مخاوف واشنطن... مراوغة طهران: مخاطر الحوار الأمريكي الإيراني - البيان

مخاوف واشنطن... مراوغة طهران: مخاطر الحوار الأمريكي الإيراني

كانت الفرصة المنشودة لقلب صفحة العلاقات الامريكية الإيرانية المتوترة والبدء بحوار بناء.. هذا ما تعتقده بعض الأوساط السياسية الأمريكية التي باتت تعتقد بإمكانية عقد مثل هذا الحوار بعد وصول الرئيس الايراني المعتدل والمثقف محمد خاتمي للسلطة بانتخابات ديمقراطية شعبية حرة. فبعد تبادل التصريحات التصالحية بين الرئيسين الايراني والأمريكي خاتمي وكلينتون, برز التساؤل المهم حول كيفية نسج خيوط هذا الحوار المأمول والمحتمل الذي انقطع قبل تسعة عشر عاماً, بعد التصريحات المشجعة التي صدرت من الجانبين. لكن واشنطن أبقت على حذرها بعد اخفاق العديد من محاولات الوساطة والمساعي الحميدة التي عرضت الولايات المتحدة للاهانة والشعور بالاحباط مما يفسر صمتها الطويل الحالي ازاء الاشارات الايرانية التي تلوح باستعداد طهران لمثل هذا الحوار الصعب. وتعترف الدبلوماسية الامريكية بأنها لا تملك كافة المفاتيح الضرورية لتقويم عرض الرئيس الايراني محمد خاتمي تقويماً صحيحاً وادراك ابعاد مساعي ولعبة السلطة في طهران التي تعيش حالة من الصراع الخفي, خاصة بعد حرمان الدبلوماسية الأمريكية ولزمن طويل من مركز مراقبة في طهران بعد قطع العلاقات بين البلدين. ان اللغة المستخدمة من جانب (جورباتشوف ايران) ــ كما يسميه الامريكيون ــ هي بالتأكيد لهجة ايجابية مطمئنة وربما لم يسبقها مثيل في عهود الرئاسة الايرانية السابقة, ولكن ما هو بالضبط تاثير وسلطة ونفوذ الرئيس الايراني؟ وبأي اتجاه سيوجه خطوته القادمة بهذا الصدد؟ هل سيقوم بخطوة أخرى إلى الأمام أم سينصاع لسياسة العصا والتصلب التي يفرضها مرشد الثورة الإسلامية المتشدد أو الراديكالي على خامنئي؟ لا تستبعد واشنطن أن تكون هذه الخطوة جزءا من عملية الخداع من جانب إيران غايتها إبراز وإثبات التعنت الأمريكي تجاه السلطة الإيرانية وعداء الولايات المتحدة الأمريكية المتجذر للجمهورية الإسلامية التي أصبحت معتدلة وعقلانية مع مرور الزمن الأمر الذي لا تريد واشنطن أخذه بعين الاعتبار. وأخيراً يتساءل الأمريكيون حول ما إذا كانت طهران ستتحول من مجرد الكلام إلى العمل الجاد والملموس. الخطوة الصغيرة إن هذه المخاوف التي عبر عنها مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية تعكس أهمية لعبة الشطرنج الدائرة حالياً بين الطرفين المتخاصمين. إن هذه العملية في جوهرها خصبة خاصة من الناحية التجارية والاقتصادية للبلدين ومفيدة للاستقرار الاقليمي وعامل مهم لتأمين تدفق الوقود والنفط إلى الدول الغربية التي تعتمد كليا على ذلك في تنمية اقتصادياتها خاصة عندما نعرف أن العراق وإيران يمتلكان وحدهما 21% من احتياطي النفط العالمي المثبوتة. إزاء أهمية مثل هذا الرهان, ونظراً لانعكاسات وتبعات سياسة عزل إيران التي لمسنا مؤخراً في القمة الإسلامية بطهران كيف انها تحولت ضد الولايات المتحدة الأمريكية وادانتها اقليميا, اعترف الأمريكيون صاغرين بأن سياسة الحوار النقدي التي اتبعتها أوربا تجاه إىران يمكن أن يكون لها فائدة وتأتي ثمارها قريباً. ولكن لا شيء يستدعي التسرع فسياسة الخطوات الصغيرة هي المفضلة لدى الإدارة الأمريكية. فقد أعلن الرئيس الإيراني محمد خاتمي انه يتوجه إلى الشعب الأمريكي الذي سيعرب عن رأيه في حوار مباشر معه. أما بيل كلينتون فذهب إلى أقصى وأبعد ما يستطيع للتعبير عن اهتمامه وأمله بأن تنضج العلاقات الثنائية وتتطورر وتتخلص من هذا التقسيم الخاطئ (الشيطان الأكبر) و(دولة خارجة عن القانون) . وتشير وزارة الخارجية الأمريكية أنها تسلمت الرسالة وردت عليها بالإيجاب, والكرة الآن في الملعب الإيراني. فحتى الآن لم تتخل إيران رسمياً عن دعمها للإرهاب على حد زعم واشنطن ولم توقف جهودها ومساعيها للحصول على أسلحة التدمير الشامل أو تخريب مساعي السلام العربية ــ الإسرائيلية. مع ذلك تخلت واشنطن جزئياً عن لهجة التأنيب التي اعتادت الإدارة الأمريكية استخدامها حيال إيران فقالت: (نحن لا نفرض شروطاً مسبقة لكننا نريد علامات ملموسة واقعية لهذا التوجه الإيراني الجديد, ودليل على صدق هذه الرغبة بالحوار) . المطلوب هو تشجيع مبادرات من شأنها تسهيل إجراء هذا الحوار من خلال اتخاذ خطوات وتدابير متبادلة تثبت حسن نية الطرفين وجديتهما. الآراء متباينة بهذا الخصوص. ويعتقد ريشارد هاس مديرر دراسات السياسة الخارجية في مؤسسة بروكلين: (يجب تجريب وتقصي إمكانيات حوار مباشر بين الحكومات) . بينما يعتقد مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية من جهتهم بضرورة: (أن يقوم كل طرف بخطوة إضافية في كل مرحلة من مراحل تطور الحوار) ويشدد هؤلاء المسؤولون الأمريكيون على مخاطر التسرع والإندفاع بلا تروي في هذا الطريق. أزمة الرهائن يعلق مسؤول أمريكي كبير آخر قائلاً: (منذ الثورة الإسلامية عام 1979 كانت علاقاتنا صعبة بمكان مما جعل الأمور تتعقد أكثر فأكثر ولم يعد أمراً بديهياً أن يصبح الرد الأمريكي الإيجابي والفوري جداً شيئاً جيداً بالنسبة للمؤيدين للتغيير داخل إيران. فأمريكا تثير الإنقسامات بين الإيرانيين أكثر مما توحد بينهم ولذلك علينا أن ننتبه وألا نخنق الصوت الذي نود أن نسمعه من خلال تعانقنا بقوة وبصورة مبالغ بها) بعبارة أوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية في محاولتها لتقديم الدعم والتأييد للرئيس محمد خاتمي قد تؤجج معارضة التيار الراديكالي في السلطة الإيرانية وتستثير ردة فعل عنيفة لدى آية الله خامنئي. إلى جانب وجود عوامل أخرى تدفع الولايات المتحدة الأمريكية للتروي. فريشارد فيربانكس مدير عام مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية يقول: (إن مسألة العلاقات مع طهران بمثابة حقل ألغام للإدارة الأمريكية. فإىران تظل موضوعاً انفعالياً مثيراً للمشاعر الحساسة جداً بالنسبة لكثير من الأمريكيين ولم ينس الأمريكيون بعد أزمة الرهائن إبان عهد الرئيس جيمي كاتر. كما يعرف الأمريكيون من خلال وسائل الإعلام المعادية لإيران أن هذه الأخيرة تساند الإرهاب فإذا تم إثبات مسؤولية طهران في حادثة تفجير قاعدة الخبر في السعودية في يونية 1996 والتي راح ضحيتها 19 جندياً أمريكياً, لا ينبغي في نفس الوقت إذن المضي في حوار على مستوى عالي مع الإيرانيين. فالخبر قنبلة مؤقتة في نظر الرأي العام الأمريكي) . ان هناك ما يبرر دبلوماسية الخطوات الصغيرة كما يعتقد المسؤولون في وزارة الخارجية. فهناك ذكريات أليمة تقفز إلى الأذهان وتعشعش في الذاكرة. في مايو 1986 قام روبرت مالفرلن مستشار الأمن القومي السابق للرئيس رونالد ريجان برفقة الكولونيل أوليفر نورث بمهمة سرية في طهران على متن طائرة متخمة بالأسلحة استخدمت كثمن للحصول على إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين المحتجزين من قبل جماعات إسلامية موالية لإيران في لبنان. وفي صفقة المخدوعين تلك تعرض مبعوث الرئيس الأمريكي للسخرية والإهانة. ملفات حساسة لهذا يشدد المسؤولون الأمريكيون اليوم على أن يقوم الممثلون الإيرانيون الرسميون والمسموح لهم بذلك رسمياً, ببدء استئناف الحوار الثنائي الذي يجب أن يكون بدوره ( حوارا رسميا) مصرحا به لكن ذلك لا يعني أن يكون علنياً. وفي نفس الوقت وبدون رفض عرض الوساطة السعودي فإن واشنطن لا ترغب بأية وساطة ولا تعتبرها ضرورية. فبدون وجود مبادرة ذات شأن من جانب الإيرانيين فإن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يعرف تمام المعرفة أن الجمهوريين في الكونجرس سيدينون ويشجبون أية عملية تقارب أمريكي ــ إيراني, والحال أن الإدارة الأمريكية لا تملك أسباباً تمنعها من الاعتقاد بأن إيران قلّصت دعمها لمنظمات الجهاد الإسلامي وحزب الله. وتتجه إدارة كلينتون إلى تصديق المزاعم الإسرائيلية التي وردت على لسان نتانياهو والتي تدعي أن طهران تسعى لإمتلاك صواريخ باليستية بعيدة المدى, وفي نفس الوقت تواصل طهران تعاونها النووي مع دول كوريا الشمالية وروسيا والصين. ولذلك فإن أي حوار مع إيران يجب أن يركز على هذه الملفات الحساسة أولاً إلا أن هذه التحركات الدبلوماسية المدروسة تحظى بتشجيع ممثلي الصناعات النفطية الأمريكية المنزعجين من رؤية منافسيهم, خاصة الفرنسيين والروس, يقضمون حصصهم في السوق الإيرانية النفطية المهمة. ما زالت الإدارك الأمريكية مترددة في تطبيق العقوبات الواردة والمنصوص عليها في قانون (داماتو) حيال هذه الشركات الأجنبية المتعاملة مع طهران باستثمارات تفوق الحد المسموح به بموجب القانون المذكور. وذلك خوفاً من تسميم العلاقات بين واشنطن وبعض حلفائها. ولم تعد واشنطن تنتقد بشدة أو تشجب الحوار النقدي الذي يتبعه الأوروبيون مع إيران مع اعترافها بأن سياسة الاحتواء والعزل التي اتبعتها الولايات المتحدة تجاه إيران لم تكن فعالة لتغيير سلوك طهران. إن موقف الأوربيين يضع الأمريكيين في موضع فريد. فسياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية المطبقة على إيران والعراق في آن واحد أثبتت محدوديتها وعدم فاعليتها. فطهران حطمت عزلتها وبغداد تلعب بحذاقة على الخلافات داخل دول التحالف في حرب الخليج. إن هذا الواقع وما آلت إليه الأوضاع العالمية والاقليمية وإخفاق السياسة الأمريكية هو الذي حثّ الإدارة الأمريكية للموافقة على استئناف الحوار الأمريكي ــ الإيراني حتى لو كان حواراً ذا مخاطر كبيرة على الأمريكيين. باريس ـ البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات