صدام قدم نفسه في ثياب الحكيم، بقلم ـ ريتشارد هوتلت - البيان

صدام قدم نفسه في ثياب الحكيم، بقلم ـ ريتشارد هوتلت

الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين الرئيس العراقي صدام حسين والامين العام للامم المتحدة كوفي عنان جعل العالم يتنفس الصعداء ولاح بريق من الأمل اذ ان العالم بأسره يحاول تفادي القصف والتقتيل. ولكن هناك سؤال يبقى بعد هذه الازمة وهو: ما هي الحلقة المقبلة في هذا المسلسل؟لا بد من اعادة النظر في بنود اتفاق بغداد ووضعه تحت الاختبار كما يكون الحال مع العقد التجاري الذي ربما يخضع لتدقيق من قبل المحامين. والاهم من هذا كله انه لا يوجد في الاتفاق مؤشرات لجهة العنصر الاكثر اهمية وهو روح الالتزام. وهذا لا يعتمد على الضمانات الدبلوماسية او اظهار النية الطيبة, والشاهد على ذلك ان علاقة سوريا واسرائيل تفتقد الثقة تماما.. في عام 1974 اتفق الجانبان على رسم خطوط وقف اطلاق النار على مرتفعات الجولان ومنذ ذلك الحين لم يسمع صوت لرصاصة واحدة من الطرفين. الطرفان ارادا الهدنة وكانت لديهما عزيمة قوية لتطبيقها. هناك دوافع تثير الدهشة وراء موقف صدام الذي قرر اخيرا التعاون لكشف اسلحة الدمار الشامل لديه. كان بامكانه فعل ذلك في اي وقت مضى خلال السنوات السبع الماضية, وتحقيق مكاسب كبيرة للشعب العراقي, وكذلك لصالح موقفه كقائد عربي. لو فعل ذلك لتمكن من تصدير ما قيمته من 110 مليارات الى 140 مليار دولار حاليا. وهذا المبلغ يكفي للمحافظة على مستوى معيشي معقول للشعب العراقي بالاضافة الى تحديث اقتصاده وتطوير مصانعه التي تعتبر الافضل من نوعها في العالم العربي. وكذلك كان يمكنه التخلص من الحظر المفروض على العراق ما عدا بعض القيود على اسلحة الدمار الشامل. صدام لم يفصح عن قدراته العسكرية, ولكنه قَبِل برقابة الامم المتحدة الصارمة. وقامت لجنة المفتشين التابعة للمنظمة الدولية (يونسكوم) بتدمير وازالة الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والمنشآت النووية التي لم تدمر اثناء حرب الخليج. واكتشف المفتشون بعد البحث والتدقيق معدات واجهزة عسكرية عراقية متطورة تكشف عن تقدم غير متوقع في هذا المجال. جاء هذا الكشف بعد اصطدام المفتشين بحائط من النكران والخدع العراقية. وذكرت تقارير الحكومة البريطانية مؤخرا ان لدى بغداد اطنان من المواد التي يمكن استخدامها في الاسلحة الكيماوية. ومن جانبه اكد مجلس الامن على اهمية احترام سيادة العراق ووحدة اراضيه ولكن صدام عارض التفتيش واعتبره انتهاكا لسيادته وأمنه القومي. واستغل صدام معاناة الشعب العراقي التي لا تمسه بشيء ووجد من يسمعه في انحاء مختلفة مستخدما المأزق الذي يعيشه العراقيون ووجه صدام الانتقادات الحادة لآلية عمل فرق التفتيش وقال انهم مسلطون من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا للتجسس على العراق. وطالب برفع الحظر المستمر منذ سبع سنوات. وكانت هناك شكوك قليلة تجاه امكانية ان يستغل صدام قضية السيادة والامن لمهاجمة اللجنة الدولية للتخلص من الحظر. الان يصبح في وسع صدام ان يخفف شيئا من ذلك من خلال الصلاحيات التي ستؤول الى مكتب كوفي عنان الذي يظهر عليه الاداء السياسي وليس التقني واضافة مجموعة من الدبلوماسيين الى فريق المفتشين ربما يؤدي الى المزيد من التعقيدات. وسيواجهون حتمية الركون الى مرجعية للتفسير. ومن ثم تأتي قضية التفتيش والتحقيق. هذه الاجراءات مضمنة في قرار مجلس الامن الذي بموجبه تم انشاء لجنة الرقابة الدولية وهو قرار يسمح ببقاء اللجنة الى اجل غير مسمى حتى بعد انتهاء عمليات التفتيش اذ ستبقى تتابع جميع المسارات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل والصواريخ التي يزيد مداها عن مائة ميل المحرم على بغداد امتلاكها. الرقابة لا تشمل الاسلحة والمعدات الخاصة بها فقط ولكن تضم المنطقة الرمادية اي كل المعدات والاجهزة ذات الاستخدام المزدوج ويمكن استخدامها في اكثر من مجال. كما المواد الكيمياوية التي يمكن استخدامها في مكافحة الافات الزراعية والتي يمكن استغلالها كوسيط لخلق اسلحة جرثومية. وينطبق الحال ذاته مع بعض المعدات الميكانيكية ذات الاستخدام المزدوج. وهذا لا يعني استمرار الحظر الاقتصادي فقط ولكن يمدد نظام مراقبة الى امد طويل ولن يستطيع صدام التغاضي عنه كثيرا على المدى البعيد. وفي الوقت الحالي استطاع صدام تفادي كارثة متمثلة في ضربة عسكرية واستطاع تحسين صورته كقائد يتحلى بالعقل والحكمة واحتفظ بحق المبادرة وكسب المزيد من الوقت. والقى ببعض الخيارات في سياق الجهود الدبلوماسية التي تهدف الى احتوائه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات