الخصخصة ... الحل السحري ام سيدة الكوارث للاقتصاد المصري 2 ـ 2

منذ يومين تحدث عديد من الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين والجامعيين عن نظرتهم وتقييمهم لعملية الخصخصة الجارية للاقتصاد المصري واليوم نلتقي ونخبة اخرى من هؤلاء الخبراء... نلتقي ود. وجيه شندي الذي شغل منصب وزير الاستثمار والسياحة في مصر ود. منى قاسم التي عملت كمستشارة للدكتور عاطف عبيد وزير قطاع الاعمال والمشرف الفعلي على برنامج الخصخصة. رؤية د. شندي مفيدة لانه يتحدث عن سنوات مابعد الخصخصة مؤكدا انه بعيدا عن السلبيات او الايجابيات فان القضية سوف تنتهي الى ضرورة المزج مابين فوائد الخصخصة وضرورات العدل الاجتماعي... اما اهمية رؤية د. منى قاسم فترجع الى انها كانت قريبة من المطبخ الذي ساهم في بلورة سياسة الخصخصة لنرى تفصيلا لكلا وجهتي النظر. د. وجيه شندي وزير الاستثمار المصري السابق: الخصخصة ستنتهي عام 2010 وكل المزج مع الاشتراكية القاهرة: أحمد صفي في البداية يفرق الدكتور وجيه شندي وزير الاستثمار المصري الاسبق بين تطبيق برنامج التخصيص في دول اوروبا الغربية والدول النامية... ففي الدول المتقدمة عندما رفعت حكوماتها سيطرتها على المشروعات او المؤسسات العامة, كان هناك من الوعي والامكانيات ما يمكن تلك المؤسسات من الاستمرار والبقاء في ساحة المنافسة العالمية, بل وتعديل اسلوب الادارة وتحسينها لرفع كفاءة الشركة.. اما في الدول النامية فالامر يختلف.. فالحكومة لا يجب ان ترفع يدها كاملة عن المشروعات المواجهة للتخصيص بل يجب ان يكون لها دور كبير لتوجيه النشاط الاقتصادي وتشجيع انشاء المشاريع الجديدة وحمايتها من الانهيار لفترات زمنية محددة مدروسة مسبقا حتى تقوى على المنافسة في الاسواق الخارجية. خسائر الدعم ويشير الدكتور شندي الى انه على الرغم من الاختلاف في التطبيق بين الدول النامية والدول المتقدمة الا ان مفاهيم برامج الخصخصة واحدة لكل من الحالتين, فالتخصيص يعني تقليل اعتماد المشروعات العامة الضخمة على ميزانيات الحكومات ومن ثم فان الحكومة ستنفض عن ثوبها ديون كثيرة كانت تقدمها في صورة دعم لتلك المؤسسات العامة, والتي كان اغلبها يحقق خسائر ليست هينة.. وكذلك فان من اهداف الخصخصة الرئيسية هي ادارة المؤسسات العامة بفكر جديد تحكمه قوانين السوق والاقتصاد الحر ومن ثم فان تلك المشروعات ستحقق ارباحا من خلال ذلك التحول. ضعف وقوة وبالنسبة لتطبيق سياسة الخصخصة في مصر يرى الدكتور شندي ان هناك نقاط ضعف ونقاط قوة لسياسة التطبيق.. مشيرا الى ان الحكومة المصرية عندما طرحت برامج التخصيص من قبل المؤسسات العالمية كالبنك الدولي لم تهرول لتطبيق هذه السياسة الجديدة بل بدأت في دراسة كافة جوانب هذه السياسة الجديدة ولم تتأثر بالانتقادات التي وجهت اليها والخاصة بتأخرها في تطبيق برنامج التخصيص.. وبعد دراسات استمرت سنوات عديدة تأكدت فيها الحكومة من انعكاس هذا البرنامج على كافة المستويات سواء اقتصادية او سياسية او اجتماعية بدأت في تطبيق هذه السياسة الجديدة بصورة تدريجية تخوفا من حدوث صدمة غير محسوبة على احدى المستويات الثلاث السابقة. سياسة التدرج وكذلك فان الدولة نجحت في ابعاد عدد من القطاعات الحيوية عن برنامج التخصيص مثل الصناعات الحربية والمشروعات الضخمة المؤثرة بشكل مباشر في الاقتصاد الوطني.. وبالاضافة الى ذلك تعمدت الحكومة البدء بطرح كميات صغيرة من اسهم الشركات العامة في البداية لمعرفة استجابة السوق لمثل هذه النوعية من الاسهم.. ثم بدأت تزيد من الحصص المطروحة تدريجيا الى ان بلغت اقصاها في عام 1996. اموال الخصخصة وحول نقاط الضعف التي لوحظت خلال مرحلة التخصيص الماضية يشير الدكتور شندي الى ان سياسة التخصيص لم تأخذ في الحسبان منذ البداية كيفية استغلال اموال التخصيص.. فالجميع يعرف ان تلك الاموال تستخدم في تسديد مديونية القطاع العام والعجز في الموازنة العامة وعدد من النقاط الاخرى. ومع الاخذ في الاعتبار ان شركات القطاع ستباع لمرة واحدة فقط فما هي فلسفة الحكومة تجاه استغلال اموال التخصيص بعد خصم كافة المديونيات في عمليات التنمية.. والسؤال هنا يطرح نفسه هل ستستغل هذه الاموال الضخمة, في استكمال البنية الاساسية ام ان هناك مشروعات استراتيجية جديدة سترى النور قريبا.. ام ماذا؟!.. وكذلك هل هناك خطة فعلية لاستغلال هذه الاموال لانشاء مشروعات جديدة ضخمة ثم اعادة طرحها في السوق كسابقتها من شركات قطاع الاعمال العام التي بيعت.. وهكذا بهدف تدوير رؤوس الاموال. المبالغة في التقييم ويضيف الدكتور شندي قائلا: في بداية انتهاج سياسة التخصيص استعانت الحكومة بالعديد من بيوت الخبرة العالمية وكذلك المصرية لتقييم اصول الشركات المراد طرحها للاكتتاب في البورصة.. وكافة تلك البيوت كان لها من السمعة الطيبة في السوق مما يرفع عنها شبهة المنفعة الشخصية.. الا ان تلك البيوت تخوفت بشكل مبالغ فيه مما دفعها للمبالغة في عملية التقييم ومن ثم فان سعر السهم لم يكن ذا قيمة فعلية في السوق وهو ما افقد مصداقية البيع لفترة من الفترات.. فلابد ان تكون عملية التقييم دقيقة بدرجة كبيرة تعكس قيمة السهم في السوق الى حد كبير... وكذلك فانا لا اطالب في الوقت نفسه ان تطرح الاسهم بثمن اقل من الواقع لأن ذلك سيكبد الحكومة خسائر كبيرة, والمطلوب فقط هو اجراء التقييم وفق ما لدى تلك البيوت من مواد تمكنها من تحديد اسعار حقيقية. الافضلية للاجنبي ويرى الدكتور شندي الى ان المستثمر المصري لم يأخذ فرصته لاثبات وجوده ضمن برنامج التخصيص, مشيرا الى ان الافضلية كانت للمستثمر الاجنبي.. حيث كان من الواجب اعطاء الفرصة كاملة لابناء البلد لتملك اسهم تلك الشركات التي بنيت في بدايتها برأس المال المصري.. وكذلك فان المستثمر المصري هو الذي سيجذب رؤوس الاموال الاجنبية الى الداخل من خلال انعكاس صورة نجاح المشاريع المحلية في داخل مصر. دورات اقتصادية وفي النهاية يرى الدكتور وجيه شندي ان برامج التخصيص مثلها مثل اي سياسات اقتصادية او سياسية جديدة ينتهجها العالم من حين لآخر.. فبعد الحرب العالمية زحفت الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي الى دول اوروبا الغربية ثم الى غالبية دول الشرق الاوسط, وبعد مرحلة كبيرة من التطبيق وخاصة بعد سقوط اكبر دولة في العالم لديها مؤسسات عامة وهي الاتحاد السوفييتي السابق, بدأ العالم في تغيير وجهته الى سياسة قوانين السوق والاقتصاد الحر.. وبدأت العديد من الندوات والمؤتمرات تنادي بضرورة الاتجاه نحو اقتصاد السوق.. وبعد جولة ارجواي وما نتج عنها بعد ذلك والذي اطلق عليه منظمة التجارة العالمية الجديدة. طرحت تلك المنظمة الدول النامية فترة سماح لمدة 15 سنة لتوفيق اوضاعها وفقا للسوق العالمي لكي تقوى على المنافسة العالمية.. ومضى ثلاث سنوات حتى الآن ومازالت غالبية الدول التي تطبق تلك البرامج تتخبط وتجد صعوبات في تنفيذ ما كلفت به.. وهنا يجب ان نتساءل من الذي يضمن نجاح برامج التخصيص بعد 15 عاما من الآن.. هل هناك ضمانات كافية لانجاح هذا الاتجاه على المدى البعيد؟! وشكك الدكتور وجيه في استمرار او نجاح هذا البرنامج على المدى المتوسط والبعيد مشيرا الى ان عام 2010 سيشهد فكرا جديدا بمنظور جديد يطالب بطرح برنامج اقتصادي جديد يحتوي على افكار الاقتصاد الحر والافكار الاشتراكية في آن واحد بمعنى ان المرحلة المقبلة ستشهد مزيجا من الغاء القديم والفكر الجديد في آن واحد للحيلولة دون حدوث خلل ما في آن واحد في الجوانب التي يعتمد عليها النمو الاقتصادي للبلاد مهما اختلفت قوة تلك الدولة. د. منى قاسم مستشارة وزير قطاع الاعمال سابقا: الخصخصة عالمية لكنها تمت على الطريقة المصرية القاهرة ـ أيمن شرف تؤكد الدكتورة منى قاسم والتي تابعت عن قرب عملية الخصخصة خلال موقعها كمستشارة لوزير قطاع الاعمال انه لم يكن من الممكن البدء في العملية لولا ان مصر وقعت اتفاق الاصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر سنة 1990, وبدأ البرنامج من يناير 1993 باصلاح السياسة النقدية والمالية, وقتها كان في مصر ما يسمى (بالدولرة) , اي ازاحة العملة الاجنبية للعملة المحلية وكان ذلك يشكل كارثة كبيرة, وباختصار شديد نجحت البنوك المصرية خلال برنامج الاصلاح الاقتصادي في لم موضوع (الدولرة) بسياسات تحرير اسعار الفائدة. وبالتالي حدث طلب على الجنيه المصري, واستطعنا احداث توازن في سعر الصرف, وتحقق الاصلاح الايجابي المطلوب في البداية. وفي رأيي ان برنامج الخصخصة يمكننا تسميته (الخصخصة على الطريقة المصرية) لأنه كبرنامج مدروس في بلاد كثيرة اخذ اشكالا مختلفة من التجارب, ولم يكن برنامجا تقليديا.. فسنجد مثلا الخصخصة على الطريقة المكسيكية, على الطريقة الانجليزية, على الطريقة الايطالية وعن تميزنا بأننا لم نسر وراء الصندوق, ووراء نصائحه لأنه لدينا ادارة حكيمة جدا.. توسيع الملكية ولم يكن مقبولا بالنسبة لنا ان نبيع اصول الدولة بأي طريقة يقولها لنا اي جهة! وبعد فترة من المداولات والمتابعات لعمليات الخصخصة في اماكن اخرى, ارتبطت بالمناخ التشريعي والعرض والطلب, استقر الرأي في النهاية على ان يتم طرح الاصول للبيع عن طريق سوق المال... وواجهتنا مشكلة ان البورصة المصرية لم تكن تعمل منذ سنة 1961 بسبب التأميمات, المشكلة كانت كيف تبيع اسهم شركات وليس لديك في الاصل بورصة, ولديك قوانين قديمة او اشياء عفا عليها الزمن منذ فترة.. وهذا استلزم ان نصدر القانون 203 لتقسيم الشركات الى مجموعات شركات نوعية, سميت وقتها ومازالت بالشركات القابضة, وقسمت في شكل 17 شركة قابضة, كل واحدة تضم حسب نوعية النشاط عددا من الشركات التابعة. نفترض مثلا الغزل والنسيج. وانشئت البورصة في مصر لكي يمكن من خلالها تنفيذ عملية بيع برنامج الخصخصة او تطوير السوق كله.. لأن القضية لم تكن اين نبيع اسهم برنامج الخصخصة فقط, ولم يكن اسمه برنامج الخصخصة ولا حتى برنامج الاصلاح الاقتصادي, كان مسماه (برنامج الحكومة لتوسيع قاعدة الملكية) ووضع ذلك المسمى لكي لا يعطي ايحاء بأنه لا يجري بيع الشركات كاملة. دور رائد للبنوك ثم شرع قانون 1995 قانون سوق رأس المال. الذي يجري حاليا تعديل لائحته التنفيذية, وهو الذي سمح للبنوك في مصر بأن تقوم بدور كبير في تنفيذ برنامج الخصخصة, واستطيع القول بصفتي شاركت في تجارب كثيرة من تجاربه, واعرف واعيش داخل هذا المطبخ انه لولا البنوك والدور القوي الذي قامت لم يكن يتم برنامج الخصخصة بنجاح في الفترة الماضية.. وقد تميز برنامج الخصخصة بالدقة في التقييم لم تقم جهة واحدة بعملية التقييم, بل جهات كثيرة. المكتب الفني لقطاع الاعمال العام, البنوك التي اختارت شركات معينة لخصخصتها كان يتفق مع بيت خبرة ليضع سعرا عادلا, بالاضافة الى جهات اخرى, مثل وكالة المعونة الامريكية, بحيث لو تجاوزت الاسعار من جهة يمكن التوصل الى متوسط سعر عادل معبر عن القيمة الحقيقية لسهم هذه الشركة لكي يأخذ المشتري فرصة لتحقيق ربح, وفي نفس الوقت لا يحدث هدر لاصول القطاع العام, مسألة الشفافية في عملية البيع, كانت موجودة لم يحدث حجب للمعلومات عن اي ممن يطلبونها, البيع كان متاحا لأي شركة تقيم وتريد الشراء وللقائمين عليها ــ ميزانيات الشركات موجودة قوائم الارباح والخسائر الخاصة بها متوفرة بالعكس كانت منشورة, وكنا نصدر مجمعات الخسائر في دراسات سابقة اجريت في الثمانينات, وكانت وقتها ظاهرة المشروعات المتعثرة ووزارة الصناعة كانت تصدر مجمعات الخسائر لكل الشركات وفي الحساب الختامي لوزارة المالية كانت تظهر كل تلك التفاصيل. صناديق الاستثمار وقد اصبح للبنوك في عملية الخصخصة منذ قانون 1995 سواء في عملية تقييم الشركات, او دور المروج للبيع, امين الاكتتاب لها, لسبب بسيط ان البنوك تمتلك منافذ تسويقية كبيرة, ممثلة في فروعها, مثلا بنك مصر لديه 450 فرعا, لو اعلن عن بيع شركة من كل فروعه المنتشرة في جميع انحاء الجمهورية يصبح سهلا على اي مواطن ان يشتري من اسهم الشركة, فيتحقق تكافؤ الفرص, مسألة اخرى, بدأت البنوك تؤسس صناديق الاستثمار التي يتم من خلالها شراء جزء من الاسهم المطروحة من برنامج الخصخصة بما يمثل جزءا من الطلب على اسهم الشركات فيزيد سعرها وتحقق رواجا وتحقق مزيدا من الطلب عليها وتنشط في سوق التداول اي البورصة. بالنسبة للبعد الاجتماعي وتأثير برنامج الخصخصة عليه. في رأيي ان البرنامج المصري تم بشكل فيه فن وجمال بحيث لم يترك وراءه جرحى.. برنامج بلا جرحى, وقد رأينا اكثر من حالة نفذت, تباع اسهم الشركات بتدرج, تطرح حصته حوالي 10% من اسهم الشركة في البورصة. فتؤدي الى حالة رواج للاسهم, وترتفع اسعاره ويزيد الطلب على منتجات الشركة وتحقق ارباحا حتى لو بيعت حصة لمستثمر رئيسي يتم الاتفاق بين البائع والمشتري على كيفية تعويض العمالة بحيث لا يكون الضرر الواقع عليهم كبيرا عند الخروج مضافا الى المعاش. الصندوق الاجتماعي وكان المفروض ان يقوم الصندوق الاجتماعي بدور كبير في التعويضات وعلاج جرحى الاصلاح الاقتصادي ولكن يبدو ان برنامج الخصخصة تأخر قليلا على الصندوق الاجتماعي. فوجه موارده للبطالة والشباب والريف وخلافه.. كان من المفروض ان يقوم بدور التدريب التحويلي على شاكلة التجارب التي تمت في ماليزيا وسنغافورة, لكن ما حدث لدينا من خلال موارد خاصة من حصيلة البيع وخلافه تجمع تعويضات العمالة... وكلنا يعرف ان مجموعة شركات القطاع العام التي كانت موجودة بعد الثورة كقاعدة صناعية في مصر, ابتدأ جزء من الموارد الذي كان يوجه للانتاج السلعي في هذه الشركات منذ السبعينات يحول الى الانتاج الخدمي, وبدأ يحدث اهمال للمصانع وللوحدات الانتاجية.. وحدثت خسائر كثيرة والبعد الاجتماعي في تنفيذ السياسة الصناعية وقتها ودعم الاسعار كل هذا ادى الى ضعف المنتج وسوئه, وعدم قابليته للتصدير, حتى العمالة التي كانت موجودة داخل القطاع العام ونخشى عليها اليوم لم تكن مستفيدة, لان الشركات التي تعمل بها خاسرة, والمستقبل امامها لم يكن مشرفا وورديا, كانت بالكاد تعمل وتغطي تكاليفها.. عندما طرحنا برنامج الخصخصة لم يكن سهلا التصنيف الذي نطرح على اساسه الشركات للبيع. صعوبة الدفع من الجيب واتذكر سنة ,1988 ,1989 عندما كنا نناقش ما هي الشركات التي سيتم طرحها للبيع ومالا سيتم طرحها؟ كنا نفكر ان نقيم حزمة من الشركات تضم ثلاثة انواع شركات ناجحة جدا وتوزع ارباحا, وشركات ليست خاسرة فقط تغطي تكلفتها وشركات خاسرة, بحيث من يشتري بأخذ من (هذا وذاك) ويخلصنا من الشركات الخاسرة. هذا التصور كان صعب التنفيذ لأنه لم يكن احد مستعدا لكي يدفع من جيبه ثمن سوء ادارة هذه الشركات. فكان القرار النهائي للاسراع ببرنامج البيع او الخصخصة هو البدء بالشركات الناجحة.. مما سبب رد فعل ايجابي في بداية البرنامج. وكانت هناك مخاوف شديدة حول السؤال: من سيشتري الشركات؟ وقلنا لو أننا خصصنا 2% من مدخرات القطاع العائلي لهذه الشركات يمكن ان ينجح البرنامج, اضافة الى انه في هذا التوقيت كان قرار تأسيس صناديق الاستثمار لكي تشتري اسهما وتخلق طلبا واسعا عليها.. واول ما ان طرحت الشركات تغير الوضع وفوجئنا بتغطية الاكتتاب بخمسة او ستة اضعاف, اول تجربة خصخصة لجس السوق كانت تجربة شركة مصر لصناعة الكيماويات وطرحها بنك مصر في اكتتاب سنة 1992 وغطيت اسهم هذه الشركة ست مرات حتى حصة بنك مصر ادخلها في التخصيص لمن طلبوا شراء اسهم وثبت ان الناس ليست في حاجة الى وصاية.. وتعرف ماذا تشتري واين ومتى.. بدليل انه يحدث احجام عندما تنخفض الاسعار في السوق قليلا.. ويحدث تحول من سوق مدخرات الى سوق آخر. جنون العقارات مثلا خلال عام 1996 خرجت احصائية من وزارة الاسكان والتعمير تقول ان حجم الاموال المستثمرة في شراء اراض في المجتمعات العمرانية الجديدة كالشروق واكتوبر وخلافه تعادل ثلاثة اضعاف المستثمر في سوق الاوراق المالية في مصر خلال هذه الفترة حوالي ستة شهور. وفي هذه الفترة كانت الاسعار منخفضة قليلا في السوق, فحول الناس استثمارهم الى شراء اراض وعقارات.. من المهم ان نعلم ايضا ان البورصة خلال الفترة ما بعد صدور القانون 1995 الى اليوم اعتبرها حققت معجزة لم يكن متصورا حدوثها بهذه السرعة, وهي ان السوق في مصر بدأ يتأثر بالاسواق الخارجية وبدأ احيانا يشهد هبوطا او تراجعا ثم يعود للصعود مرة اخرى وهذا دليل على نضج السوق. وانه يتأثر بالعرض والطلب. اضافة الى حدوث اكتمال البنية المؤسسية للسوق, والبنوك ساهمت في ذلك بشكل كبير اليوم لدينا عدد كبير من شركات السمسرة, عدد كبير من شركات ادارة المحافظ, عدد كبير من المكاتب الاستشارية لشراء الاوراق المالية, البنوك تقدم قروضا بضمان اوراق مالية, لكي تضمن رواجا في البورصة هذا بالطبع لم يكن موجودا قبل برنامج الاصلاح, وقبل ان يحدث تحول اقتصادي الى النظام الرأسمالي الحر, ما اهمية وجود بورصة للاستثمار الاجنبي, وجذب الاستثمار الى مصر؟ هواجس الاجنبي وانا اعلم ان البعض قد يكون لديه تحفظ على مسألة الاستثمار الاجنبي, ولكن اي مستثمر كان يأتي مثلا في السبعينات يؤسس شركة ويحصل على الاعفاءات الضريبية ثم يفضل تصفية الشركة بعد انتهاء فترة المزايا والاعفاءات الضريبية, ثم يجزىء المشروع ويبيعه كأصول او اي شكل من اشكال التخلص, بحيث يسبب هدرا لقوى الانتاج في المجتمع, اليوم وفي وجود البورصة يتشجع المستثمر الاجنبي, يستطيع الحصول على تمويل مباشر من البورصة او يؤسس ويعمل دورة نشاط, يمكنه عمل سندات يقترض بضمانها من السوق ويطرحها, لو انه يريد توسيع قاعدة ملكيته يمكنه استدعاء مشاركين محليين له, اي ان وجود البورصة يساهم بشكل كبير في خلق طاقات انتاجية عالية. البقاء للاصلح عن البعد الاجتماعي لبرنامج الخصخصة في رأيي انه يعني تشغيل المشروع على اساس الكفاءة, وليس مجرد مصانع (تلم الناس وخلاص) , والناس انفسهم ليسوا مستفيدين ولا يكسبون, فقط يأخذون الفتات.. سيخلق فرص عمل متميزة, ويصبح البقاء للاصلح وهذا مطلوب.. فليس مطلوبا ان نعيش بالشكل المطلوب الى الابد, المفروض ان نتطور. لذلك اعتقد ان اثر الخصخصة على المجتمع اثر ايجابي. ربما لا يظهر في الاجل القصير. ولكن بالتأكيد عندما ينتهي البرنامج سيشعر الناس بفائدته. ربما تحدث بعض المشاكل نتيجة ان غير الكفء لن يكون له مكان, القوى البشرية التي لم تطور نفسها لن تدخل سوق العمل, وهذا يفرض في الفترة المقبلة عملية تطوير القوى البشرية. نريد عمالة مهرة وهنا لا يمكن فصلها وهي اهداف احد برنامج الخصخصة القادمة وليس الآن, عن برامج تعليم مختلفة تماما عن الحالية, يمكنها تخريج بشر قادرين على التعامل مع الانظمة الجديدة, التي تخلقها الملكية الخاصة, واحتكاكها المباشر بالعالم الخارجي الدولي.. فالمطلوب من البرامج التعليمية ان تخرج اناسا لديهم الخبرة والمهارة والرؤية والتصور والقدرة على الابداع والخلق, والقدرة على الانتاج بدون توجيه دائم, وطريقة الانتاج بالثواب والعقاب. وبرامج التعليم الحالية لا توفر ذلك, بل ينبغي ربطها باحتياجات سوق العمل خلال الفترة المقبلة, حتى لا نتكلم عن الاثر السلبي للخصخصة.. وهي في رأيي ليس لها اثر سلبي بل اثرها ايجابي من خلال اعادة رؤية وبرامج التعليم, واعادة النظر في احتياجات الدولة والعلاقات بين الوزارات والهيئات بحيث لا تعمل كل جهة وحدها, ثم نعود نلقي اللوم على شماعة الخصخصة, ونقول: (يا ريت ما بعنا ــ يا ريت ما خصخصنا) .

تعليقات

تعليقات