خمسة بلدان متحدة نظريا ومتخاصمة عمليا: عشر سنوات على تأسيس اتحاد المغرب العربي

اليوم تحل الذكرى العاشرة لتأسيس اتحاد المغرب العربي دون ان يعطي الواقع الحالي للعلاقات بين الاقطار الخمسة مقومات ونتائج تدعو للارتياح, وتحفز على المزيد من الخطوات لبناء الصرح المغاربي الذي كان حلم المنطقة وهي ترزح تحت نير الاستعمار , وما زال حلمها بعد عقود على نيل الاستقلال. وتبرز مسيرة الاتحاد المغاربي طوال السنوات التسع الماضية في ضوء اي تحليل موضوعي حصيلة سلبية من كل الجوانب, كما توقظ في نفس الوقت مشاعر التشاؤم من امكانية ان يكون مصير الاتحاد الموت البطيء, مما سيضيع على شعوب المنطقة فرصة تاريخية لتحقيق قفزة نوعية على المستوى الاقليمي في العلاقات الانسانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى مستوى موقع الاتحاد في علاقاته الدولية. فمنذ ثلاث سنوات يجتاز اتحاد المغرب العربي اصعب مرحلة منذ تأسيسه في 17 فبراير 1989 ومجلسه الرئاسي الذي يتكون من قادة الدول الخمس: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا, لم يجتمع منذ قمة تونس في فبراير 1994 وآخر اجتماع للجنة المتابعة التي تنظم وتخطط وتراقب العمل المشترك على المستوى الوزاري عقد في ديسمبر ,1995 اما المجلس الاستشاري الذي مقره الجزائر والمتكون من ممثلي البرلمانات الوطنية الخمسة فهو في سبات منذ ,1992 وحتى لو استأنف الاتحاد نشاطه اليوم فان هذا المجلس لا يمكنه ذلك بعدما فقد الاعضاء مقاعدهم بحكم انتهاء فترة انتخابهم اما الهيئة القضائية التي يوجد مقرها بنواكشوط ليست احسن حالا, فالبناية ذات الطوابق الثلاثة التي وضعتها الحكومة الموريتانية رهن اشارة الاتحاد شبه خالية الا من موظفين اثنين ونفس الشيء بالنسبة للاكاديمية والجامعة المغاربية في ليبيا اللتين تحولتا الى مؤسستين ليبيتين بحكم انهما يعملان وفق الاتجاه المحلي وبالاضافة الى منصب الامانة العامة التي تحظى به تونس, فقد كان على هذه الاخيرة ان تحتضن من مقر البنك المغاربي للتجارة الخارجية والاستثمار الا ان هذه المؤسسة التي كان من المفروض ان ترى النور منذ عامين على الاقل تبقى الى الآن مجرد مشروع على الورق. والواقع انه قبل تأسيس اتحاد المغرب العربي لم تكن العلاقات بين الاقطار المغاربية الخمس طبيعية وتلقائية لتساعد على نسج روابط متينة بين شعوب المنطقة تتيح لها الارتقاء الى مكانة افضل في اطار تكامل وعمل وحدوي, وكانت فترة السبعينات وبداية الثمانينات حبلى بالتحولات في المنطقة من بوادر التقارب والمصالحات الى مظاهر التشرذم والتوتر التي كادت ان تفضي الى تحول جزءا من المغرب العربي الى ساحة حرب مسلحة, على غرار تلك الحرب التي كانت مستعرة طوال ثماني سنوات بين العراق وايران. ففي فترة السبعينات كانت الايديولوجيا طاغية في نسيج العلاقات الدولية ولم تسلم المنطقة من هذا الأثر في ضوء اتجاه الجزائر ابان عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الى تعزيز ايمانها بالنموذج الاشتراكي وسن سياسة تصنيع طمعت معها في ان تكون (يابان) شمال غرب افريقيا. وكانت الحرب الدبلوماسية على اشدها بين المغرب والجزائر في منظمة الوحدة الافريقية حول قضية الصحراء الغربية حيث ظلت القمم الافريقية المتعاقبة تراوح مكانها لجهة ايجاد مخرج عملي للتوتر المفتعل في المنطقة, في وقت استخدمت فيه الجزائر طفرتها المالية الناتجة عن ارتفاع اسعار النفط في السبعينات للترويج لاطروحة جبهة البوليساريو والحصول على اعترافات عدد من الدول الافريقية بــ (الجمهورية الصحراوية) . وبموازاة التوتر المغربي الجزائر حول قضية الصحراء, كانت العلاقات بين تونس وليبيا لا تستقر على حال, وخرجت على طور ان تكون طبيعية, وهي تجر وراءها فشل معاهدة الوحدة بين البلدين التي لم تعمر اكثر من 24 ساعة وانعكس سوء تلك العلاقات في هجوم وحدات مسلحة قادمة من ليبيا على مدينة قفصة التونسية مما اعطى الانطباع في تلك الفترة بان نظام العقيد معمر القذافي يريد ان يزعزع استقرار نظام الحبيب بورقيبة في اطار سياسة النظام الليبي آنذاك التي كانت تقوم على تشجيع المعارضات المسلحة في المنطقة وتمكينها من مختلف المساعدات المادية واللوجستية. وكانت العلاقات المغاربية في ضوء هذا الواقع مرشحة للمزيد من التشرذم خصوصا مع اختيار الجزائر الدخول في سياسة المحاور بابرامها مع كل من تونس وموريتانيا (معاهدة الاخاء والوفاق) في بداية الثمانينات والتي كانت ترمي في العمق الى عزل المغرب وليبيا ولم يتأخر محور المغرب ــ ليبيا عن الولادة في صيغة (معاهدة الاتحاد العربي ــ الافريقي) التي تم ابرامها في 13 اغسطس في مدينة وجدة المغربية. وكان واضحا ان تلك التحالفات الظرفية لا يمكن ان تستمر وتتوفر على المناعة للصمود بما يعزز واق التشرذم في المنطقة, ويجعلها عرضة للمزيد من اجراء التوتر. وقد اتضح ان من المستحيل اقامة علاقات وحدوية, باقصاء احد الاطراف في المنطقة وانه من الصعوبة بمكان تصور اي عمل وحدوي في المنطقة دون مشاركة المغرب والجزائر فيه باعتبارهما العمود الفقري للمغرب العربي, ومع لقاء الحدود بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد في ابريل 1987 لاحت بوادر انفراج محتمل في المنطقة, تعززت لاحقا باحتضان الجزائر للقمة العربية الطارئة (1988) التي خصصت لبحث القضية الفلسطينية, حيث كانت مناسبة لاتفاق المغرب والجزائر في مايو من ذلك العام على استئناف العلاقات الدبلوماسية التي ظلت مقطوعة طوال 13 عاما مع التزامهما بايجاد حل لقضية الصحراء, ضمن استفتاء تقرير المصير باشراف الامم المتحدة. وعقب انعقاد القمة العربية التأم اول اجتماع لقادة الدول المغاربية الخمس في العاشر من يونيو 1988 في بلدة زيرالدة الجزائرية, ايذانا بالتخلي عن سياسة المحاور والاتجاه الى بناء اطار وحدوي لجميع بلدان المنطقة, وهو ما تجسد في قمة مراكش التأسيسية لاتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989. ورغم التزام القادة المغاربيين بجعل الاتحاد اطارا للتعاون في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدان الخمسة وتعزيزه في اتجاه التكامل والعمل على حل الخلافات الناشئة بينها بالطرق السلمية وعدم استخدام اراضي اي بلد من البلدان لشن العدوان على بلد آخر عضو في الاتحاد, لم يكن مؤكدا ان الاتحاد المغاربي سيصبح حقيقة معاشة في ظرف قصير, لكن المؤكد هو ان القادة الخمسة كانوا مطالبين بالتغلب على خلافات وحساسيات الماضي والاتجاه بخطوات عملية وثابتة لبناء اتحادهم على اسس متينة تضمن فعاليته واستمراريته بعيدا عن اهواء التقلبات السياسية الظرفية. وقد تطلبت جهود تثبيت مؤسسات الاتحاد اكثر من عامين حيث احتضنت الرباط مقر الامانة العامة, والجزائر مجلس الشورى, وتونس البنك المغاربي للاستثمار والتجارة, وموريتانيا الهيئة القضائية وليبيا اكاديمية العلوم, وباستثناء مقر الامانة العامة للاتحاد التي اصبحت مؤسسة قائمة, فان الهيئات الاخرى ما زالت مشاريع لم تتوفر لها فرص الظهور والمساهمة فعليا في تحقيق اهداف الاتحاد, ومن بينها السوق المغاربية المشتركة التي كان من المقرر ان ترى النور في 1995. ولم يتوقف الاتحاد المغاربي عند هذه الحصيلة السلبية بل سجل انتكاسة كبرى بالتصعيد المغربي ــ الجزائري من قضية الصحراء والذي افضى الى ان يطلب المغرب من الجزائر باعتبارها الرئيسة الحالية للاتحاد تجميد انشطة المؤسسات الاتحادية مؤقتا احتجاجا منه على موقفها المنحاز لجبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء, وقبل الطلب المغربي لم يستطع الاتحاد من عقد قممه الدورية المقررة كل ستة اشهر بسبب رفض ليبيا تحمل رئاسته احتجاجا من العقيد القذافي على ما اعتبره (موقفا متخاذلا) ازاء ما تتعرض له ليبيا من حظر دولي نتيجة ازمة لوكربي حيث مرت اربعة اعوام تقريبا على انعقاد آخر قمة في تونس انتقلت الرئاسة بعدها الى الجزائر على اساس عقد القمة اللاحقة في اوائل يناير 1995 في المغرب. وترى جهات في مختلف العواصم المغاربية ان تفويت الفرصة على المغرب العربي لبناء تقاربه والتنسيق بين اطرافه هو مضيعة حقيقية لفرص فرض النفس على الساحة العربية والافريقية والمتوسطية والاوروبية امام التكتلات التي تتجاوز الحدود القطرية, ذلك ان دول المغرب العربي تمثل مجتمعة وزنا ديمغرافيا في حدود 75 مليون نسمة, بالمقارنة مع 650 مليون نسمة في العالم العربي و650 مليون نسمة في افريقيا و350 مليون نسمة في الاتحاد الاوروبي, اما من حيث الثراء فان مجموع الناتج الداخلي الخام لدول المغرب العربي يقدر بنحو 100 مليار دولار. الرباط ـ رضا الاعرجي

تعليقات

تعليقات