رؤية علمية

ثورة في القراءة الإلكترونية

عبر القديس أوغسطين في كتابة بعنوان «الاعترافات» عن دهشته عندما رأى القديس أمبروس يقرأ بصمت لنفسه. واليوم، يمكن اعتبار هذا اللقاء الهادئ الذي حدث قبل 16 قرناً مضى، إحدى العلامات المبكرة للثورة التي حدثت في طرق القراءة المعروفة في ذلك الزمن، حيث كانت المكتبات تعجب بصخب الأصوات المتنافسة. وهذا مثال يستحق أن نتذكره على أنه فترة شهدت تغيرات لا مثيل لها.

أما اليوم فلانزال نعيش في السنوات الأولى لعقد الكتابة الإلكتروني. ورغم فوائده الكبيرة، إلا أن استفادة الناشرين من الإمكانيات الإبداعية لهذه التكنولوجيا الجديدة كانت محدودة، بينما أقبل القراء عليها بأعدادهم المتزايدة، واستخدموها لتجاوز الطرق التقليدية المطبوعة، وحولوا أنفسهم إلى كتاب.

وبحسب إحصاءات كشف عنها في معرض فرانكفورت للكتاب حديثاً، فإن حجم ما أحدثته الثورة الإلكترونية الأخيرة مذهل. فقد تم نشر 391,000 كتاب من قبل مؤلفيها في أميركا عام 2012، أي بارتفاع 59%، عن معدل السنة السابقة. وتُقارن هذه النسبة التي تضم الكتب الورقية والإلكترونية مع 301,642 كتاباً مطبوعاً أصدرها الناشرون التقليديون. وتتضح الصورة أكثر في قصة طالبة الفيزياء البريطانية بيث ريكلس، ذات الـ18 عاماً، التي اختيرت من قبل مجلة «تايم»، كواحدة من بين 16 مراهقة اعتبرن الأكثر تأثيراً في العالم، حيث قدر عدد مقلديها بـ19 مليون شخص.

وعلى الرغم من سهولة انتقاد ما يكتب هؤلاء الأشخاص واعتبار منجزاتهم أحداثاً عابرة، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن أغلبية الكتب المنشورة قد تختفي دونما أثر. ويأمل الناشرون أن توجد الكاتبات أمثال بيث قراء جدداً وبأعداد كبيرة. فبيث انضمت إلى موكب المؤلفين الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ويشقون طريقهم نحو صفقات النشر التقليدية.

وتتعقد صورة الموقف أكثر لدى إدراك المرء ما لهذه الثورة في القراءة من تأثير في الأدب نفسه. ففي كل حقبة من التغير التكنولوجي، تتفتح آفاق جديدة. وهذا النوع من النشر غير التقليدي لا يعتبر استثناء. ولاتزال الكتب الإلكترونية محصورة في النسخ الإلكترونية للمخطوطات التقليدية.

غير أن القراء أيضاً يسهمون في صناعة السباق الإلكتروني الجديد، وذلك عبر تعليقهم على الكتب التي يقرؤونها. وعلى الرغم من أن المشاركة في قراءة هذه الكتب لا تكون بسهولة المشاركة في الكتب الورقية، إلا أنه من السهل أن يوصي بها القارئ للآخرين عبر تعليقه عليها أو جعلها متاحة للجميع، وبالتالي يصبح الوضع شبيها بغرفة القراءة المكتظة، أي على غرار مكتبة الإسكندرية العظيمة قبل أن يرى القديس أمبروس القديس أوغسطين طريقة القراءة الصامتة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات