع القاهرة خمسة عشر شخصا, يقابلهم من الجانب الأمريكي أحد عشر مسؤولا اضافة إلى مسؤولي السفارة الأمريكية بالقاهرة التي استضافت اللقاء.. وتقول معلومات صدرت عن الاجتماع ان الوفد الأمريكي استمع بصبر وحرص شديدين لعدد كبير من المتحدثين السودانيين برغم انه كان متفقا ان يتولى الحديث عدد محدود من مسؤولي التجمع.. وقد كان حرصهم أكبر على الاستماع لأجوبة محددة على أسئلة محددة طرحوها على الجميع.. وكانت قيادة التجمع قد أعدت بناء على ما سبق في اجتماعات أسمرا وأديس أبابا (مذكرة أساسية) , ومع ذلك فقد سلمت للوفد الأمريكي خمس مذكرات أعدتها بالاتفاق منظمات التجمع الميداني التي شملت تجمع المرأة, والتجمع النقابي, وحقوق الإنسان, ومنظمة اغاثة واعادة تأهيل المناطق المحررة, ورابطة الأكاديميين السودانيين. الاشارة الثالثة التي أرسلت في اجتماع الرابع من ابريل هي تأكيد الوفد الأمريكي أكثر من مرة حرص الولايات المتحدة الأمريكية على التعامل مع التجمع باعتباره القوة التي تمثل الاجتماع الديمقراطي السوداني, وتأكده على ان وحدة التجمع في خطابه وعمله السياسي مهمة جدا من أجل كسب ثقة المجتمع الدولي.. كذلك فقد أثنى على الجهود التي تبذل في المناطق المحررة. وفي هذا الصدد أكدوا ان الادارة الامريكية ستبذل اقصى جهدها مع الكونجرس لدعم المشروعات الانسانية للمناطق المحررة في الشرق والجنوب والنيل الازرق بحيث يمكن هذا الدعم مع الدعم الدولي المنتظر من اقامة وتأهيل مجتمعات مدنية في المناطق المحررة تكون نموذجا لما يجب ان يكون عليه الحال في مجتمع محرر جديد... ويذكر في هذا الصدد ان من بين اعضاء الوفد الامريكي المسؤولة الاولى عن اعمال الاغاثة الدولية في الادارة الامريكية لدول شرق افريقيا... وقد وصفت بأن لديها خبرة جيدة عن اوضاع اعمال الاغاثة والعون الانساني تحكم عملها في عدة بلدان في شرق افريقيا تعرضت لمآسي الحروب الأهلية. ملاحظة مهمة حول الاجتماع هي ماعلم ان الاجتماع استغرق اكثر من ساعتين ونصف الساعة تركز الحديث خلاله في معظم الوقت حول المستقبل اكثر من الحديث حول الماضي. وكان الامريكيون حريصون على استشراف رؤية السودانيين حول المستقبل القريب والمستقبل البعيد, ويريدون ان يستمعوا لرأي السودانيين حول قضايا تتصل بمستقبل السودان, وتصورهم لكيفية اعادة بناء الدولة السودانية الديمقراطية, والسبل والوسائل التي يرونها للتخلص من الاثار التي خلفها نظام الحكم القائم الان على اقتصاد السودان وسياساته الخارجية وعلاقاته بدول الجوار وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الخ... ولقد لخص مصدر سوداني كان قريبا من جميع اللقاءات التي تمت من قبل مع الامريكيين منذ مؤتمر اطلنطا (الذي نظمه مركز كارتر لتسوية النزاعات الاقليمية عام 1992) , تقييمه للاجتماع بأنه أحس ان الوفد الامريكي جاء معبرا عن تطور جديد في الموقف الامريكي تجاه المسألة السودانية, وان الامريكيين يبدون جادين جدا هذه المرة, وانهم الى جانب انهم جاءوا وليستمعوا فقد جاءوا أيضا لابلاغ السودانيين بأنهم عازمون على اتخاذ خطوة ما, وان عليهم ــ السودانيين ــ ان يكونوا متحدين في رأيهم حول قضاياهم لأن ذلك هو السبيل الوحيد لكسب ثقة وتأييد المجتمع الدولي لمشروعهم من أجل استعادة الديمقراطية للسودان. وقال المصدر ايضا انه يبدو من تشكيلة الوفد وما عرف انه ضم المسؤولين الاوائل في الادارة الامريكية عن السياسة الامريكية في افريقيا, فان الوفد مكلف باعداد تقرير رئاسي حول المسألة السودانية وما يتوجب على الادارة الامريكية عمله تجاه السودان في هذه المرحلة بالذات وتحديدا حول المستقبل... يؤكد ذلك ان الوفد قد استمع والتقى بالمسؤولين في دول الجوار التي تتأثر تأثيرا مباشرا بما يجري في السودان!! ويبدو للمراقب للشأن السوداني من مراجعة مسيرة السياسة الامريكية تجاه السودان منذ انقلاب يونيو ,1989 وتطوراتها وتفاعلاتها, ان مرحلة سياسة الضغط على النظام السوداني, ونصحه لتحسين سجله في حقوق الانسان, والسعي لاقناعه بالتوصل الى اتفاق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان يؤدي الى اتفاق (حرب الجنوب) والتي كان يعبر عنها رسميا تيموتي كارني السفير الامريكي الاخير في الخرطوم, يبدو ان هذه المرحلة قد انتهت وأقفلت صفحتها. كذلك يبدو ان الولايات المتحدة وهي تفتح مرحلتها الافريقية, التي دشنتها رسميا رحلة الرئيس الامريكي كلينتون (التاريخية الى افريقيا) تدرك ان السودان بوضعه الحالي وماخلقه من توترات في المحيط الاقليمي, يشكل بؤرة لعدم الاستقرار وتزعزع الامن الاقليمي المطلوب توفره لمرحلة الاصلاح الديمقراطي في افريقيا. ولقد اصبحت هناك قناعة امريكية معلنة بأن النظام السوداني الحالي لم يعد مقبولا لأنه يشكل خطرا على الاستقرار والامن الاقليمي, قالت هذا وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت قبيل لقائها بقيادات التجمع في كمبالا نوفمبر الماضي, عندما التقت وفدا ضم الى جانب الامين العام للتجمع الدكتور جون قرنق ممثلين للقوى الرئيسية في التجمع... وفي ذلك الاجتماع السياسي تم الاتفاق على عقد لقاء آخر بين المسؤولين التنفيذيين والتجمع حدد له بصورة أولية الاسبوع الاول من مارس الماضي, ولظروف لم يمكن عقد الاجتماع في الموعد المحدد سلفا, الى ان امكن عقد اجتماع الرابع من ابريل في القاهرة... ولقد اعربت مصادر سودانية شاركت في الاجتماع عن ارتياحها ورضائها عن مستوى الحوار الذي دار خلاله وان كانت لم تكشف عن تفاصيل الحوار, لكنها ايضا اشارت الى ان الاجتماع قد ثبت اعتراف الولايات المتحدة بالتجمع الوطني الديمقراطي كممثل للاجتماع السوداني الديمقراطي وتوجهها للتعامل معه على هذا الاساس, وما سيترتب على ذلك من تطورات على الصعيدين الدولي والاقليمي وستكشف الايام المقبلة عن كل ذلك. بقلم : عبدالله عبيد

تعليقات

تعليقات