حسنين هيكل يهاجمم.. ويتعاطف: لا يمكن الأخذ باقتصاد السوق والاحتفاظ بصحافة موجهة

القاهرة ـ البيان انتقد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ظاهرة انتشار (الصحافة الصفراء) بمصر وقال انها تجاوزت كل ما هو مقبول مهنياً وأخلاقياً وقانونياً اكد ايضاً انها تجاوزت كل ما هو مقبول بشأن الوحدة الوطنية. غير ان هيكل اوضح في حوار اجرته معه جريدة (الشعب) المعارضة بمصر انه لا يمكن الاخذ باقتصاد السوق والاحتفاظ بصحافة موجهة في الوقت ذاته. ودافع هيكل عن بعض الصحف المستقلة التي صدرت في مصر مؤخراً وتمت مصادرتها وابدى تعاطفه معها مطالباً معاملتها باللين وتوجيه النصح والارشاد اليها بدلاً من جرها الى غرفة الاعدام وتسليمها الى عشماوي .. على حد قوله. وفي جزء اول من حوار نشرته الجريدة المذكورة الثلاثاء الماضي قدم هيكل اقتراحاً للخروج من النفق المسدود الذي وصلت اليه المفاوضات بين (الشعب) ووزير الداخلية السابق (حسن الألفي) لاغلاق ملف القضية التي اندلعت بينهما وافضت الى (سجن) رئيس تحرير الصحيفة مجدي احمد حسين سنة مع الشغل... وقوبل ما طرحه الكاتب الكبير باهتمام كبير في الاوساط الصحفية والسياسية ومن المنتظر ان يبدأ ترجمته الى خطوات عملية خلال الايام القليلة القادمة, وهو يقوم أساساً على تنشيط دور نقابة الصحفيين بحيث تستمع الى الاطراف المعنية, وتصدر في النهاية بياناً متوازنا وشاملاً يرضي كل الاطراف. والآن الى بعض مما دار في حوار هيكل مع جريدة الشعب.. - لوحظ أن (سجن) مجدي احمد حسين قد تزامن مع اغلاق جريدة (الدستور) ونقل الكاتب الصحفي عادل حمودة من روز اليوسف, وكذلك الاسراف في الحديث عن الصحافة الصفراء بحجة انها تهدد المجتمع, فهل هناك ما يربط هذه الظواهر الأربعة, أم أنها مجرد مصادفة ان تقع كلها في وقت واحد؟ هيكل: دعنا أولا نتفق على أنه وإن كانت هناك حوادث أربعة قد لفتت نظرك, وتصورتها مرتبطة ارتباطاً عضوياً, إلا أنني قد اختلفت معك في هذا التقييم, وأظن ان كل واحدة منها قضية مختلفة, والرابط الوحيد بينها ــ في اعتقادي ــ يتمثل في توقيت مصادفات رأت فيها الحكومة ان تحل مرة واحدة مجموعة مختلفة من المشاكل وجدتها أمامها في مجال الصحافة!! واعتقد أنه من الاوفق لكل الاطراف, ولعملية البحث عن الحقيقة, ان نفصل كل ما حدث عن الآخر, وننسى ــ ولو مؤقتاً ــ مصادفة التوقيت, لأن كل قضية من هذه القضايا لها بالفعل طبيعة مختلفة. أولاً ــ بالنسبة لموضوع مجدي احمد حسين, فقد شرحت لك رأيي بالتفصيل في موضوع القضية المثارة بين اللواء حسن الألفي ــ وزير الداخلية السابق ــ وجريدة (الشعب) . وأريد أن أقول لك بصراحة أنني أستطيع أن أتفهم مشاعر اللواء حسن الألفي في هذه القضية, وخصوصاً وقد صدرت فيها أحكام قضائية لصالحه, لكنني في نفس الوقت لا استطيع ولو لدقيقة واحدة ان اتصور صحفياً شابا وقطباً حزبياً بارزاً ورئيس تحرير لجريدة, يوضع مع زميل له في السجن في قضية نرى جميعاً أن كل أطرافها المباشرين وغير المباشرين ــ أي المهتمين بها صحفيا وسياسياً, بما فيهم الدولة والقضاء ونقابة الصحفيين ــ يرون جميعا ان الحل الأمثل هو المصالحة, وإذا كان الأمر كذلك فقد كنت اتصور ــ دون التعرض لسلطات القضاء والنيابة بشيء ــ أنه كان من الأنسب الإفراج عن الأستاذ مجدي أحمد حسين وزميله بأي ضمانات يمكن تقديمها, ففي مجال القضايا السياسية بصفة عامة إظهار الحق أكثر من توقيع العقاب, إظهار الحق هو هدف العمل السياسي كما ينبغي ان يكون, وتوقيع العقوبة يخرج بالموضوع من تبيان الحقيقة الى الانتقام. حبوب منع الحمل!! وعن إغلاق جريدة (الدستور) قال هيكل: بصراحة اشعر بقدر كبير جدا من التعاطف مع هذه الجريدة المغلقة, حتى ولو قيل انها صدرت برخصة من قبرص, او تجاوزت كل الخطوط الحمراء!!! واضاف قائلاً: الرخصة القبرصية التي صدرت بها الجريدة تشبه أسرة أرادت تنظيم النسل, لكن الذي حدث في الواقع ان هناك حملاً أفلت من حبوب منع الحمل!! المهم ان هناك مولوداً ظهر الى الوجود ومارس الحياة فعلاً حتى مرحلة الطفولة, ولا يعقل في هذه الحالة ان يقول الأب او الام او المجتمع او الدولة ان هذا المولود لم نكن نريده, وقد افلت منا بشهادة ميلاد من قبرص!! واكمل قائلاً: نحن في الواقع أمام حياة, سواء جاءت بقصد أو بغير قصد.. يستوي الامر عندي, فكل حياة لها احترامها وحقها في الحرص عليها, ولا يعقل ابداً ان نقتل هذا الطفل الذي له من العمر سنتين او ثلاث بحج انه افلت من حبوب الحمل. شرعية اسمها القبول ويلفت الاستاذ هيكل النظر الى امر يراه غاية في الاهمية وهو أن (الدستور) قد حصلت بنجاحها على شرعية القبول لدى الرأي العام المصري, وأقبل عليها الناس, وكانت أرقام توزيعها مرتفعة, ولذا ليس من المقبول أبداً أن يفاجأ الرأي العام بإغلاقها بضربة مفاجئة بدعوى أنها صدرت بغير تصريح من مصر!! فنحن هنا أمام شرعيتين: 1ــ شرعية التصريح. 2ــ وشرعية الحياة والقبول. واظن ان الاختبار واضح في الرشعية التي ينبغي ان تفرض وجودها. واضاف قائلا: لابد ان نتذكر في المحصلة النهائية ان هناك عقبات مخيفة تصل الى حد الاستحالة في وجه كل من اراد اصدار صحيفة واذا استطاع احد ان يجد مخرجا باعجوبة, فهو معرض للاغلاق! والفت النظر الى مسألة نفسية تتمثل في تعليم الناس التمايل واللجوء الى الابواب الخلفية, مادام الطريق الطبيعي مغلقا, والدولة لن تستطيع في هذه الحالة لوم الذين يلجأون الى التحايل باستمرا فهي السبب في غرس هذا الشعور لديهم بما اصطنعته من قوانين جائرة. عادل حمودة وبدا هيكل انه اقل انزعاجا في موضوع نقل الكاتب الصحفي عادل حمودة من روز اليوسف, مقارنة بما حدث مع (الشعب) و(الدستور) وهو امر طبيعي ومتوقع, قال: عادل حمودة من المع الصحفيين المصريين الذين ظهروا في السنوات الاخيرة, بصرف النظر عن اختلاف البعض معه في اسلوبه, ومن مميزات عادل حمودة انه اعطى لنفسه هامشا من الحرية يزيد عما هو مألوف او مطلوب.!! وهذه ايجابية لصالحه, فمهمة كل صحفي باستمرار ان يعمل على توسيع هامش الحرية المسموح له بها بحكم الظروف وواقع الحال الذي لا يمكن انكاره, واضاف قائلا: لست اعرف حقيقة الدوافع او الاسباب التي ادت الى انتقال حمودة من روز اليوسف, وما تم اعلانه في هذا الصدد لا يبدو لي مقنعا! لكن يبقى انه انتقل الى الاهرام, واعتقادي ان عمله هناك يمكن ان يكون بداية ممتازة لنقلة اخرى نوعية في عمل صحفي لامع. الصحف الصفراء واخيرا عن رأيه فيما يسمى بالصحافة الصفراء: قلت له: اخشى ان يكون الاسراف في الحديث عن هذا الموضوع كلمة حق يراد بها باطل, ويتمثل في اعتداء جديد على الصحافة!! اجاب قائلا: اعلم ان بعض الزملاء الصحفيين ــ وانت منهم ــ يرون هذا الرأي, لكنني على خلاف مع هؤلاء, وانت من بينهم!- واعتقد ان هذه المطبوعات ولا اسميها صحفا قد تجاوزت بكثير جدا كل ما هو مقبول مهنيا واخلاقيا وقانونيا, وقل ما شئت بعد ذلك. واظن ان بعض اهذه الصحف تجاوزت بشدة كل ما هو مقبول في مسألة الوحدة الوطنية, وهي قضية لا يمكن ان تترك لكلام غير مسؤول سواء بدعوة حرية الصحافة او اي ادعاء غيرها. انني لا اعرف ما المقصود بالضبط من وصف (الصحافة الصفراء) كما هو مستعمل في الادبيات الرسمية, ولكن اذا جاز لي ما يمكن ان يعنيه هذا الوصف فإنني اتصوره لصيقا بمطبوعات لا تعرف جوهر الحرية سواء فيما يتعلق بالافراد او ما يتعلق بالقضايا, ومن الطبيعي ان كل فرد يتصدى للعمل العام قابل للنقد والحساب ومن الممكن للنقد والحساب ان يستعملا فيما يكتب بأنه اوصاف غير تقليدية, لكن المحظور هنا هو الشتم وتوجيه الاتهامات دون سند على الاقل معقول, فإننا لا نستطيع ان نطالب كل صحيفة بمستندات تثبت ما تقوله, فتلك مهمة شبه مستحيلة, ومعناها الا يتعرض احد لنقد على الاطلاق, لكن ذلك لا يمنع واجب اية صحيفة ان تدقق وان تتحرى وتبذل كل ما تستطيع من جهة لتأكيد الاحترام لمعنى الاوصاف والكلمات. ومن ناحية اخرى فإنه ينبغي التفريق بين ان تكون صحيفة جريئة وشجاعة وان تكون متخصصة دون ان تكون صفراء شريطة ان تضع لنفسها وامام قرائها خطوطها الفاصلة بين ما هو حق يملكه الصحفي واشياء لا تدخل في اختصاصه. - هناك من يعمد ــ في هذا الموضوع ــ الى الصيد في الماء العكر فيعتبر جريدة (الشعب) مثلا على الصحف الصفراء التي تعمل على اثارة الرأي العام, وضرب الوحدة الوطنية. اجاب: من المستحيل ان تدخل (الشعب) تحت عنوان ما يسمى بالصحف الصفراء, انها صحيفة سياسية تمثل تيارا عريضا في البلد. - والدستور؟ رد قائلا: انها صحيفة شابة وفوارة واذ اكانت تحتاج الى نصح وارشاد, فليس من المعقول ان يكون ذلك بأن تجرها الى حبل غرفة الاعدام وتسلمها الى عشماوي لكي يتولى تربيتها بحبال المشنقة. واضاف هيكل قائلا عن الصحافة الصفراء: في هذه الصحف تجد انتهاكات صارخة لحرمة الحياة الخاصة للفنانين والفنانات, مما يشكل اساءة بالغة لهؤلاء, وانا اول من يعلم ان مجال الفن دخله من لا يستحق الانتساب اليه, لكن هذه قضية, واستباحة حياة الفنانين قضية اخرى, فالفن في بلادنا بكل مجالاته دعامة اساسية من دعائم الدور المصري المطلوب, والذي لا غنى عنه في عالمنا العربي. وقال محمد حسنين هيكل: كنت اتمنى في شأن كل هذه المطبوعات ان تؤخذ بحق القانون, وليس بسيف الادارة, لكن لابد من الاعتراف بأن بعض ما نتكلم عنه تجاوز كل ما هو مسموح به, وفيه ابتزاز ينتسب الى عالم الجريمة اكثر من انتمائه الى عالم الصحافة, ولسوء الحظ فإن هذا ما سمح لسلطة الادارة بأن تستعمل سيفها او حبال مشانقها لمواجهة هذه الظاهرة. والنقطة الاخيرة التي اكد عليها هيكل في حديثه هي ان الدولة لا تستطيع ان تأخذ باقتصاد السوق, ثم تصمم على الاحتفاظ بصحافة موجهة ومحتكرة للدولة... آن الاوان لفتح الابواب الامامية لاصدار الصحف.

تعليقات

تعليقات