نافذة: ميزان الاعتكاف اليمني : كتب - عبدالله سعد

سجل الدكتور فرج بن غانم رئيس الحكومة اليمنية أول (اعتكاف) خارجي في تاريخ الاعتكافات السياسية اليمنية منذ قيام الجمهورية اليمنية, هذا ما يردده الشارع اليمني, لكن الوسط السياسي اليمني يعيش ازمة خانقة لا تتعلق بسياسات حزبية تجاه ادارة شؤون البلاد لكنها تتعلق بغياب الوفاق والتوفيق في الحياة اليمنية من حيث علاقة الحكم بالمحكومين, وعلاقة الحكومة بالاحزاب, وعلاقة الاحزاب ببعضها, فبرنامج الاصلاحات الاقتصادية والادارية الشاملة غير ذي جدوى في ظل الاختلالات الاقتصادية والتجارية القائمة على تجارة النفوذ, وظهور طبقة طفيلية على الاقتصاد والسياسة معا. جاء د. فرج بن غانم كرجل تكنوقراط لتسلم مهام رئاسة الحكومة بعد انتخابات 97 البرلمانية, وراهن الجميع حينها على عدم استمرار حكومة فرج بن غانم اكثر من عام, تماما كما اجمعوا على تزوير الانتخابات وعدم نزاهتها, لكن الامور لم تسر كما شاء الحزب الحاكم, صاحب الاغلبية المريحة, المؤتمر الشعبي العام, صحيح ان وجود د. فرج بن غانم على رأس الحكومة اضافة الى ثلاثة وزراء من خارج حزب المؤتمر قد ساهم في تحجيم نفوذ قواعد حزب المؤتمر عن ممارسة العبث والفساد, لكن الصحيح ايضا طبقا لاتهامات المعارضة ان قيادات في المؤتمر الشعبي, وباسم المؤتمر مارست خلال فترة قصيرة ارقى انواع الفساد, وضربت رقما قياسيا في ممارسة الافساد, وفي اللعب بأوراق التناقض داخل الحكومة لتثبيت مصالحها, وبما يتناقض مع بنود واهداف البرنامج الانتخابي للمؤتمر الشعبي, ولبرنامج الحكومة, ثم يتناقض في المبتدى والمنتهى مع الثوابت والخطاب الرسمي والحزبي الحكومي الذي تردده وسائل الاعلام صباح مساء, وهكذا تبدو الاشكالية في اليمن هي التناقض الصارخ بين القول والفعل, يستوي في ذلك الحكومة, والاحزاب, والنقابات, في السلطة والمعارضة, الامر الذي يجعل من (الاعتكاف) السياسي سمة حضارية وايجابية في اليمن, فكلمة (اعتكاف) غدت تعبر عن محاولة جادة لمواجهة الواقع المأزوم, وبأحسن الاحوال لكسر حاجز المتناقضات بين الاقوال والافعال. قبيل اعتكاف د. فرج بين غانم في منزله بصنعاء كانت الصحف الرسمية اليمنية قد نشرت خبر توقيعه لتعميم موجه الى كافة الوزراء في حكومته يلزمهم بالعلنية وتزويد الصحف الرسمية بالمعلومات والاخبار, لكي لا تكون آخر من يعلم, وزاد التعميم عبارة ان المراسلين لوسائل الاعلام الخارجية ينقلون الاخبار والتصريحات من الوزراء وعن اليمن دون ان تفعل ذلك الصحف الرسمية ووسائل اعلام الحكومة, لكن الامر لم يكن اكثر من حالة تدل على صراع لم يعلن عنه حول السياسة الاعلامية, حينها لم يتردد البعض من اهل الاطلاع على شؤون الحكومة من التعليق بالقول ان الصحف الرسمية آخر من تعلم, لكن رئيس الحكومة ايضا آخر من يعلم عما يجري في بعض الوزارات والمؤسسات. الان يحلو للمراقبين رصد حسابات مجيء د. بن غانم الى الحكومة ومعادلة السلب والايجاب في عمل الحكومة خلال عشرة اشهر خلت من ادارته لمهام الرجل الاول في الحكومة, فتبدو شخصية بن غانم متميزة ولا احد يستطيع اصدار الحكم النهائي بشأنها, لكن خصوصية السياسة والاجتماع في اليمن جعلت منه خلال الفترة الماضية الشخصية التي تعلقت بها وعليها الآمال بالاصلاح. وبن غانم الدكتور ورئيس الحكومة الذي سافر معتكفا, ورفض ان يودعه اي شخص, واكتفي بعض الوزراء بوداعه عبر سماعة الهاتف, لا احد يستطيع ان يشهد بأنه سمع مواطنا في الشارع ينتقد شخص فرج بن غانم, فقد استطاع بن غانم ان يكسب تعاطف وتأييد كل مواطن يمني منذ الكلمة الاولى التي القاها في اجتماع موسع عقب ادائه اليمين الدستورية وبحضور رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح, قدم فيها شخصيته المستقلة, الجادة وأكد فيها العزم بشدة على السير في الاصلاحات لمجمل الاوضاع المتدهورة في البلاد, وعلى احترام القانون, والصلاحيات. وتكمن معادلة سيناريوهات الفترة القادمة للحكومة اليمنية بوجود بن غانم او بغيابه, في قياس ميزان السير في الاصلاحات الاقتصادية من عدمه, ويترتب على ذلك ثقة العالم الخارجي والهيئات والمنظمات الدولية باليمن من عدمها, كما يترتب على ذلك ايضا مواصلة الدعم والمساعدات الخارجية من عدمها, ولا يرتبط ذلك بشخص بن غانم بل بمدى تنفيذ خطط ومراحل برنامج الاصلاحات. وعودة الى البداية لا يغفل المتابع الاشارة الى ان خطوة متقدمة على صعيد برنامج الاصلاحات قد تحققت في فترة حكومة بن غانم, ومصالح كثيرة قد ضربت لما يسمى فئات النفوذ التجاري وفئات متنفذة, وان لم تتضح اليوم الشروط المستقبلية لعودة بن غانم الى رئاسة الحكومة, فالواضح ان ثلاثة شروط تقدم بها وعمل بموجبها عند قبوله مهام رئاسة الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية 97 هي حقه في طلب التعديل الحكومي بعد ستة اشهر من عمله, واتفاقه باللقاء الثنائي بالرئيس اليمني يومين في الاسبوع, والثالث احترام الاختصاصات ومنحه الصلاحيات. واعتكاف بن غانم اليوم يعيد الى الاذهان انه اول رئيس حكومة يمنية لم يعقد مؤتمرا صحفيا طيلة فترة رئاسته للحكومة حتى الآن. وفي اليمن يبدو الاعتكاف السياسي مرتبطا بقائمة من الشروط والحوادث تحاصره من قبل ومن بعد.

تعليقات

تعليقات