الشاي عند الصينيين.. فن وعلم وعطر

مسافة طويلة قطعها الشاي الصيني، منطلقاً من حقول الصين الممتدة كبساط أخضر كثيف باتجاه ربوع العالم، حاملاً معه حكايات فريدة تروي شغف مجتمعات كثيرة بالنكهات والألوان والعطور، ما جعل الصينيين يعتبرونه رمزاً لثقافتهم وحسن الضيافة لديهم، لدرجة أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يعتمده كرمز ثقافي للدبلوماسية في المناسبات الرسمية، لا سيما في لقاءاته مع زعماء العالم.

ولتلك النبتة الاستوائية دائمة الخضرة حكاية شغف وصقل مستمرين. فالوسائل الحديثة للإنتاج والتخمير وتناول شراب الشاي الصيني استغرقت زمناً طويلاً في الصنع، وقد انتقل المشروب من مقاهي الصين الخشبية التقليدية، عاكساً روحية حضارة قديمة، وانتشر حول العالم، حيث أسس كل مجتمع من المجتمعات طريقته الخاصة في التمتع بمذاقه.

أسطورة

ورد ذكر الشاي عند العرب لأول مرة، لدى البيروني في كتب رحلاته، حيث وصف «بأن الصينيين كانوا يشربون شراباً ذهبياً يسمى الشاي».

ويقدر بعض المؤرخين أنه انتقل إلى بلادنا من القرن التاسع عشر، حيث اختلفت طريقة إعداده من منطقة إلى أخرى، في حين ينظر إليه الصينيون كمزيج من فن وعلم ومذاق وعطر ولون، وقد كان مشروباً للملوك والأباطرة وأصبح من التقاليد الاجتماعية الصينية الأكثر شعبية، ويقال إن أصله في الصين يعود إلى الإمبراطور شن نونع الذي عاش في حقبة قديمة من تاريخ الصين حوالي عام 2737 قبل الميلاد، وتفيد الأسطورة الصينية بأن شن نونغ المعروف بقراراته الحكيمة أصدر أوامره بضرورة غلي مياه الشرب قبل تناولها، ويقال إنه فيما كان في منطقة نائية يأخذ قسطاً من الراحة، بادر الخدم بإعداد الماء المغلي له، فوقعت أوراق جافة في المياه المغلية، فتناول الإمبراطور المشروب ووجده منعشاً فبدأ في الانتشار.

ولفترة طويلة اعتبر الشاي مشروباً طبياً، ويعود أول سجل عن تناول الشاي إلى الألفية الأولى قبل الميلاد. وجاء أول ذكر عن وسائل زراعته وتصنعيه كمشروب بتاريخ 350 ميلادي.

أما عصره الذهبي فبدأ خلال حكم سلالة تانغ (618-906 ميلادي)، ويعتبر الكتاب لويو (733-804) وكتابه عن الشاي وزراعته وصنعه وتناوله أول سجل عن تطوره إلى مشروب للمتعة والمناسبات الاجتماعية.

ازدهار

ومع الوقت أصبح الشاي عنصراً هاماً في الاقتصاد الصيني، وبات الميل لتناوله مصدر ازدهار لفنون الصين العريقة من السيراميك والأواني الأنيقة المستخدمة في تخزين أوراقه، وبالنسبة للصينيين، فهناك تقاليد وعادات خاصة عند تناوله، إذ إن شرب الشاي ليس مثل تذوقه.

وعلى مدى قرون كان طقس إعداد وتقديم الشاي يتمتع بمكانة خاصة. وبعد أن أصبح تناوله جزءاً من الثقافة، بدأ يظهر في الفنون والأدب. أما أول الأشعار عن الشاي فتعود بالزمن إلى القرن الثامن للشاعر لو تونغ، بعد استلامه حزمة من الشاي الذي تم قطفه حديثاً.

وتشدد حفلات تذوق الشاي على طعمه رائحته ومذاقه، أما الطقوس المتبعة في الحفلات فليست بالضرورة نفسها، بل يفترض أن تكون كل خطوة عبارة عن استكشاف وتقدير حسي.

دأما أهم متطلبات أداء حفلات الشاي الصينية فهي التصرف اللبق الواثق، واختيار الشاي والأواني والماء، وكذلك إيجاد بيئة مسالمة هادئة في غرفة مريحة نظيفة، والتمتع بمهارات تخمير الشاي، وطريقة أنيقة في تقديمه تعكس حركة اليد والتعابير على الوجه والملابس.

تعليقات

تعليقات