العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مدارات

    خسائر تلوث الهواء تهدد مستقبل التنمية

    تستيقظ باكراً على ضوء أشعة الشمس الناعم والقاتم قليلاً مستبشراً بيوم جديد، تأخذ نفساً عميقاً بملء رئتيك، لكنك سرعان ما تندم على ذلك، إذ تبدأ بالسعال كأنك تختنق بسبب الدخان، وتدمع عيناك، وتشعر كما لو أن الأوكسجين الذي تنشقته جرى عصره من رئتيك، ويتراءى إليك أنك تملك فقط ما يكفي من نفس للوصول إلى قناعك أو جهاز التنفس، لئلا تصاب بالدوار وتقع على الأرض..

    هكذا يصف الموقع الطبي الهندي «مايند سولاس» الأيام الأولى من شهر نوفمبر في دلهي، عندما أحاطت طبقة سميكة من الضباب الدخاني العاصمة الأكثر تلوثاً في العالم، مما دفع بالهيئة الطبية لإعلان حالة الطوارئ محذرة من تلوث يعادل تدخين 50 سيجارة في اليوم، وهو رقم يفوق ثماني مرات الحد الآمن عالمياً.

    الصحف الهندية بدورها وصفت ما جرى كمشهد من الجحيم مع اتشاح السماء باللون البني، وتحول منظر النهر الرئيسي لما يشبه النزيف، فيما صرح رئيس حكومة وزراء العاصمة أرفيند كجريوال بأن دلهي، وهي موطن 20 مليون نسمة، تحولت لـ«غرفة غاز».

    لكن دلهي ليست المدينة الوحيدة التي اختنقت نتيجة أزمة هواء سام، فهناك مدن كثيرة مرت بتجارب مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة، من وارسو ولندن في أوروبا، إلى بورت هاركورت في إفريقيا، وسنتياغو وانفيغادو ونيو مكسيكو ولوس أنجليس في الأميركيتين، وشانغهاي وبكين وهونغ كونغ وأولان باتور في آسيا.

    وفي عام 2016، وضعت منظمة الصحة العالمية أيضاً عدداً من مدن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في صدارة المدن الأكثر تلوثاً في العالم .

    استجابة

    وقد بات واضحاً أن الأزمة أصبحت عالمية. وفيما لا وجود لشهادة وفاة نتيجة لـ «تلوث الهواء»، يقول الخبراء إنه لو تم تطبيق ذلك، لاستلزم الأمر استجابة عالمية عاجلة نظراً للعدد الهائل من الوفيات.

    وعلى العموم، وبحلول عام 2014، كان 92% من سكان العالم يعيشون في مناطق حيث رداءة نوعية الهواء تتجاوز الحدود الموضوعة من قبل منظمة الصحة العالمية، والتي تقدر حدوث 6.5 ملايين وفاة مبكرة مرتبطة بتلوث الهواء سنوياً (11.6% من إجمالي الوفيات)، وهو ضعف عدد الذين يتوفون بسبب أمراض نقص المناعة «الإيدز» وداء السل والملاريا مجتمعين.

    ويشكل التلوث بسبب حركة المرور ومحطات الطاقة والمصانع ومشاريع البناء والتدفئة وغيرها، مشكلة أكبر في المدن النامية. فاثنتان من أصل ثلاث وفيات مرتبطة بالتلوث تحدث في جنوب شرق آسيا ومناطق غرب المحيط الهادي.

    حيث يعيش 30% من السكان، وفقاً لتقرير مؤسسة «شرويدر» للاستثمارات العالمية، وعلى العموم، يتحمل الفقراء وزر أزمة التلوث في البلدان النامية، مع انتقالهم من الأرياف إلى أحياء فقيرة معرضة للتلوث، دون أية وسيلة لحماية أنفسهم.

    لكن الاقتصادات المتطورة تعاني أيضاً، حيث تنفث سيارات الديزل ثاني أكسيد النيتروجين بنسب أعلى بكثير مما يعتقد بأنه آمن، مع 10 آلاف وفاة في بريطانيا وحدها نتيجة للتلوث بثاني أكسيد النيتروجين عام 2013، وهو ثاني أعلى رقم سجل في أوروبا بعد إيطاليا، وفقاً لتقرير «شرويدر».

    تأثيرات

    الأخطر على الصحة يتمثل في تركيز ملوثات دقيقة قطرها 2.5 ميكرومتر في الهواء نظراً لقدرة تلك الجزيئات على اختراق الدورة الدموية، وهذه الملوثات تشمل وفقاً لبحث لـ «غرين بيس» مواد مسرطنة مثل الرصاص والزرنيخ والزئبق، وكان قد وصل مستواها في دلهي أخيراً إلى 710 ميكروغرامات في كل متر مكعب، أي أكثر من 11 ضعفاً الحد الآمن وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

    ويعتبر تلوث الهواء سبباً رئيسياً للنوبات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الرئة، الأسباب نفسها التي نراها على شهادات الوفاة. كما تم اكتشاف جسيمات صغيرة سامة في الأدمغة أخيراً، مما يشير لوجود صلة مع أمراض الدماغ التنكسية مثل الزهايمر.

    ويعتقد حتى أن تلوث الهواء يسبب ظهور معالم الشيخوخة قبل أوانها على وجوه سكان المدن. الأشد خطورة هو أنه يترك آثاراً في الحمض النووي، مما يعني أنه يؤثر على الأفراد من بداية حياتهم.

    قائمة المشكلات لا تنتهي هنا. فتلك الملوثات القاتلة تؤثر أيضاً على الصحة العقلية حيث وجد الباحثون أن التعرض لفترات طويلة لهواء بجودة متدنية يؤدي لانخفاض معدل السعادة، وزيادة أعراض الاكتئاب، وما يتبع ذلك من تدهور في قدرات التعلم والإنتاجية.

    أضف إلى ذلك أن المعادن الثقيلة في الهواء بتأثيرات ضارة على الهرمونات، حيث تشير إحدى الدراسات الطبية إلى أن حوالي 15% من الرجال في الهند يعانون من العقم.

    وكانت دراسة عام 2015 قد أظهرت أن نصف أطفال المدارس البالغ عددهم 4.4 ملايين في العاصمة الهندية لديهم نقص في سعة الرئة ولن يتعافوا بالكامل منها أبداً.

    فيما أشار تقرير لمجلة «لانست» الطبية إلى وفاة 2.5 مليون هندي سنوياً من التلوث، وهو الرقم الأعلى في العالم. كل هذا يعني أن التلوث يشكل كابحاً كبيراً على النمو، وأن التركيز على مؤشرات النمو الاقتصادي دون حسبان الأضرار الاجتماعية والبيئية الهائلة المترتبة عليه لم يعد ممكناً، علماً أن الخسائر من جراء التلوث في الهواء قد تدوم لأجيال.

    وسط هذه الكآبة، كان هناك بصيص من أمل. فمع غضب المجتمعات المتزايد من تأثيرات الهواء السام، بدأت تهب رياح التغيير في السنوات الأخيرة، بدءاً من الصين التي شهدت تحسناً كبيراً في مؤشر جودة الهواء بنسبة 6% العام الماضي، لكن هذا لم يمنع تعرض مدنها إلى موجة ضباب دخاني في يناير من هذا العام.

    وكانت الوفيات السنوية المرتبطة بتلوث الهواء في الصين، والبالغة 1.6 مليون شخص، قد دفعت الحكومة للتشديد على المخاوف البيئية في خطتها الخمسية، مع تعهدات بتقليص استخدام الفحم بنسبة 30% هذه السنة، وإعادة تشكيل قطاع النقل الذي يمثل 10% من انبعاثات الصين.

    وإدخال 5 ملايين سيارة كهربائية على الطريق بحلول 2020، وفقاً لتقرير مؤسسة «شرويدر». مدن رئيسية أخرى في العالم بدأت أيضاً تتخذ إجراءات مباشرة ضد الضباب الدخاني الناجم عن الازدحام، لتقليص التكاليف الصحية.

    ويدفع الضباب الدخاني في أوروبا إلى التحول للسيارات الكهربائية، وفيما أقل من 50% من مبيعات السيارات في أوروبا هي على الديزل، يتوقع مصرف «بي ان بي باريباس» أن تتراجع إلى 20% بحلول 2030.

    مراقبة

    وفي سياق ذلك، تبرز الحاجة إلى حلول لمراقبة جودة الهواء وإدارته. يشير الكاتب ريان سيترون في مقال على موقع «سمارت سيتيز دايف» إلى بروز شبكة مجسات بتكلفة متدنية، وتكنولوجيا بمصادر تعتمد على الجمهور، مما يجعل البيانات حول تلوث الهواء متاحة أكثر من أي وقت مضى.

    ويبقى الأهم، بطبعية الحال، خفض التلوث عبر الابتكارات في التكنولوجيا الخضراء، وفرض التشريعات والأنظمة والسياسات التي تهدف إلى تقليص مستوياته ومنع زيادته، وهناك مشاريع كثيرة تساعد في تخفيف احتراق الوقود الحيوي وتعمل على تنقية الهواء، مثل كهربة وسائل النقل العام، والبرامج المشتركة للنقل، وأنظمة الوقوف الذكية، والبنية التحتية للدراجات الهوائية.

    بالإضافة إلى بناء الغابات العامودية إلى جانب ناطحات السحاب، وغيرها من المشاريع، وفيما يشكل تراجع كلفة تكنولوجيا الطاقة المتجددة إلى مستويات متنافسة مع الوقود التقليدي فرصاً لخفض الانبعاثات، يبقى الفساد في كثير من البلدان معيقاً للعمل والابتكار، ويهدد بجعل المدن غير قابلة للحياة.

    المواطن بدوره، يمكنه أن يلعب دوراً في تقليص تلوث الهواء، عبر تغيير سلوكياته، سواء بالحفاظ على الطاقة، أو تركيب الألواح الشمسية، وتقليص عوادم السيارات، واستخدام النقل المشترك، إلخ..

    تشكيك

    بيد أنه مع كل الأدلة العلمية على أضرار التلوث الهوائي، ليس فقط على هذا الجيل بل الاجيال المقبلة، لا يزال هناك مشككون بتلك العلوم، وهذا المنحى كان واضحاً في الولايات المتحدة، لكنه بدأ يظهر حتى في الدول حيث يحمل الهواء أكبر قدر من السموم.

    ويسأل الصحافي السابق في فوكس نيوز ستيف ميلوي، المعروف بمواقفه المناهضة لانصار البيئة، «أين الجثث؟» في إشارة الى الضباب الدخاني الذي ضرب دلهي، أخيراً، وفيما لا يقتل الهواء السام على الفور، إلا أنه بالتأكيد سبب رئيسي للوفيات المبكرة.

    أمثال ميلوي كانوا يبرزون في السنتين السابقتين في الهند وبولندا وغيرها من البلدان، وفقاً لـ «غرين بيس»، في منحى يعيق تحقيق أهداف قمة باريس للمناخ بخفض الانبعاثات في عدد من البلدان.

     

     

    طباعة Email