القنيطرة مدينة أشباح التلاقي فيها عبر مكبرات الصوت

رغم ان الطريق من دمشق الى القنيطرة لا يؤدي الى نهاية لكنه مكتظ بالحافلات والشاحنات والعربات العسكرية وكل وسيلة نقل يمكن تصورها على هذا الامتداد البالغ طوله 65 كلم من الطريق الفاصل بين العاصمة السورية والجولان . وفي اعلى التلال في نهاية الطريق يوجد نوع من المحج حيث يأتي اليه مئات الناس آملين في رؤية اصدقائهم واقربائهم من بعيد الذين بقوا على الجانب الآخر من الجولان الذي تحتله اسرائيل, والتحدث اليهم بواسطة مكبرات الصوت. وعبر الحدود يعيش نحو 20000 سوري انقطعوا عن وطنهم الام بخط من الاسلاك الشائكة وابراج المراقبة, وفي هذه المنطقة الناعسة الخالية من الناس لا يوجد الا قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة. وفي هذه المنطقة السورية التي استولت عليها اسرائيل عام 1967 جرت معارك طاحنة عندما قامت اسرائيل باحتلال التلال المهيمنة التي تطل على سوريا واسرائيل ولبنان. وعلى مسافة قريبة الى الاسفل توجد مدينة القنيطرة التي فقدتها سوريا في حرب عام 1967 واستعادتها سوريا بعد حرب 1973. ولكن الجيش الاسرائيلي قام بتدميرها كليا قبل ان يرحل منها فاصبحت الآن مدينة للاشباح ومدارسها وبيوتها ومستشفياتها اكواما من الحطام. وفي الشوارع حيث سيارات الجيب التابعة للأمم المتحدة تتجول بصعوبة بسبب الحطام الذي خلفه الاسرائيليون لا يوجد اي انسان ولا صوت ما عدا ازيز الرياح التي تهز اسلاك الكهرباء التي وضعتها قوات الامم المتحدة. وفي مدينة الاشباح هذه بقي عجوزان فيها رافضين مغادرتها على امل في ان ينقل جهاز التلفزيون الذي يملكانه, ذات يوم (الاخبار الجيدة) وتساءلت العجوز التي رسمت على وجهها اثار الشيخوخة وضحايا الحرب وعذاب الفراق: (لماذا استغرقت استعادة اراضينا وقتا طويلاً واحلال العدالة؟ ورغم انها لا تفهم السياسة وتفاصيلها ولكنها ترفض الاستسلام لليأس, وعلى أي حال زوجها يلزم البيت لاصابته بالروماتيزم. ويجلب (الحجاج) الذي يأتون كل يوم من دمشق, الطعام والماء والكساء الى الزوجين, وعطاؤهم هذا ليس صدقة بل انه مساهمة في معركتهما الانسانية ومثابرتهما العنيدة. وتلوح العجوز الى السيارات والمارة, وبلغ عدد زوار ذلك اليوم 100 زائر وبعد ان ينزلوا من الحافلات او وسائل نقلهم الخاصة يصعدون التلة في مجموعات متفرقة. منى شابة شعرها اسود متجعد تحمل بيدها جهازاً مكبراً للصوت وجاءت للتحدث الى والديها الذين يعيشون على بعد 300 متر في القسم المحتل من الجولان, وتتحدث لهم عن دراساتها في كلية الطب وعن مشاكلها المالية وانها ستعيش مع احدى القريبات, وقالت (ما علي الا ان انادي (ماما) عبر مكبر الصوت حتى يرد علي 20 شخصاً من الجانب الآخر ويهرع احدهم لاخبار والدتي) . منى تركت عائلتها بترخيص من السلطات الاسرائيلية للقدوم الى دمشق لدراسة الطب هناك. وفي دمشق علمت ان والدها توفى, وكان عليها الانتظار لخمسة اشهر كي تحصل على ترخيص لعبور الحدود كي تبكي على قبر والدها وخمسة اشهر اخرى للعودة الى سوريا. البيروقراطية جعلتها تفقد عاما ثميناً من دراساتها. وتقول (لا اعلم ما هي الفائدة من دراستي الا اذا ارغمت نفسي على الهجرة الى الابد لان الاسرائيليين لا يعترفون بالمؤهلات التي نحصل عليها من (الخارج) ) . وقالت مناهل وهي طالبة ايضاً (من النادر ان ينجح احد في امتحان التأهيل هناك. وللبقاء في الجولان يضطر غالبية المتخرجين الشباب الى طرح مؤهلاتهم الجامعية جانبا للعمل في الزراعة او التجارة) . وعلى الجانب الآخر من السفح يبدأ الناس بالرد على الرجال والنساء المتجمعين على التلة, وكل يتحدث بدوره كيلا تغطي الاصوات بعضها البعض ولا يسمع منهم اي شيء.. ويصرخ احدهم (كيف حال دينا؟) ويجيب صوت امرأة (اجريت لها جراحة ولكنها بخير والحمد لله) . وتقول منى (لعلك تتساءلين لماذا لا نستخدم الهاتف, ساجيبك لماذا: الهاتف لا يعمل دائماً وعندما يعمل فهو يكلف كثيراً وفوق ذلك يسجل الحديث (من قبل الاستخبارات الاسرائيلية) ويمكن استخدامه ضدنا عندما يحلو لهم. نحن سكان الجولان مراقبون باستمرار من الاستخبارات الاسرائيلية, وكان احد اصدقائنا شاهدا في تلفزيون دولة عربية على المصاعب التي تعانيها الاراضي المحتلة. وعندما عدت الى هناك اعتقلت على الفور. ولا شيء يفوتهم) . ومن برج للمراقبة يستهزىء الجنود الاسرائيليون بامرأة تصرخ عبر مكبر الصوت. هذا المشهد المستمر 30 عاما لا يحرك مشاعرهم, فالشعور بالتفوق والعلوية الذي اعطاهم اياه امتلاكهم لمرتفعات الجولان افقدهم صوابهم وجعلهم متغطرسين الى درجة ان النكتة المفضلة للجنود الاسرائيليين هي (نستطيع ان نرى ما يفعل السوريون حتى في غرف نومهم) . الا ان الشباب الذين يقومون باداء (حجهم) ليسوا في مزاج للنكات ويقول احد الشباب (الوضع تحجر الى درجة من عدم المبالاة فالجولان ليست برلين, والاسلاك الشائكة هناك ليست حائطاً مثل حائط برلين) . وتقول نهال (اي فتاة ترغب في الزواج من شاب على الطرف الآخر عليها ان تقبل العيش تحت الحكم الاسرائيلي وهذا يخلق اوضاعاً سخيفة اذ سيضطر اولادها الى تعلم العبرية وسيكونون مواطنين من الدرجة الثالثة. متى سينتهي كل ذلك؟) . ومغادرة الجولان دائما ما تكون اشد حزنا من الوصول اليها, وبعض الفتيات صامتات يحاولن عدم اظهار دموعهن: ايام واسابيع ستمر قبل ان يتمكن من سماع اصوات احبابهن من جديد على الطرف الآخر. سائقو الحافلات الصغيرة يغنون ويمزحون محاولين رفع المعنويات, فهم يقومون بهذه الرحلة كل يوم تقريباً مقابل قروش قليلة واحيانا مقابل لا شيء على الاطلاق. انها طريقتهم لاظهار تضامنهم مع العائلات التي فصلتهم الحرب وشتتتهم. خدمة وورلد نيوزلينك(دمشق ـ سهير الامام)

تعليقات

تعليقات