نافذة: قوة أمريكا ونتائجها : بقلم- جيم هوجلاند

الا توافق معي انه قد يكون من المستهجن ان تسأل الفنان مايكل انجلو عما يمكن ان يقوم به من تعديلات في سقف كنيسة سيستاين, أو ان تسأل المعجزة الاخرى لاعب كرة السلة مايكل جوردان عما يمكن ان يفعله ليحسن من اسلوب لعبه وطريقة تسجيله للاهداف. فمن ذا الذي يقدر على التشكيك في هذه المستويات من الرفعة والسمو والكمال في الفن او الرياضة؟ إلا ان طرح مثل هذه التساؤلات ممكن بل ومستحسن في الحرب. فالحرب نوع من التجارة التي تفتقر الى الكمال وتتسم بالفوضى, وهي سلسلة من التخمينات التي تستند الى معلومات منقوصة ويتم التأكد منها عادة بطعنات وضربات موسومة بالحديد والنار. والجنرالات والاميرالات الذين يمارسون هذا النوع من التجارة بما فيهم مهندسو اكثر الحملات العسكرية تألقا ونجاحا في عاصفة الصحراء, يرغبون في معرفة ما كان يمكن ان يفعلوه بشكل مختلف لو اتيحت لهم الفرصة. وقد سنحت لي الفرصة مؤخرا للاستماع الى مجموعة من كبار الضباط الذين خططوا واشرفوا على تنفيذ عمليات الحرب التي استمرت لستة اسابيع ضد العراق وهم يراجعون حساباتهم. لقد اجتمعوا في مكان قريب من شيكاغو لمناقشة الاخطاء التي يمكن تحديدها بواسطة استعادة احداث الجمعة الماضية والتأمل فيها بعد سبع سنوات من انتهائها. وقد التقى هؤلاء الضباط في الوقت الذي كانت تخيم اجواء مجابه لم تتم بين الولايات المتحدة والرئيس العراقي صدام حسين الذي لم تتمكن عاصفة الصحراء من الاطاحة به. قال الجنرال المتقاعد من سلاح البحرية والت بومر: (انه من حيث الامور ذات العلاقة بالعمليات الحربية فان الامور سارت على خير ما يرام باستثناء بعض الهفوات الصغيرة) وهي وجهة النظر التي وافق عليها وأقرها السواد الاعظم من الضباط والمؤرخين العسكريين الذين حضروا هذا اللقاء بناء على دعوات وجهها لهم معهد القوات البحرية الامريكية في المتحف العسكري في مؤسسة ماكورميك تربيون في كانتيجني بولاية النيوي. ولكن عندما بدأ بومر بمقارنة ما لديه من ملاحظات مع ملاحظات بعض القادة المتقاعدين من الخدمة مثل الاميرال ستانلي آرثر والجنرال تشارلز هورنر من القوات الجوية والجنرال جون يوسوك من القوات البرية ـ بدأت تطفو على السطح بعض الشكوك المثيرة للقلق والتي لم يرد ذكرها في مذكرات قائد العمليات الجنرال نورمان شوارسكوف ولا في مذكرات رئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال كولن باول. وقد كشفت النقاشات التي استمرت طوال ذلك اليوم عن صورة مزدوجة من سؤ التقدير الامريكي والذي ساهم بابقاء صدام حسين في السلطة حتى اليوم: ففي نفس الوقت الذي بالغ فيه القادة العسكريون في تقدير القوة العسكرية المعادية وفشلوا بالتكيف والتأقلم بسرعة عندما تحققوا من ذلك, قام الرئيس جورج بوش ومستشاروه في واشنطن بالتقليل من قدرة صدام حسين على البقاء والاستمرار في الحكم اذا ما اعطي ولو فرصة صغيرة لالتقاط أنفاسه بعد انتهاء الحرب. وفي هذا السياق أكد بومر قائلا:(لقد كان هناك خطأ مبدئيا في الحسابات حول قوة ومعنويات العراقيين. ولم ندرك الا متأخرين انهم قد يفرون من ارض المعركة من ناحية كما انه لم تردنا أية معلومات بهذا المعنى من اجهزة المخابرات طوال فترة الحرب من ناحية اخرى. لقد توصلنا الى هذا الادراك من خلال استجوابنا للجنود العراقيين الذين وقعوا في الأسر. ولو استطعنا التنبؤ بانهيار العراقيين لكان من الممكن ان نتصرف بشكل مختلف بما في ذلك التقدم الى البصرة في جنوب العراق. اما سؤ التقدير الذي وقعت فيه واشنطن من الناحية السياسية فقد كان اخطر بكثير من سؤ التقدير العسكري. وقد اوضح ذلك الاميرال ارثر عندما كشف النقاب من ان قيودا من جهات سياسية فُرضت على قدرة القوات البحرية التدميرية. واضاف قائلا: (لقد بات من الواضح ان القيادة الامريكية تريد مني الابقاء على مرافق الموانىء العراقية ومحطات ومنشآت تحميل النفط والسفن التجارية) . وبالرغم من ان امرا مباشرا لم يصدر له بهذا الخصوص الا ان نمط القيود كان واضحا من الاهداف التي كان يطلب منه تدميرها وتلك التي يجب ان يتجنبها. وانهى حديثة قائلا: (ومنذ ذلك الوقت يقوم صدام بتهريب النفط ويستورد السيارات والاليات واجهزة الكمبيوتر والبضائع والسلع الاخرى عبر هذه المرافق) . وعندما طلبت مزيدا من الايضاح قال ارثر: (لقد اصدروا لنا اوامر واضحة باستخدام ذخيرة عنقودية لقصف المرافىء وذلك بهدف التخلص من الناس والابقاء على التجهيزات الموجودة. ويبدو لي ان الهدف هو السماح للعراق بان يستعيد قدراته الاقتصادية باسرع وقت ممكن بعد ان تتم عملية اخراجهم من الكويت) . كما ان النقاش الذي دار في ذلك اليوم اكد ايضا انه لم يكن مطلوبا من قوات التحالف تدمير الجيش العراقي. وكان احد اهداف المعركة هو ترك ما يكفي من القوات العراقية (القادرة على الدفاع عن حدودها) ضد ايران, هذا ما صرح به الجنرال البريطاني السير بيتر دي لابيليير, الذي اضاف ان شوارسكوف كان مصيبا عندما سمح للجنرالات العسكريين استخدام الطائرات المروحية العسكرية كجزء من اتفاق وقف اطلاق النار. (فقد كان العراقيون مسؤولين عن اعادة الامن والنظام وليس بالامكان تنفيذ ذلك بدون الاستعانة بالطائرات المروحية) . الامن والنظام؟ ومن قوات صدام, والابقاء على المرافىء العراقية اثناء الحرب؟ ما علاقة كل ذلك بالاستراتيجية العسكرية المميزة؟ مجموعة الضباط التي اجتمعت في كانتيجني لم تكن تهدف الى دخول المعركة الاخيرة مرة ثانية ولكنهم كانوا في حقيقة الامر يحاولون تجنب المشاركة الاستراتيجية للحرب المقبلة والتي تتجسد بالفجوة بين القدرة التدميرية الهائلة التي تتمتع بها القوات العسكرية الامريكية من ناحية وقدرة القادة السياسيين المحدودة لاستخدامها من اجل التوصل الى نتائج حاسمة وخصوصا ضد انظمة العالم الثالث التي ترفض الالتزام بالقوانين والاعراف الدولية. كبير كتاب الواشنطن بوست*

تعليقات

تعليقات