وزير حقوق الانسان المغربي السابق يتهم الجميع: شراء الاصوات منح أصحاب المال دورا رئيسيا

يظل محمد زيان من اكثر الشخصيات السياسية المغربية اثارة للجدل, فالرجل الذي اشتهر بمحامي الحكومة ضد المعارضة. والنائب المشاغب لمواجهاته الساخنة معها, فضل الاستقالة من منصب وزير حقوق الانسان (1996) احتجاجا على التجاوزات التي عرفتها حملة مكافحة التهريب والمخدرات كما خسر مقعده النيابي في الانتخابات الاخيرة لأنه رفض ان يخوضها باسم حزبه (الاتحاد الدستوري) رغم انه عضو مكتبه المركزي لخلافه على بعض توجهات الحزب الفكرية, ولكن دون ان يفقده ذلك قدرته على مراقبة المشهد السياسي المغربي من موقعه الحالي كعضو في المجلس الاستشاري لحقوق الانسان, وكمدير لصحيفة (الحياة اليومية) وكرجل اعمال. في هذا الحوار الذي يفتح فيه النار على الجميع, يقدم زيان تحليلا للاوضاع السياسية المغربية على اعتاب حكومة جديدة. وهذا نص الحوار: ما هو تقييمك للانتخابات الاخيرة, خصوصا وانك فشلت بترشحك باسم حزب العمل, فيما فاز مُرشحك حزبك الاصلي (الاتحاد الدستوري) ؟ ـ على كل حال, الذي ترشح ضدي كان منتميا للاتحاد الدستوري, اما الآن, وبعد فوزه بمقعد في مجلس النواب, غير لونه الى حزب (التجمع الوطني للاحرار) . واظن ان الاشخاص الذين لا وزن لهم يستطيعون البروز في الانتخابات, وهذا في حد ذاته كاف ليعطي الصورة الكاملة لحقيقة الانتخابات كما جرت. وتقييمي العام للاستحقاقات الانتخابية ان الذي طبعها هو التأثير المباشر لاصحاب المال والذي اثر في النتيجة. فهل معنى الديمقراطية هو ترك اصحاب المال يشترون الاصوات لنقول بأننا نعيش الديمقراطية؟ وهذا نظام عرفته البرازيل في اواخر الستينات وبداية السبعينات, وكان انعكاسه على المجتمع البرازيلي سلبيا. فالانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد مؤخرا لها قيمة معاكسة لقيمة الاموال التي صرفت من اجلها, فكلما كثر المال في الانتخابات الا وكانت هذه الانتخابات مشكوك في نزاهتها, وكلما قلت الوضاعة المالية, كلما كانت الانتخابات نظيفة ومهمة. هل يعني ان الانتخابات المغربية الاخيرة كانت غير نظيفة؟ ـ اظن انها كانت ثقيلة بالمال وبسيطة وخفيفة من حيث الارقام والبرامج السياسية, بينما كان الشعب والدولة ينتظران العكس, وكيفما كان الحال فانهما محتاجان للعكس. ولكن لماذا اخترت حزب العمل للترشيح باسمه, وتركت حزبك الاول الذي شاركت من خلاله في تشكيلة حكومية سابقة؟ ـ في الحقيقة, ان حزب الاتحاد الدستوري هو الذي فاجأني, وبالتالي فكرت في الترشيح بمدينة طنجة نظرا لارتباطاتي العائلية, وكذلك بالحاح من اصدقائي بالمدينة, لقد فاجأني الاتحاد الدستوري فعلا بترشيح سيدة كانت في الحزب الوطني الديمقراطي اسمها ثريا السويسي, بعدما غيرت حزبها الاول, كذلك تم تغيير هذه السيدة نظرا لاتصالات معها لسحب ترشيحها وتغييرها بمرشح آخر من التجمع الوطني للاحرار. وللاشارة فقد عاد مؤخرا للحزب الاول (التجمع) بعدما نجح باسم الاتحاد الدستوري بنفس الدائرة التي تقدمت بها. لقد اخترت حزب العمل مضطرا لأنه تم الاعلان في آخر لحظة بأن الترشيح باسم المستقلين مرفوض, لذلك طلبت مني الادارة ان احمل لون حزب سياسي, فاضطررت للالتجاء لحزب العمل وعلى كل حال فان الحملة الانتخابية بمدينة طنجة كانت حملة مال وليست حملة افكار وبرامج. البرلمان والحكومة المقبلة هذه الانتخابات التي وصفتها بغير النظيفة الا يمكنها ان تفرز مؤسسات غير التي سميت بها الانتخابات؟ ـ على كل حال, فان المؤسسات في المغرب لا تنبثق بالضرورة من التشكيلة البرلمانية وبالتالي يمكننا ان نخرج بحكومة قوية بعيدا عن البرلمان. وهل تظن انه يمكن ان تشكل الحكومة خارج البرلمان؟ ـ نعم, وما يزكي قولي انه لا يوجد اي نص قانوني يمنع ذلك باعتبار ان المجتمع المدني هو اوسع بكثير من جميع الاحزاب السياسية, ففي المغرب وجدت دائما حكومات غير منتمية الى البرلمان, اما كليا او جزئيا فالحكومة الحالية غير مرتبطة ببرلمان وحتى الحكومة التي سبقتها كان من بينها النصف مرتبط باحزاب الوفاق والنصف الآخر لا علاقة له بالاحزاب السياسية الممثلة وغير الممثلة في البرلمان. لكن يظهر انك قد غيرت طرحك الاول لما كنت في (الاتحاد الدستوري) اذ كنت تنادي بان تكون الحكومة منبثقة من الاغلبية الوفاقية دون غيرها؟ ـ انا مازلت اقول, لا ينبغي ان يوجد اي حل سياسي خارج النظام السياسي, وهذا هو موقفي العقائدي, اما الذي يرى بأنه تغير عليه ان يتذكر انني لما كنت نائبا برلمانيا باسم الاتحاد الدستوري صوت اكثر من مرة لصالح حكومات لا علاقة لها بالتشكيلة البرلمانية, حيث اجدها قوية ومتراصة. تبرأ الاتحاد الدستوري بشكل مفاجىء من عضويتك بالمجلس الاستشاري لحقوق الانسان, بينما المتعارف عليه قانونيا ان الملك هو الذي يعين اعضاء هذا المجلس, فهل حصل خلط قانوني لدى الاتحاد الدستوري ام رد فعل عفوي؟ ـ لا اظن انه رد فعل عفوي, فعضويتي داخل المجلس الاستشاري لحقوق الانسان منطلقة من الاتحاد الدستوري طبعا, الا انني طالبت ان اعفى من هذه الصفة بعدما قررت تجميد عضويتي داخل الاتحاد الدستوري وهو قرار مازلت متمسكا به, وانا لا ارغب في تمثيل الاتحاد الدستوري او التكلم باسمه في اي اجتماع كيفما كان نوعه. وهل انت متشبث بعضويتك؟ ـ انا لست متشبثاً بهذه العضوية, وانما متشبث بافكاري فانا رجل افكار لا رجل مقاعد, ولو كنت كذلك لبقيت في اعلى رتبة حكومية, حيث استقلت منها بمبادرة ورغبة اكيدة مني وكانت لدي الجرأة بأن اتقدم للرأي العاما لانبه الجميع بان حملة التطهير ستؤدي الى الفشل وهو ما حصل فعلا. في نفس السياق, كيف تقبلت المبادرة الملكية في العفو الشامل الذي طال المعتقلين في حملة التطهير؟ ـ ان العفو الشامل جاء مباشرة بعد تشكيل الحكومة التكنوقراطية الاخيرة, اي خروج احزاب الوفاق وانا اقول بأن المسؤول الاول عن سياسة التطهير هي احزاب الوفاق. فاي رجل سياسي بسيط التجربة يمكن له ان يتدارك الامر ويفهم ان العنف والقمع يؤديان الى التعقيد وليس حل المشاكل الاقتصادية. المهم ان الملك اصدر امره بالعفو عن ضحايا حملة التطهير لكن مع الاسف فالحكومة لم تقم بتنفيذ امر الملك بالعمق الذي اراده لهذه الغاية, فلم يفرج الا عن الشخصيات المرموقة التي تكلمت عنها الصحف. بينما صغار القوم كما اسميهم مازالوا معتقلين, واظن انه من الضروري ان يتم وضع حد لهذه المأساة, وان تنفذ اوامر الملك كاملة على الجميع ولا يستثنى اي احد. حزب البرجوازيين! سبق ان صرحت في اكثر من مرة بتكتل البرجوازيين المغاربة لتأسيس حزب سياسي يشارك في الاستحقاقات السياسية بما فيها البرلمان. فهل مازالت تخالجك هذه الفكرة؟ ـ اظن ان الليبراليين في المغرب محتاجون الى حزب يمثل افكارهم ويعكسها على ارض الواقع بالجدية التي يحلل بها الليبرالي شؤون البلاد, واظن كذلك بان الليبراليين محتاجون لمن يدافع عنهم وعن مصالحهم واحترام حقوقهم, وانا مازلت اؤمن بضرورة خلق هذا الاطار, لأن الاحزاب الموجودة (اليمين) حاليا لا تمثل الفكر الليبرالي على الاطلاق. اما بالنسبة للفكر الاشتراكي فهو متجاوز, كما اؤكد بأن المغرب له كفاية من الاحزاب الاشتراكية وهو البلد الوحيد الذي ترعرعت فيه الاشتراكية بعد تحطم جدار برلين, وهذا مخالف للسيرورة التاريخية, فلا اظن ان الاشتراكية لها مستقبل في العالم حتى يكون لها مستقبل في البلد الذي كانت له الشجاعة في رفض مثل هذا الفكر منذ الستينات. مباشرة بعد الانتخابات التي افرزت نواب البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين) عارض حزب الاستقلال النتائج, وأكد عدم تزكيته لأي جهاز ينبثق من هذه الانتخابات, الا ان جميع نواب هذا الحزب حضروا جلسة انتخاب الرئيس, بل شاركوا في التصويت لصالحه, فهل لك رأي؟ ـ ان حزب الاستقلال وقع في تناقضه الاول منذ مؤتمره الاستثنائي وصوت لصالح عبد الواحد الراضي, واظن ان القصد من هذا التصويت هو اعطاء مصداقية للبرلمان بعد الحملة المسعورة التي عرفها المجتمع المدني غداة انتهاء عملية الانتخابات, فبتصويته على الاتحاد الاشتراكي قد وقع في تناقض كبير لان الاتحاد الاشتراكي سيكون ملزما اخلاقيا بالدفاع عن المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات والبرلمان. ولا ارى رئيسا برلمانيا يشهد ان البرلمان الذي يترأسه غير نزيه, او الانتخابات التي اوصلته الى رئاسة السلطة التشريعية كانت انتخابات غير شفافة او غير نزيهة. وكيف تفسر تصويت حزبي التجمع الوطني للاحرار والحركة الوطنية الشعبية لصالح احزاب الكتلة داخل مجلس النواب؟ ـ أظن ان السياسيين المغاربة لهم ذكاء متميز, واتمنى ان يكون تصويت الاحرار والحركة الوطنية لصالح احزاب الكتلة بمقابل, وهذا المقابل ينبغي ان يكون رئاسة الغرفة الثالثة واعني بها الحكومة, اما اذا كان التجمع الوطني للاحرار والحركة الوطنية الشعبية قد صوتا مجانا لرئاسة الاشتراكيين للغرفة الاولى, فهذا يعني ان هناك نقصا كبيرا في الذكاء السياسي عند هذين الحزبين, ففي العمل السياسي لا توجد مواقف مجانية. الرئاسة موضع نقاش بالنسبة للحركة الاجتماعية الشعبية هل لك تفسير عن عدم تزكيتها لرئيس مجلس النواب, سيما وانها من احزاب الوسط, كما كانت تدعي اثناء الحملة الانتخابية؟ ـ من غير المعقول ان المجموعة الاخرى المشكلة لاحزاب الوفاق بالاضافة الى حركة عرشان ولها اغلبية في الغرفة الثانية تزكية الرئيس الاشتراكي فهي لا تحتاج الى مساندة التجمع الوطني للاحرار او الحركة الوطنية الشعبية, وتبقى الرئاسة التي يمكن ان تكون موضع نقاش هي الغرفة الثالثة, فان لم تعط رئاسة الحكومة للتجمع الوطني للاحرار او الحركة الوطنية الشعبية سيكونان قد قاما بعمل مجاني, وهذا ليس ذكاء. واضيف بان الحكومة اذا انبثقت من مجلس النواب, وهذا رهان غير واضح, ينبغي ان يشارك فيها التجمع الوطني للاحرار والحركة الوطنية الشعبية لانها بذلك يمكنها ان تجد من يساند برنامجها. اكيد ان الحركة الدستورية الديمقراطية الشعبية (الاصولية) ستساند هذه الحكومة من منطلق مساندة التناوب مع العلم ان مجموعة كبيرة من نواب حزب الاستقلال سوف يغادرون هذا الحزب اذا ما اراد الانسحاب من العمل التشريعي. نحن اذن امام تشكيلة حكومية مفترضة تتكون من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وجبهة القوى الديمقراطية والحزب الاشتراكي الديمقراطي والتجمع الوطني للاحرار والحركة الوطنية والديمقراطية والحركة الدستورية الشعبية فهل تجد في برنامج هذه الحكومة انسجاما وتوافقا, وهل تكون هذه الحكومة قوية كما يريدها الجميع؟ ـ اريد ان اوضح شيئا ما, فالحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الاشتراكي او منظمة العمل هي حزب واحد. اما جبهة القوى والتقدم والاشتراكية فهما من مدرسة واحدة, والجميع يعرف كيف انفصلا ولأية غايات واهداف, والتجمع الوطني للاحرار يمكن ان يصنف وحده, اما الحركة الوطنية الشعبية فيمكن ان تصنف خارج هذه المجموعات. انا لا استبق الاحداث, واحكم على ان الاتحاد الاشتراكي سيكون في الحكومة المقبلة, ولكن ما هو ظاهر ان هذا الحزب ترأس مجلس النواب ليعطي له مصداقية ويشطب على كل ما قبل حول تزوير نتائج انتخابات نوابه, واستطاع ان يقحم حزب الاستقلال في ذلك حتى لا يقع في تناقضه, اما بخصوص حركة عرشان (الحركة الشعبية الاجتماعية) وعدم تصويتها لصالح مرشح الاتحاد الاشتراكي فاقول ان هذه هي طبيعة الوسط في المغرب: يوم مع اليمين ويوم مع اليسار, ويبدو ان دور الوسط هو ان يوالي اليمين او اليسار حسب الظروف. الآن, بعد انتهاء رئاسة الغرفة الاولى بدأت تظهر ملامح الحكومة المقبلة, هل من رأيك ان تقود احزاب الوفاق (الاغلبية اليمينية السابقة) معارضة قوية؟ ـ اظن ان الحزب الذي يمكنه ان يلعب دور المعارضة هو حزب الاستقلال ولكن عليه ان يخرج من الكتلة (تحالف المعارضة) وان يتذكر خصامه التاريخي مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ولكن من منطلق تجربتي كلما توضحت لي الرؤية السياسية في المغرب الا ويفاجأني حدث سياسي ينسيني كل شيء, ويقلل فهمي لما يجري في البلاد. الرباط ـ رضا الاعرجي

تعليقات

تعليقات