المفكر البلجيكي روبير ستوكر لـ (البيان) : الاستعمار الغربي يجدد سياساته ضد وحدة العرب - البيان

المفكر البلجيكي روبير ستوكر لـ (البيان) : الاستعمار الغربي يجدد سياساته ضد وحدة العرب

اكد روبير ستوكر رئيس تحرير مجلة (فلوار) البلجيكية الشهرية واحد المثقفين الاوروبيين اصحاب النظريات الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تلقى صدى في جميع انحاء العالم ان الاحداث التي تشهدها منطقة الخليج في الآونة الاخيرة تشكل تجديدا لسياسة انجلو ــ ساكسونية قديمة تقاد منذ زمن بعيد ضد وحدة الشعوب العربية وضد القارة الاوروبية في آن واحد. وقال ان السبب في ذلك يرجع للقوى الاستعمارية التي كان لابد لها من منع الظهور المحتمل لمنطقة الخليج ذات التبادل التجاري الحر والتنمية الاقتصادية المتمركزة ذاتيا من بحر الشمال الى الخليج. واوضح ستوكر في مقابلة مع (البيان) ان حرب الخليج الثانية ساهمت كثيرا في رفع الولايات المتحدة الى موقع قائدة كوكب الارض بعد انحسار تأثير الاتحاد السوفييتي وتفككه, مؤكدا ان واشنطن فرضت رؤيتها الخاصة للامور في المنطقة لكن هذه الرؤية ليست رؤية سلام بل فرض الامر الواقع فلم يتم حل اي من المشكلات القائمة مثل الاكراد والفلسطينيين. واكد ان واشنطن تهدف الى غلق سوق الطاقة النفطي الشرق اوسطي امام جميع القوى الصناعية الاخرى خاصة تلك المحرومة من النفط مثل دول الاتحاد الاوروبي واليابان. وقال ستوكر انه حتى لو وقعت الاردن ومصر وسوريا المزيد من اتفاقيات ومعاهدات سلام مع اسرائيل فان المشاكل لن تنتهي او تحل فهناك تحديات اخرى تواجهها المنطقة بتحريك وتنسيق وتدبير الولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية اسرائيل كالمعاهدة الاستراتيجية العسكرية التركية ـ الاسرائيلية واصرار تركيا على اقامة السدود المائية وخفض منسوب المياه لكل من العراق وسوريا. وفيما يلي نص المقابلة مع روبير ستوكر: المفهوم الأوروبي والغربي باعتبارك مثقف غربي نود ان نعرف موقفكم وتحليلكم لما حدث في خارطة العالم بعد حصول انعطافة كبيرة في النظام العالمي اثر نشوب حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي فما تأثيرات مثل تلك المتغيرات على الخارطة الدولية؟ ـ اود اولا وقبل كل شيء ان اوضح انني لا اعتبر نفسي مثقفا (غربيا) بل اوروبيا, ان هذا التمييز لم يفهم بعد بلا شك في العالم العربي ـ الاسلامي, فالغربي هو بالضرورة شخص منتم ومتحيز بوعي او بدون وعي للأيديولوجية الغربية التي ولدت في القرنين السابع عشر والثامن عشر في فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة. واحداث الخليج التي ذكرتها في سؤالك تشكل تجديدا اضافيا لسياسة انجلو ــ ساكسونية قديمة تقاد منذ زمن بعيد ضد القاراة الاوروبية وضد وحدة الشعوب العربية في آن واحد. كان التحالف الذي تم عام 1914 بين المانيا الصاعدة آنذاك (كقوة في قلب القارة الاوروبية ووارثة لللامبراطورية الهنغارية ـ النمساوية الدانوبية, والامبراطورية العثمانية وبلغاريا والتي كانت تضم الاناضول وكردستان والمشرق العربي) اقول كان ذلك التحالف ينبيء بقيام منطقة تطور وتنمية مذهلة. يحترم عددا لا يحصى من الثقافات والاديان المتنوعة التي تتكون منها تلك المنطقة وكانت تلك القوى تسير بفعل حوافز امبراطورية, نقيضة للمطامع الامبريالية التي تستند الى مباديء لا تعتمد على الصور الاحادية الثابتة والمتكررة للانسان المفترض ان يكون الكون برمته مخلوق لخدمته. اما الغرب فيبث صورة نمطية للانسان اي انسان حسابي غارق في مصالحه الذاتية وخارج من التاريخ وخال او فاقد للوازع الديني واثق من حقه حتى لو كان على حساب حق الاخر, مدمر للمكاسب الدنيوية اما الامبراطوريات فكانت تسعى لشحذ الايمان عند الانسان وهو انسان وارث لثقافات محددة وامتداد لها ومسؤول امام سلسلة الاجيال المتعاقبة المتجذرة في التاريخ المهتمة بمراعاة اختلاف الآخر ومتعـطشة لمعرفته واحترام اسراره دون التجرؤ على سلبه اياها بالقوة. اما بالنسبة للقوى الاستعمارية فكان لابد لها من منع الظهور المحتمل لتلك المنطقة ذات التبادل الحر والتنمية الاقتصادية المتمركزة ذاتيا المنطلقة من بحر الشمال الى الخليج والمحترمة لاستقلال جميع الشعوب وخصوصياتهم الثقافية والدينية, وهو النقيض للممارسات الاستغلالية الاستعمارية, وضد المعادلة الاباحية الفوضوية واللاشرعية التي تسم طبيعة الايديولوجية الغربية. ولنا في مؤلفات اندريه شيرادام الجغرافي المشهور في خدمة الجيش الاستعماري عبرة ودروس وهو الذي دعا فيها الى تفكيك الامبراطوريات النمساوية ـ الهنغارية والعثمانية بصورة تهشم الخط الاقتصادي ـ الاستراتيجي هامبورج ـ الكويت, وخلق دول جديدة غير متجانسة فيما بينها وذات حدود غير ثابتة وغير مستقرة او مضمونة ومثيرة للكثير من النزاعات الانضمامية التي اصبحت اساسا لمشاكل الحدود الحالية, ولاجل هذه الغاية كان ينبغي منع الدانوب من ان يصبح الطريق النهري الرئيسي لاوروبا ومحور الاتصالات الرئيسي ومنع انشاء واستغلال طريق السكة الحديد الاستراتيجي هامبورج ـ برلين ـ بغداد ـ الكويت, وتقطيع حوض وادي الرافدين الغني وفصله عن منابعه الاناضولية, وبلقنة الشرق الاوسط. ان هذه السياسة طبقها الانجليز ويطبقونها الآن هم ومن بعدهم وبالتواطؤ معهم ــ الامريكيون ـ وذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى الى اليوم بدون انقطاع او توقف, فالوحشية والسرعة التي قمعت بهما ثورة الاكراد في ولاية الموصل عام 1922 وقمع انتفاضة الزعيم العراقي رشيد عالي عام 1941 هي الاستمرار المنطقي لهذه الجيو ـ استراتيجية. وبعد انهيار جدار برلين قبل نشوب حرب الخليج اجاب أحد الدبلوماسيين العرب وهو الجزائري محمد سحنون, على سؤال يتعلق بالمستقبل الاستراتيجي للعالم بعد اختفاء الستار الحديدي وانتهاء نظام القطبين وصراع الشرق والغرب, قائلا: ان واشنطن ستركز قواها في المنطقة واذا كان بالامكان في الجزء الجنوبي من العراق اي منطقة البصرة ذات الاغلبية الشيعية لان الهيمنة على هذه المنطقة الواسعة هي مفتاح ومحور ومركز ثقل النظام العالمي الجديد كما صاغه وتصوره جورج بوش وعلى خلفية هذه الكتلة النفطية العربية وبعض الافلاك المحيطة بها تعتمد استراتيجية الولايات المتحدة الامريكية ولابد اذن من فرض الامن والاستقرار وتحييد القرن الافريقي من خلال احتلال مناطق فاصلة وعازلة تستخدم كنقطة انطلاق في حالة احتمال القيام بتدخلات عسكرية في المناطق الغنية بالمعادن في زائير مثلا, وهكذا تم اضعاف وانهاك العراق واحكام السيطرة على منطقة الخليج التي وضعت ضمن فلك الاستراتيجية الامريكية باعتبارها منطقة حيوية للمصالح الامريكية. مستقبل السلام بعد هذا الحدث وابتداء من السنة الاولى لعقد التسعينات اكدت الولايات المتحدة الامريكية دورها كقوة مهيمنة ومنفردة بحكم الكوكب وفارضة لرؤيتها لما يسمى بالسلام في الشرق الاوسط. وهكذا اصبح لزاما على العرب في خط المواجهة وما خلفه الاسراع لتوقيع معاهدات سلام مع اسرائيل بلا مقابل يذكر من جانب هذه الاخيرة فهل تعتبرون مايحدث تطورا ايجابيا لظروف المنطقة؟ ـ من المؤكد ان حرب الخليج الثانية ساهمت كثيرا في رفع الولايات المتحدة الى موقع قائدة الكوكب بعد انحسار تأثير الاتحاد السوفييتي وتفككه, وقد فرضت الولايات المتحدة رؤيتها الخاصة للامور في المنطقة لكن هذه الرؤية ليست رؤية سلام بل فرض الامر الواقع وانسجاما مع استراتيجيتها القديمة وهي فرّق تسد او البلقنة من اجل احكام السيطرة بصورة افضل واسهل فان السياسة الامريكية لا تقيم في المنطقة سلاما حقيقيا, فلم يتم حل اي من المشكلات القائمة ـ الاكراد والفلسطينيين والاقليات الاخرى ــ وحتى لو وقعت الاردن ومصر سوريا اتفاقيات او معاهدات سلام مع اسرائيل فان مشاكلها لن تنتهي او تحل فهناك تحديات اخرى تواجهها بتحريك وتنسيق وتدبير من الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها الاستراتيجية اسرائيل كالمعاهدة الاستراتيجية ـ العسكرية التركية ـ الاسرائيلية واصرار تركيا على اقامة السدود المائية وخفض منسوب المياه لكل من العراق وسوريا. فالولايات المتحدة الامريكية فرضت ارادتها على الشرق الاوسط ولم تقدم سلاما, لذا يمكنني القول انه لم يحدث تطور ايجابي في المنطقة ولم يحصل سوى نقل للمشكلات من مكان لآخر. هناك مفكرون امريكيون ايدوا هذه الاستراتيجية ونظروا لها كصاموئيل هينتجنتون وغيره وآخرون عارضوها كنعوم شومسكي لماذا؟ ـ هذا امر طبيعي فالذين يؤيدون هذه السياسة وهذه الاستراتيجية يعتقدون بأن منطقة الشرق الاوسط, والاسلام بصفة خاصة يحتضنان العدو القادم للحضارة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكي, وانه لابد من صدام الحضارات وبالتالي لابد من شن حرب باردة على العدو الذي حل محل العدو الشيوعي القديم. نعوم شومسكي هو المفكر الاكثر شهرة بين الامريكيين الذين عارضوا هذه السياسة وقد اشار في كتابه (النظام العالمي القديم والجديد) الصادر عن جامعة كولومبيا عام 1994 الذي يضم ويجمع ويكمل محاضراته التي القاها في جامعة القاهرة, الى ان هدف الولايات المتحدة الامريكية الحالي هو اعادة احياء مبدأ مونرو القديم. ففي عام 1823 اعلن الرئيس الامريكي جيمس مونرو ان الولايات المتحدة الامريكية تعتبر اية محاولة اوروبية لاحتلال موطيء قدم في امريكا اللاتينية او اي مكان يقع في دائرة المناطق الامريكية الغربية مثل كندا وغيرها, بمثابة المساس بمصالحها الحيوية واعتداء على اراضيها الوطنية. وبذلك توجب على شعوب امريكا اللاتينية القبول بسياسة الباب المفتوح للامريكيين بينما اغلقت الولايات المتحدة ابواب العالم الجديد امام اوروبا, ومنذ انحسار التأثير البريطاني الذي بدأ تدريجيا غداة الحرب العالمية الاولى, طبقت الولايات المتحدة الامريكية وفرضت على الشرق الاوسط المعايير نفسها التي فرضتها وطبقتها على امريكا الجنوبية. وهذا المشروع تم الاعداد والتخطيط له منذ عام 1944 حيث اضطر الانجليز الضعفاء بسبب الحرب العالمية الثانية للتخلي عن مواقعهم للامريكيين في الخليج. وقد كتب نعوم شومسكي) ان الولايات المتحدة لم تكن تحتاج لنفط الشرق الاوسط لنفسها ـ آنذاك ـ بل الغرض هو تأمين انتقال ارباح هذه المادة الغنية مباشرة الى امريكا ومن ثم الى الدول الاخرى التابعة لها التي هي بريطانيا وللشركات الامريكية النفطية العملاقة وليس لشعوب المنطقة) اذن كان الهدف هو السيطرة والهيمنة على نظام الطاقة العالمي وحالة اليابان كمثال, ملفتة للنظر فقد اقترح جورج كنعان عام 1949 ان تحتفظ الولايات المتحدة الامريكية بين يديها وتحت اشرافها وسيطرتها على الاستيرادات اليابانية من النفط بصورة تحفظ لامريكا حق الفيتو على السياسة الصناعية والعسكرية لليابان, وقد لاحظ نعوم شومسكي ان اوروبا ازيحت او بالاخرى ازاحت نفسها بيدها من فضاء الشرق الاوسط بعد حرب الخليج الثانية فتخلت عن سياستها المستقلة في هذه المنطقة وانحازت او انضمت الى سياسة واشنطن التي تفرض على الدول الغربية توجها تابعا وغير مستقل عن الاستراتيجية الامريكية وتفرض على الدول المتمردة في العالم العربي العقوبات والحظر والعزلة والركود كالعراق وليبيا والسودان وسوريا, يشرح الجنرال الاسرائيلي شلومو جازيت ويحدد بوضوح الدور الذي يجب ان تلعبه اسرائيل في هذا السيناريو الذي تنفذه الولايات المتحدة قائلا: ان موقع اسرائيل في قلب ومركز الشرق الاوسط العربي والاسلامي يجعلها تضطلع بدور الحارس لاستقرار كافة البلدان الموجودة هناك والمحيطة بها ودورها ايضا هو حماية الانظمة القائمة وتوقع ومنع حدوث عمليات التطرف وغلق الطريق امام امتدادات المد الديني الاصولي بالمعنى والاتجاه الذي تتبناه وتريده الولايات المتحدة واليمين الاسرائيلي ان عملية التطبيع المطلوبة تندرج فعلا في توجه واستمرارية السياسة الامريكية في المنطقة التي ثبتت اسسها منذ الحرب العالمية الاولى. أوروبا والعالم العربي ماهي آفاق العلاقات بين الاتحاد الاوروبي والعالم العربي؟ هل هناك امكانية للتلاقي والتنسيق والتكامل ام لابد من المجابهة والمنافسة وهل هناك بديل آخر؟ ـ ان تاريخ الجيوبولتيك يعلمنا ان حوض البحر الابيض المتوسط ليس حاجزا بل فضاء للاتصالات والتواصل. ولن يتغير هذا المفهوم مستقبلا. ان العالم العربي ـ الاسلامي والاتحاد الاوروبي مرغمان على التحاور بسبب القرب الجغرافي والتاريخ المشترك وعلى الرغم من ظهور تيار معاد للهجرة في اوروبا وتيار اسلامي متشدد يرفض التعامل مع اوروبا وبالاخص في مصر والجزائر, لا يجب ان نعتقد بان شعوب هذين الفضائين منذورون للصراع والمواجهة الحتمية الطويلة الامد. الحوار والتعاون لا يعني الاندماج والدمج والانصهار وفقدان الهوية او الخصوصية. التوجه اليوم يجب ان يكون على النقيض مما كان سائدا في الفترة الاستعمارية الفرنسية والانجليزية التي ارادت تذويب هذه الشعوب وصهرها او دمجها بالقوة مع مفاهيمها واخلاقياتها الغربية. اي يجب على الغرب ان يدرك ويستوعب اهمية الاحتفاظ بالخصوصية العربية ـ الاسلامية والهوية العربية ـ الاسلامية والبنية العائلية التقليدية والتقاليد والعادات الشرقية المرتبطة بالدين والاعتقاد الديني. ومن هنا فان اي حوار عربي اوروبي يجب ان يرفض الخلط بين المعتقدات الدينية والتشريعية والاخلاقية والتاريخية التي لدى الجانبين بل على العكس يجب ان يعمل على تعميقها وصقلها بدون تشويهها او تحريفها فلا يجب على المسلمين ان يتخلوا عن اسلامهم من اجل علمانية اوروبية ولا العلمانيين الاوروبيين ان يقلدوا الاديان التقليدية على حساب علمانيتهم وتشريعاتهم من الرومانية ـ الجرمانية. الحوار ممكن في اطار نفعي تكنيكي, احترافي , تجاري , جامعي, وطبي الخ... حيث يجب زيادة معدل التبادلات بدون التخلي عن الاعتقاد الديني والتقاليد الاخلاقية الضاربة في الجذور فالنخب العربية والاوروبية يتكلمون نفس اللغة التقنية ولكن ليس بالضرورة انهم لن يتفهموا بعضهم الا بالتخلي عن انتماءاتهم الدينية والاخلاقية التقليدية. ان الحوار ممكن في ظل استمرار الانظمة التربوية والتعليمية السائدة في العالمين العربي والاوروبي مع ادخال بعض التحسينات والتطويرات عليها ففي المدارس الاوروبية هناك الكثير من الطلاب العرب المسلمين الذين يحققون نتائج باهرة ودرجات عالية خاصة اذا احاطتهم العناية العائلية بالحب والحنان الضروريين والمتابعة والسهر والدعم المادي والمعنوي. لكن غياب العائلة ودورها يؤدي الى الفشل الدراسي والى الضياع والتسكع سواء كاهن الطالب اوروبيا او عربيا. ماهو الشكل الذي سيتمخض عنه العالم بعد انتهاء القطبية الثنائية وماهو دور اوروبا في هذه المتغيرات الدولية؟ ـ ان انتهاء القطبية في اوروبا كان امرا مرغوبا تتمناه كل دولها, لان الآفاق كانت مغلقة في السابق فحشد القوات والسباق نحو التسلح ومراكمة الاسلحة الفتاكة كان يخلق جوا خطيرا وخانقا ومتوترا على الدوام فاسلحة التدمير الشامل والنووية بالذات منها كانت تخلق نوعا من الرعب الدائم خاصة في المانيا فسقوط جدار برلين وانزياح الستار الحديدي خلق حالة من الارتياح الشامل في اوروبا وبالاخص في اوروبا الوسطى والمانيا وهنغاريا والدول السلافية وكذلك في فرنسا وبريطانيا, ولكن كانت هناك مخاوف في نفس الوقت من عودة المانيا الى مقدمة المسرح السياسي والاقتصادي العالمي. وكان انحسار النفوذ السوفييتي عن اوروبا الوسطى والشرقية قد اعاد الى الحياة استراتيجيات توحيد اوروبا برمتها وخلق القطب الاوروبي المنافس للقطب الامريكي. فقد خلقت تلك المتغيرات حالة من التزعزع واللااستقرار في منظومة الاتحاد السوفييتي السابق فبعد تحرر دول اوروبا من الفلك السوفييتي تحررت منه الجمهوريات السابقة فيه وعلى رأسها اوكرانيا وتطالب دول اخرى كتتارستان وتشيشان باستقلالها من الفيدرالية الروسية مما ترك روسيا الموحدة ضعيفة ومهددة من الداخل والتي يمكن ان تنشطر بدورها الى ثلاثة اقسام: قسم غربي غرب الاورال وقسم وسطي في سبيريا وقسم شرقي متجه نحو الباسفيك. هذا فيما يتعلق بالفيدرالية الروسية التي يتعين عليها التوصل الى صيغة تعاون دائم مع المناطق غير الروسية المستقلة عنها او عن الاتحاد السوفييتي حديثا مما يمكن ان يضمن لها حدودا آمنة وقابلة للدفاع. وبذلك ستحافظ روسيا على هؤلاء المحاورين الثلاثة: اوروبا والعالم الاسلامي واليابان مع الاحتفاظ بخصوصيتها الاوراسية, ودورها التوحيدي, فوجود روسيا ضعيفة ومفككة ليس من مصلحة اوروبا بل على العكس يصب ذلك في مصلحة الامريكيين فقط. باريس ـ شاكر نوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات