جعفر نميري في حديث المعارضة والمكاشفة) مع (البيان) من القاهرة: الانتفاضة مجرد انقلاب والنظام الشمولي الافضل للسودان

ثمة شخصيات تلح على الذاكرة باستمرار, كلما حلّ حدث هي مرتبطة به او صنعته او هي ضحيه له.. والرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري احدى هذه الشخصيات التي تخطر على البال فور ذكر الانتفاضة الشعبية التي مر ّ عليها الآن 12 عاما والتي باتت نفسها في رحم التاريخ. (البيان) التقت النميري في مقره بالقاهرة, في حوار (مصارحة ومكاشفة) على غرار البرنامج التلفزيوني الشهير الذي ارتبط بالنميري ابان حكمه السودان. وخلال هذا اللقاء الذي يدشن (وقفة البيان) على (اطلال) الانتفاضة, قدم النميري شهادته الخاصة للانتفاضة وما سبقها وما بعدها, وهي شهادة قد يقبلها البعض وقد يرفضها البعض الآخر, دون ان يحول ذلك عن الاستماع اليها. لكن النميري الذي غطت التضاريس وجهه, تقلب خلال حديثة الى (البيان) ذات اليمين وذات اليسار, كما تعود التقلب طوال سنوات حكمه التي قاربت الـ 16 عاما. وهكذا فان النميري انكر يوم 6 ابريل ذروة الانتفاضة الشعبية, قائلا انه لايذكر هذا اليوم, قبل ان يعود ليصف الانتفاضة بأنها (مجرد انقلاب قامت به شلة ضباط) . واصر النميري كذلك على انه لم تكن هناك معارضة لحكومته وان كل الناس (مبسوطة) بانجازات مايو, معتبرا من ناحية اخرى ان الانتفاضة اخرت السودان سنوات طويلة الى الوراء. وقدم النميري خلال اللقاء ما يمكن وصفه بـ (صك غفران) الى نظام الحكم القائم في السودان وغمز في سياق آخر من قناة المعارضة, قائلا بالحرف (انا شايف الناس ديل احسن من المعارضة في الخارج) . واكد نميري انه لم يقطع الاتصال ابدا مع النظام الذي اعتبر ان قطاعات واسعة من السودانيين تؤيده, واعتبر ان النظام يسعى بجدية لايجاد مخرج لازمة السودان, لكنه عاب عليه انه انفق وقتا كثيرا في السعي لحل واستعداء جيران السودان عليه وكذلك عدم تقدير اهمية مصر. وأما عن عودته الى السودان الذي قال انه يشتاق اليه (جدا جدا.. جدا) , فان النميري ابدى تحفظا قائلا انه لايعرف ماذا يدبر النظام للاستفادة من عودته ومعتبرا ان عودته (حسب جهودهم) . ثم عاد ليقول (لم ارفض العودة) ولا اخاف من شيء وقال النميري انه تعب جدا من حكم السودان وانه وصل حالة بات لايرغب فيها (في قيادة اي ناس هنا او في السودان) , قبل ان يقول في سياق آخر انه لايعمل ولا يملك مالا لتمويل اي دور سياسي له في المستقبل. وقدم النميري رؤيته لحل ازمة السودان, الذي وصفه بالدولة القبلية التي لاتحتاج الى احزاب واعتبر ان النظام الشمولي هو الافضل لحلة. هنا نص الحوار مع النميري: - نبدأ بالانتفاضة كيف كان شعورك يوم 6 ابريل. ما هو 6 ابريل ... ماذا؟ ــ 6 ابريل 1985 ذروة الانتفاضة الشعبية التي انتهت باعلان المشير سوار الذهب تولي السلطة هو كان يوم 6 ابريل... والله ما اعرفه... كويس جدا... انك قلت لي انه يوم 6 ابريل.. 6 ابريل, انا انتهيت منه, وحتى هذا التاريخ لم اعد اتذكره.. انت الآن تذكرني به... نسيت هذا اليوم. انقلاب لا انتفاضة - مرت 12 سنة على الانتفاضة, كيف تنظر اليها وبعد كل هذه السنوات؟ ــ قبل ان اكمل سؤالي... قال: ما حدث ساهم في تأخير السودان سنوات طويلة. - لماذا؟ ــ كانت هناك خطط موضوعة تنتقل بالوطن الى مايريده كل سوداني وكل عربي, ولكن تأخرنا كثيرا... وهم ارادوا ان يعرفوا سبب ما حدث في زمن, واخذ هذا منهم وقتا كبيرا جدا جدا بعد ذلك ارادوا ان يبدأوا, لكنهم خاصموا كثيرا من الدول المجاورة, وخاصة مصر, ونسوا ان مصر هي اهم دولة عربية واهم دولة لأمن السودان واهم دولة اسلامية, وقريبة جدا من السودان, وتربطها بها روابط عائلية وحضارية وانسانية بمعنى انه لايمكن القطيعة بين البلدين. - تقول ان الانتفاضة ضدك ساهمت في تأخير السودان, في حين ان المشهد الحقيقي قبلها تمثل في غضب شعبي, وتذمر من قوى سياسية مختلفة, تضافرت فيما بينها للخروج بالسودان من وضعه المأزوم, واعتبرتك انت السبب فيه. ــ حقيقة ان هذه القوى لم تتضافر كما تقول... الحقيقة ببساطة تتمثل في حب بعض الناس للكراسي... فقامت شلة من الضباط بهذا الانقلاب... وحتى الانقلاب الذي قاده سوار الذهب, قاده في آخر لحظة ــ هو كان لايريد ان يخرج نفسه من هذا الانقلاب, بعد ان اطمأن أنه لا شيء يؤثر عليه دينيا في حالة اعتباره خائنا للولاء الذي قطعه على نفسه للنميري وللسودان.. وفي آخر لحظة وافق على أن يقود هذا الانقلاب, لم تكن هناك معارضة تذكر.. كانت الناس مبسوطة وسعيدة, لشعورهم بأن هناك خطوة, أو خطوتين, أو ثلاث, والآن تأخر السودان سنوات طويلة.. والحقيقة ان الذين شاركوا في الانقلاب ادوا دورهم, وتأسفوا لذلك اسفاً فيما بعد أسفاً شديداً, بل أن بعضهم يأتي الى هنا في مصر ويحكون عما حدث, ويأسفون له أشد الأسف, ويقولون انهم خدعوا بالاشتراك. .. - اسمح لي, إذا كان الأمر بهذه البساطة.. وأن الأمر لم يكن انتفاضة شعبية, وثقتك في أن القاعدة الشعبية كانت معك, فلماذا لم تلجأ أنت الى هذه القاعدة, وفضلت الأخذ بنصيحة عدم عودتك الى السودان, والبقاء هنا في مصر؟ ــ هذه الشلة لم تستطع ان تستمر في الحكم أكثر من سنة؟ - نعم هي لم تستمر لأنها قطعت على نفسها عهداً بعدم الاستمرار, وقامت بإجراء انتخابات ديمقراطية خاضتها القوى السياسية المختلفة؟ ــ لا.. الصحيح أنها استلمت الحكم بانتخابات سريعة للغاية, وأنا أشك في نتائجها, كما أن هناك بعض الدول الكبرى كانت ترى بقاء حكم النميري خطراً عليها. الغرب لم يعد يريدني - لماذا؟ ــ لأنني كنت اعتمدت القوانين الاسلامية, وعملت لذلك لجان, وغيرت كل القوانين التي كانت موجودة من حكم الانجليز ولذلك قاموا بدعم التآمر في السودان على ألا يرجع النميري, ومن جانبي كنت قررت عدم الرجوع كنت عنيفاً جداً.. طالما حصل انقلاب. وهناك من لا يريدني حتى لو قلة, فأنا لا أريد العودة.. قررت هذا مع نفسي خاصة أن قبل هذا بأربع سنوات كنت لا أعتزم الاستمرار بإعادة ترشيح نفسي في الانتخابات الرئاسية, لولا الشعب خرج في مظاهرات كبيرة وحاشدة, وأصر على استمراري, أضف الى هذا أنني أثناء حكمي تعبت جداً. كنت في البدء شاباً قوياً, اتحرك في كل مكان... أي منطقة في السودان الكبير ومساحته 2.5 مليون كم مربع ذهبت اليها.. لا توجد قبيلة واحدة لم أذهب اليها, وجلست معها, لكي أعرف مشاكلها, ثم أطور حياتها. كنت لا أعمل إلا بعد رؤية العين. - يبدو لي انك تذكر مبررات زهدك في الحكم أكثر من أي شيء آخر؟ ــ أنا فعلاً كنت وصلت الى حالة لا أرغب فيها قيادة ناس هنا, أو في السودان.. وكثير من الناس جروا ورائي من السودان لكي أعود وأنفذ إنقلاباً.. فيه بعض الضباط بالفعل قاموا بإنقلاب, ودخلوا السجن, وعلى رأسهم الزبير.. الزبير كان من الناس الذين يفتخرون بأن التغيير لن يكون إلا برجوعي, وبعد أن رأى تمسكي بعدم العودة.. رجع هو الى النظام الحالي بعد أن رأى أنه أقرب اليه من الآخرين. - سيادة الرئيس, لماذا لجأت الى التحالف مع الترابي؟ ــ من قال لك هذا..؟ - الحقائق هي التي تقول هذا؟ ــ لا ... يعني.. من قال لك أنا أتحالف مع الترابي.. والله أنا شايف الناس دول أحسن من المعارضة في الخارج, وهذا رأيي.. تحالف, تحالف .. ماذا. - كلامي ليس على لحظة الحاضر.. وانما على الماضي, قبل انتفاضة 6 ابريل؟ ــ انت الذي تقول.. تحالفت مع الترابي..؟ - اذا كان تعبير التحالف يغضبك.. دعني أقول لك بصراحة.. ــ صراحة... صراحة.. أنت تقول هذه الكلمة, لكن ما شايف عندك صراحة.. قول الصراحة بتاعتك إيه.. - صراحتي أنك ارتكنت الى الجانب الديني بغرض إعادة شعبية كانت انتهت؟ ــ هذا غير صحيح.. من انا حتى استخدم الدين أنا أتيت من الدين الاسلامي, ورجعت اليه, أنا لم استخدم الدين الاسلامي في شيء مما تقوله, ولكن وجدته هو الأساس.. كيف أصلي.. كيف أصوم.. (بلشت) (تركت) الشرب, كل شيء يغضب الله ابتعدت عنه.. بعد أن رأيت في سنوات حكمي الاولى معجزات لا يصنعها الا الله سبحانه وتعالى, حفظت كثيراً من القرآن وتعلمت من الدين الاسلامي, ولم استغله في شيء, وخطبت الجمعة خمس أو ست مرات, ليس هذا فحسب.. كانت هناك مؤامرة من بعض الجنود تحاك ضدي لقتلي, ونجوت منها بمعجزة, والفضل في ذلك لله سبحانه وتعالى.. كان المفروض ان اقتل وأنا في طريقي الى دخول بيتي, وفشلت المؤامرة لأنني تأخرت ساعة عن الموعد. ونجوت مرة أخرى وأنا عائد من إيطاليا والسبب أن موعد وصولي كان قد تقدم ساعة.. ويعني كل هذا أن قوة خارقة هي التي تتحكم في تحديد هذا المسار.. وآمنت بالطبع أن الله الذي ساندني وأنقذني في المرتين.. والمرة الأخيرة كانت مفروض أن تتم في المطار وكان القذافي مشاركاً فيها.. كلها أشياء عجيبة,, ومن أنا حتى استخدم الدين. شجون الديمقراطية والشمولية - الى قضية الديمقراطية انتقل الى الحديث معك.. وكما هو معروف عاشت السودان تحت قيادتكم نطاق الحزب الواحد ثم نظام التعددية بعد ابريل 1985 واخيرا اختفاء الحياة الحزبية الآن, فما هو الأفق الديمقراطي للسودان؟ ـ ارى ان الصيغة التي كنا نتبعها خطوة متقدمة على الاحزاب, والمعروفة باسم الشمولية, كانت تتضمن ديمقراطية متقدمة اتحاد العمال... العمال ينضمون اليه وينقاشون مشاكلهم في مطالبهم ومشاكلهم ايضا وكذلك اتحاد الموظفين, واتحاد المثقفين ثم القوات النظامية الاخرى, في شكل اتحادي, وكذلك الرأسمالية الوطنية, والتعاونيات والشباب والنساء, ومجالس الآباء والمعلمين كل هؤلاء انضموا في شكل حزبي واحد آراه الافضل بالنسبة للسودانين من الاحزاب المتعددة لأن السودان بالذات ترى فيه ان الصيغة الحزبية تقوم على طائفية بمعنى ان اشخاص معددوين موجودين بحكم عائلاتهم على رأس احزاب تعبر عن طوائف, وذلك دون اي انتخابات بمعنى انها وراثية وما فعلناه نظام متقدم عن الطائفية واعتقد ان النظام الموجود الآن في السودان كان مفروض ان يتبع نفس الخطوات التي كنا نتخذها لكنه اتخذ خطوات اوسع جاءت ببعض المشاكل حيث يوجد مايقرب من 150 وزيرا في السودان وذلك نتيجة وجود حكومات في الولايات وهذه هي خطوة متقدمة لا يستطيعون الاستمرار فيها لانها تحتاج الى نفقات مالية كثيرة والخلاصة ان النهج الشمولي في الديمقراطية هو الافضل للسودان لان البديل المطروح ليس له علاقة بالاحزاب بالمفهوم الصحيح هي طوائف ليس لها علاقة بحروف الــ(ح.ز.ب) اي كلمة الحزب. - لماذا لم تساهم فترة حكمكم في التقليل من قوة هذه الطوائف والانتقال بالسودان الى حالة المجتمع المدني الحديث الذي لا يعتمد على الطوائف والقبائل في تسير اموره الديمقراطية والسياسية؟ ـ ساهمنا كثيرا والطوائف الرئيسية, او القبائل عملت معنا جيدا لكن قيادات هذه الطوائف كانت تريد الابقاء على تمايزها بالبقاء على رأس طوائفها. - اذا كان بقاء الاحزاب بصفتها الطائفية مر فإن الحكم الشمولي وصيغته الديمقراطية كما تطرحها لا تقل مرارة خاصة في ظل التحولات الاقليمية والدولية التي لا يتفق معها مفهوم الحزب الواحد. السودان القبلي - السودان هو قطر قبلي والقبلية جاءته من التراث العربي, والتراث الافريقي وتعتمد على كبير القبلية الذي يعي الامر فيتم تنفيذه بواسطة مستشاريه وانا ارى السودان كقبيلة, تحتاج الى رئيس ومستشارين لا تحتاج الى احزاب. - حتى الاحزاب.. التي تعتنق افكارا ايديولوجية متقدمة وعصرية؟ ــ ولا هذه الاحزاب الافكار الايدلوجية لا تنجح في السودان بسبب خصوصيتها القبلية الضاربة في جذور تاريخها. - هذا وضع لايساعد من رأيي على تقدم السودان بل يبقي بعيدا عن الدولة العصرية؟ ــ لا.. لا السودان كما قلت له خصوصية تختلف عن الاقطار الاخرى وصيغة الحزب الواحد هي الصيغة المناسبة. محاكمة التقليبات - دعنا نعرج على موضوع اخر هو انت, فجعفر النميري بدأ قوميا التوجه... يتحرك في وعائه العربي طبقا لهذا النهج ورأيناه مجاورا لجمال عبدالناصر باعتباره رمزا لهذا, ولا تزال صورتك التي نقلتها وسائل الاعلام وانت تجهش بالبكاء يوم رحيله, ماثلة في الاذهان.. ثم رأيناك بعد ذلك وحدك من بين القادة العرب قريبا من السادات الذي كان نقيضا لعبدالناصر في كل شيء فمن هو جعفر النميري الحقيقي في هذا؟ ــ سوف اجيب على هذا السؤال بحكاية اخرى او رأي آخر, كنت متهما في ثورة مايو بأنني شيوعي بسبب ان عددا كبيرا من الشيوعيين كانوا اصدقائي في المدرسة وجزء من هؤلاء الاصدقاء ربما بعد نجاح ثورة مايو أراد الاستفادة منها كحدث سياسي كبير ايده الشعب السوداني قال هؤلاء في اعقاب نجاح الثورة ان الحزب الشيوعي هو الذي هيأ الفرصة للثورة وان النميري عضو في هذا الحزب ويعمل لمصلحته واعطى هذا ايحاء في الداخل والخارج بأن الثورة شيوعية وان قائدها ضابط احمر, ولحسن الحظ تبدد هذا الاعتقاد بحكاية صنعتها الصدفة.. كان (الشيوعي) فاروق ابو عيسى وكان وزيرا في زيارة الى الامم المتحدة ومعه رئيس الوزراء ومن الامم المتحدة توجها الى برلين وهناك اعلن رئيس الوزراء في تصريح نقلته وسائل الاعلان (لولا الشيوعية ولولا الشيوعيين لما نجحت ثورة السودان) . وبعد ان استمعت الى هذا الكلام جمعت مجلس قيادة الثورة وقلت لهم اذا كان الامر بهذا الحال وان الثورة صنعها الحزب الشيوعي بالفعل فهذه استقالتي واستقر الامر بعد مناقشات على اقالة رئيس الوزراء ومعه فاروق ابو عيسى وهما في برلين وفي طريق عودتهما حضرا الى مصر وكان تفكيرهما ينصب على هل يتسمرا رغم اقالتهما ام لا؟ وقابل الاثنان جمال عبد الناصر الذي قال لرئيس الوزراء انت مخطىء في تصريحك لان الحزب الشيوعي لم يصنع الثورة كما اعلنت فقال له رئيس الوزراء وجدت نفسي في بلد شيوعية فرأيت ان هذا التصريح ربما يفيد في تنمية العلاقات بين السودان وبينهما ونصحه الرئيس عبد الناصر بالاعتذار لي ولمجلس قيادة الثورة, ووتم هذا بالفعل واستمر الرجل في مهامه لفترة قمت بعدها بالاستغناء عنه, ثم استقال بعده اعضاء مجلس قيادة الثورة لأتولى رئاسة الجمهورية. - ماذا يعني هذا هل ان مايو كانت ثمارا لقوى سياسية مختلفة ؟ ــ ان ا اقول ان الحزب الشيوعي لم يساهم في الثورة كما قال رئيس وزرائي في برلين؟ - دعنا نعرج الآن على الحاضر, هل ترى اي دور لك الآن في المشهد السياسي؟ ــ الدور الذي يمكن ان اقوم به يحتاج الى مال, وانا لا اعمل, وليس لي دخل مالي ثابت يمكن ان ادخر منه لكي اقوم بهدا الدور السياسي, وقد طرحت نداء وجهته الى الرئيس عمر البشير والقوى السياسية الفاعلة الاخرى, لكي يجلسوا ويتباحثوا حتى نخرج بحلول صحيحة لمستقبل السودان.. والحقيقة ان هناك مبادرات طيبة من بعض العرب لحل الأزمة السودانية اهمها مبادرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات. بداية خطرة ولكن - ونحن في لحظة هذا الحاضر, تبدو كل الاطراف السودانية وكأنها تبحث عن نقطة التقاء او مخرج.. وباعتبارك قائدا لمرحلة تاريخية لهذا البلد, كيف ترى الوضع في صورته الراهنة؟ ــ أرى ان السودان في وضعه الحالي به بعض المشاكل التي لا توصله الى ما يسمى بالديمقراطية الحقيقية, ومع ذلك هناك فئة كبيرة تعمل داخل السودان, تجتهد في الوصول به الى تجمع قوي يرضي بشيء ربما يقود السودان الى ما يصبو اليه من اهداف ديمقراطية. وأهداف تنموية, واخرى اجتماعية, الطريق طويل, ولكن الاصعب هو كيف نبدأ... النظام في السودان الآن يبحث عن اسباب كثيرة يبدأ منها, والآن وصل الى بداية خطيرة, وبداية ربما تقود الى الحل وهي العمل بالدستور.. الآن الدستور يجب ان توافق عليه كل الجماهير, وان يكون عليه اجماع, وهناك بعض الآراء التي لا تريد ان يكون هذا النظام هو البادىء بالدستور, لأنه يرى ان الدستور به ميل الى آراء خاصة, واغلبها آراء اسلامية, وديمقراطية اسلامية, وكما تعلم فإن السودان به اعداد كبيرة غير مسلمة وايضا لها رأيها الخاص من الدستور والقوانين الذي يقوم بعملها النظام الحالي... هناك ايضا الدول الافريقية, والعربية التي لها نظرة خاصة لهذا النظام, وايضا الرأي العام العالمي وما ينظر به الى السودان في هذا الوقت الخاص... تلك كلها صعوبات ربما تجعل من خطوات النظام الحالي خطوات ثقيلة ومع ذلك ربما ينجح في الوصول الى اهدافه. - لكن ألا ترى ان هذا الحل لابد وان يكون مرهونا برضى اطراف المعادلة السودانية... فإلى أي مدى يتوفر هذا الرهان؟ ــ أرى ان الاطراف التي تعارض الدستور, وتعارض الاطراف في الداخل, هي اطراف تعتمد على اشياء عفا عليها الدهر. - ماذا يعني هذا؟ ــ المعنى في هذا, ان الاطراف التي تعارض الدستور, وتعارض خطوات النظام, هي اطراف تعتمد على طائفية دينية, وبيوت اسرية, ويعتقدون انهم امراء لهذا البلد,.. وهذا ما اقصده بتعبير عفا عليه الزمن, والمؤكد انهم بهذا لن يكسبوا من النظام الحالي مكاسب كثيرة, ولذلك اصبحت معارضتهم ضعيفة, وليس لها تأثير على تحركات النظام في الداخل, وتوجهاته من اجل لم شمل السوادنيين, ووضع اسس ونظم لحكم السودان في المستقبل. طائفية وقوى حديثة - اذا كانت هذه الملاحظات تنسحب كما قلت على المعارضة التي تستند على المرجعية الطائفية والقبلية بشكلها الديني... فهل ينسحب الامر ايضا على القوى السياسية الاخرى التي لا تعتمد الطائفية كمرجعية, وانما ترفع شعارات ايديولوجية حديثة؟ ــ أنا أرى القوى السياسية الحديثة هي جزء من النظام الحاكم في السودان الآن, وهي بطبيعة الحال قوى حديثة سودانية وليست مستوردة من الخارج, وهي بالطبع متأثرة بالدين الاسلامي تأثرا كبيرا, ولذلك لا ترفض اي شيء يأتي, أو أصله من الاسلام.. وتعمل بذلك, سواء كانوا من العمال او المثقفين, او المزارعين, او من الفئات الاخرى كالشباب, لكنهم يميلون الى ما يطرحه النظام الحالي, وقبول ما يأتي به, لأنهم يرون فيه معقولية وصدق,... ولا يرون في نفس الوقت ما تردده المعارضة في الخارج بأن هناك منعا لابداء الآراء... ومن ناحيتي ارى ان النظام يحب الاستماع الى الآراء المختلفة والمعارضة له, وما يجب ان يتم اتخاذه خصوصا فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الاسلام. أحب السودان - دعني اصارحك بأن كل ما تطرحه الآن هو بمثابة شهادة ايجابية وميل حقيقي للنظام الحالي... وهذا حقك, لكنه في نفس الوقت مدموغا بشهادة للمعارضة تبدو في مجملها سلبية؟ ــ أنا لا اقول انني اميل الى النظام الحالي.. ولم اقل ايضا انني اميل الى المعارضة في الخارج... ولكن انا احب السودان, وما قلته من رأي ظهر اخيرا لي بعد دراستي للنظام دراسة متأنية. - هل معنى ذلك ان الاتصالات قائمة بينك وبين النظام الحاكم؟ ــ أنا لم اقطع الاتصال بهم ابدا, ولكن لا اعلن اي شيء.. كان هناك اتصال منذ ان كان الزبير رحمه الله نائبا للرئيس.. كان يطلعني على ما يجري من عمل من اجل مستقبل السودان, وكنت اقف ضده.. لكن بتحليل بعض التحركات الاخيرة, اجد ان النظام يتحرك تحركات ايجابية, ولو انها تسير بخطى بطيئة. العودة - في اي سياق تتم هذه الاتصالات.. هل هي رغبتك في معرفة ما يجري.. ام لتبادل الآراء.. ام لدعوتك الى العودة؟ ــ رغبتي في المعرفة, ورغبتهم في اخذ رأيي, ورغبتهم ايضا في عودتي الى السودان. - هل رغبتهم لديك بالعودة مصحوبة بترتيب سياسي ما؟ ــ (ما أعرفش) ــ يمكن لكي يعلنوا شيئا لا أدريه.. ربما سيقولون ان اكبر سياسي سوداني في الخارج عاد.. لكن قلت لهم ان مصر والسودان واحد, وان وجودي في مصر هو كوجودي في السودان. - رفضك العودة هل هو تعبير عن الخوف من شيء ما؟ ــ لا اسميه رفض ... انا لا اخاف من شيء.. ممكن اعود.. ممكن ارجع.. كله على حسب جهودهم.. انا فور عودتي من امريكا الى السودان, الحكومة ابلغت مصر بتأخير عودتي نظرا لخطورتها على حياتي. - متى كان ذلك؟ ــ فور عودتي من امريكا الى السودان... وحصل الانقلاب ايام الحكومة الاولى, حكومة سوار الذهب. - انا اتحدث عن الآن؟ ــ (أنا بقول لك) .. لما جئت, وبقيت في مصر, عندي ايمان ان هذا جزء من السودان. - جعفر النميري.. ألا تشتاق للسودان؟ ــ جدا... جدا... جدا. حاوره في القاهرة ـ سعيد الشحات

تعليقات

تعليقات