السودان بين ضوابط الزنداني وتوسيع (الايجاد): بقلم- محمد الحسن احمد - البيان

السودان بين ضوابط الزنداني وتوسيع (الايجاد): بقلم- محمد الحسن احمد

في الشهر المقبل تستأنف دول منظمة (ايجاد) جولة جديدة من المباحثات بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية المسلحة بقيادة العقيد جون قرنق بحثا للوصول الى السلام , فهل هناك مستجدات تؤشر الى امكانية بلوغ هذا الهدف؟ ام تكون الجولة القادمة بمثابة وضع حد نهائي لوساطة تلك الدول؟ وهل هناك تطورات جرت في الفترة السابقة تحمل الجديد المفيد؟ ام ان الوضع كما هو محلك سر؟ يبدو من الواضح حتى الآن ألا جديد في مواقف اطراف النزاع, والجديد الوحيد ان هناك اتصالات بين اطراف دول (ايجاد) والدول التي شكلت ما دعي بـ (اصدقاء ايجاد) بهدف توسيع قاعدة تلك المبادرة لتشمل دولا عربية واخرى افريقية وتردد اسم مصر والسعودية من جهة وجنوب افريقيا وزمبابوي من جهة اخرى, وكذلك ضم المعارضة الشمالية مع اعتماد اطار مشكلة الحكم في السودان باعتبارها لب قضية السلام, وحتى الآن لم يرشح مايفيد بتقدم يذكر حول جماع هذه المسائل, بل لم تفصح اية دولة من دول (ايجاد) عن رأي او موقف او مجرد اقتراح حول هذا الامر, وبالمثل لم يصدر عن المعارضة في اطار التجمع الوطني الديمقراطي مايفيد برغبة في المشاركة في المفاوضات بل ان الموقف الرسمي المعتمد من التجمع حتى هذه اللحظة هو: لاتفاوض ولا وفاق ولا صلح, لكن طرفا رئيسيا فيه يقوده الصادق المهدي تبنى الدعوة منذ فترة لتوسيع دائرة (الايجاد) ولتوسيع اجندة بحثها مستندا الى تطورات القضية السودانية وترابطها وحتى مسالكها باعتبار ان دائرة الحرب قد اتسعت من الجنوب لتشمل الشمال وان ازمة الحكم شاملة الى آخره, ولذلك من الضروري ان تتسع اجندة ايجاد. وفي الاسبوع الماضي صرح المهدي عقب اجتماع عقده مع وزير خارجية مصر جاء فيه (ان لمصر دورا من خلال منظمة الايجاد لتحقيق السلام في السودان وان المعارضة السودانية تتطلع الى هذا الدور, وطالب بان تتسع مظلة المنظمة لتشمل دولا عربية واسلامية كبرى مثل مصر والمملكة العربية السعودية لانه لايصح ان تكون هناك ثماني دول اوروبية وامريكية تشكل تجمع اصدقاء الايجاد في الوقت الذي تكون فيه الاطراف العربية غائبة) . ولا ريب ان ما ينادي به المهدي يمثل وجهة نظر جديرة بالبحث والاعتبار لكنها لم تبحث بعد في هيئة قيادة التجمع مثلما ان الدول المعنية لم تبد بعد ما يستفاد منه قبول او رفض هذه الاطروحة, ولابد من ان يتقرر خلال هذا الشهر عبر كل المستويات ان كانت الاطراف المعنية ترحب بهذه المبادرة الاضافية ام لا؟ كذلك فان موقف الحكومة السودانية لم يتضح بعد, بل ان كل ما فعلته هو تقديم دعوة لوزير خارجية كينيا لزيادة الخرطوم لاطلاعه على ما انجزه (المؤتمر الوطني) في دورة انعقاده الثانية والتطورات المتعلقة بمسودة الدستور! واغلب الظن كما يستشف من تصريحات للدكتور علي الحاج وزير الحكم الاتحادي ان النظام في الخرطوم في عجلة من امره لاجازة الدستور في صورته المبدئية قبل جولة المفاوضات حتى يتسنى للنظام الزعم بانه اقر الديمقراطية بتعددية منضبطة وبالتالي فانه يكون قد لبى كل ما ينادي به اهل السودان, ومن هنا ينتفى وضع اجندة اضافية ضمن اعلان مبادىء (ايجاد) ولايكون هناك مايدعو للتفاوض مع المعارضة الشمالية في اطار (الايجاد) وتساءل الدكتور علي الحاج عما اسماه (معنى الايجاد) بعد اتجاه الحكومة السودانية لاتاحة حرية التنظيم ولكن اية حرية تنظيم تلك التي يتحدث بابهام عنها علي الحاج؟ انها كما يبدو حرية لتنظيمات شكلية تتلحف بعبادة المؤتمر الوطني الحزب الجامع الشامل الذي اطلق عليه الدكتور الترابي (حزب الله) وقال صراحة في تصريحات نقلتها عنه صحافة الخرطوم (ان الانقاذ لاتعترف الا بحزب الله وترفض الزعامات القديمة) ومن ثم قام عدد من حواريي الشيخ الترابي بكيل اللعنات للاحزاب والتأكيد على ان الوعاء الجامع للتعددية الفكرية هو (المؤتمر) وبالغ بعضهم في الكرم فاضفى عليها صفة (المنابر) . وتفضل الشيخ عبدالمجيد الزنداني زعيم حركة الاسلام السياسي اليمنية فعقد مؤتمرا صحافيا في الخرطوم بعد مشاركته في (المؤتمر الوطني) وقد قيل انه يزور السودان بوصفه (رئيس مجلس امناء المركز العالمي لابحاث الايمان بالخرطوم) . وهو مركز لم نسمع عنه من قبل وخصص مؤتمره الصحافي عن (ضوابط لتأسيس الاحزاب السياسية) .وقال بالحرف (ان هذه الشروط من شأنها ان تقينا ماذقنا من فساد الاحزاب ونضمن بذلك وحدة الامة ويمكن لهذه الشروط ان تتحول الى قوانين) . ثم استطرد فقال: (ان كلمة احزاب جاءت في القرآن في مقام ذم فيما جاءت كلمة حزب لتوحد الامة) , وهنا يكشف الزنداني عن ايمانه بالحزب الشمولي اي المؤتمر الوطني وينسف فكرة التعددية الحزبية من اساسها ويدعي مع الترابي بوحدانية الحزب لان الترابي يقول: (الانقاذ لا تعترف الا بحزب الله) وهذا قمة الممارسة فيما يمكن تسميته بالارهاب الفكري والرفض المطلق للتعددية الحزبية التي هي لا يرفضها الاسلام كما نعرفه وكما تشير اليه سماحته ورحابته بعكس سفسطة الزنداني. ولعل من المفارقات التي تدعو الى التأمل في الشروط التي وضعها الشيخ الزنداني, عدم الخروج على النظام العام, وعدم مناهضة الدين, وعدم حمل السلاح ضد الامة. لكن الشيخ الذي يمتدح نظام الخرطوم ويعده احسن الانظمة في العالم وهو يعدد هذه الشروط فات عليه ان نظام الخرطوم الذي هو في رحابه قد حمل السلاح ضد الامة بانقلاب 30 يونيو 89 وحسب منطق الشيخ يكون حزب الترابي قد خالف شرط حمل السلاح ضد الامة وبهذا المنطق يجوز حل هذا الحزب وعدم السماح له بممارسة اية نشاطات سياسية. اما حديث الشيخ عن عدم الخروج على النظام العام فهو تقدير هلامي, ففي العهد الديمقراطي يعتبر ما قام به حزب (الجبهة) من تدبير للانقلاب ضد الديمقراطية هو خروج عن النظام العام. اما تفسير هذه العبارة في ظل هذا العهد فيعني اي تظاهرات ضد القمع الذي يمارسه النظام او مطالبة بالحريات يمكن ان يندرج في أطر الخروج على النظام العام الذي قننته (الجبهة) ! باختصار تلك هي شروط قيام الاحزاب كما اعلنها (رئيس مجلس الامناء) في مؤتمر صحافي, وتلك هي الديمقراطية التي يبدو ان النظام سيحملها معه الى مفاوضات السلام في نيروبي, وكل ذلك ستدق له الطبول في الدستور الذي سيبدأ المجلس الوطني في مناقشته بعد ايام ويجاز في استفتاء صوري بعد شهر ويحتفل به في ذكرى الانقلاب في الثلاثين من يونيو. ولا شك ان كل هذه المسالك التي يخطط لها النظام ويسعى لبيعها وتسويقها داخليا واقليميا ودوليا لن تغنيه من الأمر شيئا بل ستزيد من قناعات الشعب السوداني والعالم اجمع ان النظام لم يتعلم شيئا من الدروس ولم يتقدم خطوة واحدة من اجل التخلص من عناده وصلفه وقهره للشعب. لان الطريق المفضي الى الديمقراطية يبدأ من التسليم بقيام حكومة انتقالية ترتضيها غالبية الشعب, وان الحريات الاساسية يجب ان تتوفر بالغاء الامر الدستوري الثاني وسائر القوانين الاستثنائية وان تشكيل الاحزاب يتم وفق القواعد المرعية عالميا وليس في الاطار الذي رسمه الزنداني ومن قبله الشيخ الترابي. وان السلام ينبغي ان يسود من خلال اتفاق يؤسس على المواثيق التي اتفقت عليها القوى السياسية وان تقوم السياسة الخارجية على الابتعاد عن التدخل في شؤون الجيران وان تدعو الى اعمار علاقات السودان مع العالم بعيدا عن مداخل الارهاب او ادعاء نشر الرسالات وان تراعي كل الخصائص التي تميز البلاد بدءا بالتنوع الاثني والثقافي والديني الى غير ذلك. وان تجرى انتخابات ديمقراطية بواسطة هيئة ليست خاضعة للسلطة ناهيك عن التسلط وتشهدها وتراقبها هيئات دولية واقليمية. وكل هذه الاشياء المطلوبة ليست بدعا تعجيزية او اقتراعات سودانية انما هي موروثات عالمية تطبق في مثل الحالة السودانية بل طبقت فيه من قبل. ومن الطبيعي ان يتهرب النظام من القبول بمثل هذه المثل والمبادىء لانه يعلم ان الشعب سيلفظه وانه سيفقد السلطة التي هي عشقه الاول وان التسلط كان وسيلته المبتغاة والمنتقاه للوصول اليها اولا,وللحفاظ عليها ثانيا, وبالتالي فانه لن يفرط فيها وانما بسبب الضغوط اخذ يقبل بمظهرها لا جوهرها. والضغوط ستتوالى عليه حتى يقبل بها مكرها او يسقط لا محالة. وفي كل الظروف فان مفاوضات ابريل ان تمت ستكون مهما كانت المشاكل خطوة في طريق توجيه المزيد من الضغوط على النظام ليست مدخلا لتحقيق انفراجات يتوهمها, وحتما ستكون اضافة في مسلسل ممارسة الضغوط بشكل اكبر واقوى من دول الايجاد واصدقاء الايجاد. صحفي سوداني مقيم بلندن*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات