نافذة:التعامل مع الأصولية بين الخبرة اليهودية والممارسات العربية: بقلم- سعيد السبكي - البيان

نافذة:التعامل مع الأصولية بين الخبرة اليهودية والممارسات العربية: بقلم- سعيد السبكي

على الرغم من اتباع اسرائيل أسلوبا لغزل وترضية الأصوليين اليهود لضمان أي صراع محتمل بين الدين والدولة هناك إلا ان واقع الممارسات السياسية والتركيبة الاجتماعية تنفي دفاعاتهم ونفيهم لهيمنة الدين اليهودي والمتشددين على سلطة الدولة, التي بدأت تكشفها العلمانية التي ترى في الامتيازات للمتدينين والأصوليين اليهود من السلطات نوعا من التفرقة الاجتماعية بصورة حركت نذر الصراع المدفون اليهودية فعندما حاولت (أنا هوفمان) مرشحة حزب ميرتيز اليساري أن تستقل إحدى الحافلات المخصصة للطلبة اليهود بالمعهد الديني, قام الطلبة بمنعها والبصق عليها واتهامها بالنازية المتعفنة, مما أثار ردود فعل واسعة في أوساط هذا الحزب اليساري وأنصاره, وبدأت مطالبة الساسة الإسرائيليين بإعادة النظر في الامتيازات الممنوحة للمتدينيين والمتشددين من اليهود أصحاب المعاطف السوداء, والذين يطلق على طائفة منهم (الحريدم) أو الذين يخشون الرب, إذ تخصص لهم السلطات سيارات خاصة وأتوبيسات تقلهم داخل المدينة الى معهدهم الديني, ويتم في ذلك الفصل بين الفتيات والشباب بصورة متشددة, كما لا يستقلها سواهم ويعتقدون ان أي شخص لايماثلهم إنما يتسبب إفساد طهارتهم والانتقاص من قدسيتهم, وقد انتقد الحزب اليساري موافقة شركة النقل (ايجيد) لتخصيص سيارات لتلك الطائفة والفصل بين الجنسين في خدماتها, وحذر أعضاء الحزب من استغلال هذه الظاهرة من قبل جماعات دينية أخرى أو جماعات ضغط في اسرائيل لاستخدام سيارات خاصة للطوائف اليهودية الأخرى مثلاً أو سيارات خاصة للفلسطينيين العرب أو العرب اليهود, في حين دافعت شركة النقل عن نفسها بأنها لاتريد أن تفقد زبائنها إذ تمثل هذه الطائفة قرابة ثلث السكان اليهود بالمدينة المقدسة, وان تخصيصها لسيارات لهم وفصلها بين الجنسين في هذه السيارات انما نوعا من احترامها لمعتقد هذه الطائفة وضمان بقائهم كزبائن للشركة! وإذا كان هذا الحادث يبدو صغيرا ولايمثل ثقلاً حقيقياً لسيطرة الدين على الدولة في إسرائيل, إلا أنه يوضح مدى الاحتواء السلطوي للتشدد الديني وايجاد صيغة ملائمة للتفاهم وتعتبر السلطة الاسرائيلية الممارسات لهؤلاء مجرد حوادث فردية, ومرتكبي الجرائم والمذابح البشعة ضد المسلمين والفلسطينيين كمذبحة الحرم الإبراهيمي نوعا من الجنون, وإهانة المقدسات الإسلامية نوعا من الإصابة بمرض نفسي, وهكذا تجد السلطة الاسرائيلية دائما العلل والأعذار لهؤلاء لحمايتهم بشكل أو بآخر وترضيتهم وإبقائهم بعيدا عن عواصف الصراع الشامل مع السلطة ويعد النفق الذي حفرته الحكومة أسفل المسجد الأقصى, محاولة أخرى لترضية هؤلاء ليذهبوا الى معابدهم لأداء شعائرهم دون أن يعكر صفو قداستهم رؤية وجه عربي أو أشخاص من طوائف أخرى لاتتفق معهم, ويدعم ما نقوله ان حكومات إسرائيل تتشكل من برلمان كنسي يوجد للحاخامات اليهود النصيب الأكبر فيه رغم ذلك تدعي إسرائيل أنها تطبق نظاما ديمقراطيا حُرا تتضح فيه معالم الفصل بين الدين والدولة, وهذا الإدعاء في الواقع باطل وليس له أي أساس من الصحة, فإسلوب الغزل المستمر بين الفئة الحاكمة لإسرائيل وأصحاب المعاطف السوداء من اليهود المتشددين ينفي المزاعم الإسرائيلية, بل ان اسرائيل تعمد الى مخاطبة ود هؤلاء ومطالبتهم بالصبر على تحقيق المشروع القومي الإسرائيلي بإقامة دولة كبرى, وتغذي عقولهم بأن العائق الوحيد لإقامة إسرائيلهم اليهودية إنما وجود حفنة من البشر هم الفلسطينيون, وأن زوال هؤلاء الفلسطينيين إنما يحقق الحلم القومي لإسرائيل, وهكذا تغذي السلطة عقول هؤلاء لخدمة أهدافها السياسية من ناحية بمعاداتهم وعدوانيتهم للفلسطينيين وتكسبهم من ناحية أخرى, وفي هذا الأسلوب ذكاء سياسي خطير لانجد مفرا من أن نشهد للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة به. وفي الوقت الذي تتجاوز فيه خطورة اليهود المتشددين ملايين المرات عن خطورة المتشددين الإسلاميين, ولكن الذكاء الإسرائيلي لايسمح لهذا الخلاف ولهذه الخطورة أن تستجر بل تتعامل معها باسلوب أقل ما يوصف به أنه حكيم ومتعقل, فتلك الفئات الدينية المتشددة لن يمكن إلغاؤها في أي دين, أو نفي وجودها في أية دولة, بل الاعتراف بوجودهم وبكيانهم هو أول الطريق الصحيح للعلاج وكسر شوكة العنف قبل أن تتطاول وتطول أعناق المواطنين والساسة على حد سواء, وإسرائيل تقف عن قرب من المنطقة العربية, تراقب ما يجري على الساحة من صراع الإسلاميين والسلطة, تزكي فيما استطاعت أن تزكي سبل هذا الخلاف بأساليبها الخفية. ان ما يحدث في بعض الدول العربية من صراعات بين الإ سلاميين والدولة ليس في صالح أمتنا العربية فتلك الصراعات تحقق ما تحلم به الصهيونية الإسرائيلية من تآكل داخلي وتقتيل عشوائي وتصفيات لطاقات شعوب عربية بأكملها, وما يحدث في الجزائر الآن خير دليل على ما نقول, لقد آن الأوان لتنحية أسلوب القوة وسياسة السطوة والقمع من وجوه الأنظمة العربية والإسلامية وإيجاد أسلوب آخر يعتمد على الحكمة والتفاهم والاعتراف بوجود الآخرين وحقهم في التعبير عن الرأي وإتاحة الفرصة لكل القوى الشعبية للمشاركة الحقيقية في السلطة وذلك قبل أن يسبق السيف العذل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات