موقع إيرلندي: ساروق الحديد مثال تاريخي عن الاستدامة

كشف علماء آثار جنوبي إمارة دبي على أدلة تثبت وجود مبدأ إعادة التدوير للأفضل قبل 3000 عام مضى. وعثر علماء آثار بولنديون على أغراض "معاد تدويرها للأفضل" في موقع ساروق الحديد الأثري الشهير، الواقع بالقرب من الطرف الشمالي لصحراء الربع الخالي. الأدوات التي تمّ اكتشافها، وفقاً لموقع "إينشنت أوريجينز" الإيرلندي تعود إلى العصر الحديدي الممتد قبل 3000 عام، وتُظهر مركزاً للتعدين عمد سكان ذلك الزمن من خلاله إلى إعادة تشكيل القطع السيراميك المكسورة بدل التخلص منها، فكانوا "الروّاد الأوائل في الحفاظ على البيئة" ومثالاً صادقاً للاستدامة. 

وتعتبر ساروق الحديد مركز تعدين صناعي عتيق متخصص في صهر النحاس، وإن الطبقات السميكة المتعددة من ركام المعدن الأسود تؤكد للعلماء بأن قاعدة الإنتاج تلك دامت حتى فترة ما قبل الإسلام، في العام 300 ب. م. وقد أصبح هذا المجتمع الصحراوي، الذي كان يوماً ينبض بالحياة مغطىً بكثبان من الرمال 

وتكشّف الموقع، حيث بدأ علماء الآثار التنقيب فيه منذ العام 2002، عن كمٍّ هائل من أدوات يعود عمرها لـ 300 عام مصنوعة من البرونز والنحاس والحديد والذهب والفضة. وتؤشر اكتشافات الموقع على وجود واحة أو مجمّع واحات وأعداد وفيرة من الأشجار وربما بحيرات في بيئة كانت تنعم بفترة من الازدهار والسلام نسبياً.

الصورة :

وأسفرت أعمال تنقيب حديثة عن عثور علماء الآثار البولنديين على 2600 قطعة معدنية  تضم أسلحة وأدوات زينة ومجوهرات إضافةً لأدوات تحمل دلالةً رمزية أو سحرية كتماثيل الأفاعي، بحسب الدكتورة ينتز. ويعتقد أن غالبية تلك القطع قد صنعت قبل 3000 عام، إلا أن الباحثين يعلمون اليوم بأن أعمال التنقيب والصهر كانت تتم في الموقع قبل ألف سنة مما يعتقد. 

وأشارت الدكتورة ينتز في حديث صحفي إلى أن الأوعية السيراميكية المكسورة لم تكن ترمى بل يتم التعديل عليها لتغدو أدوات مفيدة، الأمر الذي يعدّ التفسير الوحيد الذي يبرر مواقع أفران إنتاج المعادن في منطقة تشكل اليوم صحراء لا متناهية. وقد أعرب علماء الآثار البولنديون عن دهشتهم للعثور على آثار من العصر الحديدي تعادل فكرة إعادة التدوير للأفضل، بما يعني أنه قبل 3000 عام، كان السكان يلجؤون إلى إعادة تدوير الأشياء بدلاً من رميها. 

وفي حين أعربت الدكتورة ينتز عن رضاها التام عن نتائج الموسم الأول من التنقيب، أكدت وجود العديد من الأسرار التي تنتظر نفض الغبار عنها. وبالرغم من أن أعمال التنقيب الدقيقة قد غطّت مساحة 300 متر مربع، فإن العمل في ساروق الحديد اتسم بعدد من الصعوبات نظراً للحاجة الدائمة "للتصدي للكثبان والانزلاقات الرملية الصحراوية المتغيرة على الدوام."

ولم تكن التحديات البيئية لساروق الحديد لتكون مختلفة أيام ازدهارها، ولا بدّ أن العمّال كانت ترهقهم مسألة الأخذ بالحسبان الظروف المناخية القاسية، كثيرة التغيرات، تماماً كما الكيميائيين الذين كانوا بحاجة لدرجات حرارة دقيقة للتحكم بكثافة الأمزجة على النحو الأمثل. 

الصورة :

وعلى نحو لا يقل أهميةً عن الكنوز المعدنية المكتشفة، تمّ العثور على 53 ختماً من الطين يمثل المجموعة الأضخم من أختام العصر الحديدي في المنطقة. وتتميّز الأختام برموز آلهة دلمونية، وتصاميم أخرى تشمل أشكال حيوانات وهلال وهرم ونجمة، الأمر الذي يبيّن وجود صلات مع بلاد الرافدين، والمنطقة الهندو إيرانية، ومصر. وفي العام 2017، أشارت جامعة "نيو إنغلاند" الأسترالية في دراسة بحثية نشرتها ندوة الدراسات العربية، بعنوان ساروق الحديد مشروع بحث في الآثار، إلى أن وجود مجموعة أخرى من الأختام والفخاريات تشير لروابط بين الموقع والسومريين في بلاد الرافدين، في حين تؤشر أحجار العقيق الأحمر على روابط مع وادي السند. 

وتبنت العلاقات الدولية الممتدة لساروق الحديد حين أطلقت جامعة "نيو إنغلاند" برنامج تنقيب ميداني للموقع حيث تمّ إيجاد أدوات خشبية محفورة تعود لأوائل العصر الحديدي مصنوعة من أخشاب محلية مثل الأكاسيا والغاف والسدر، إضافةً إلى أخرى مصنوعة من خشب شجر الزيتون والصنوبر، فيما يدلل على علاقات تجارية قديمة مع المشرق. 

الصورة :

ويضم متحف ساروق الحديد للآثار في قلب حيّ الشندغة اليوم مجموعات مذهلة وشروحات مفصّلة للتاريخ الأثري لكافة الأدوات التي عثر عليها. ويتميّز بشكل أساسي بالبساطة التي تطبع الغرف المصنفة بحسب المجموعات الموزعة على الأدوات المعدنية، وعظام الحيوانات، ورموز الأفاعي، والحليّ، التي تخبر عن قصة حضارة مفقودة من عمّال التعدين في صحراء حارقة.

كلمات دالة:
  • ساروق الحديد،
  • تاريخي،
  • الإمارات،
  • آثار
طباعة Email
تعليقات

تعليقات