«الرقص مع الأخطبوط».. مذكرات نجاة واضطرابات

بعض المذكرات تروي قصصاً مثيرةً، وبعضها يتميز بطريقة السرد المتقن غير أن «الرقص مع الأخطبوط: مذكرات جريمة» للكاتبة الأمريكية ديبورا هاردينغ ينجح في جمعهما معاً. وهي لا تملك قصة واحدة بل اثنتين مسمّرتين تتسمان بصدق عاطفي يطبع أسلوب النثر الحاد، ويسحر القراء صفحة بعد أخرى.

في 1987، حين كانت هاردينغ في 14 من العمر، تعرضت للخطف تحت تهديد الذبح وعذبت وتركت لتموت، لكنها تمكنت بفضل مرونتها المذهلة وهدوئها وردود أفعالها المحسوبة، ربما بسبب ما عانته وأخواتها من تعذيب الأم المستمر على تنمية غرائز قوية للبقاء والنجاة من براثن العنف.

وقررت هاردينغ بعد عقود زيارة المعتدي في السجن، لأنها أرادت كما تقول «أن تحرر عقلها من صورة القناع الذي وضع على وجهها رؤية البشري بأم العين».

وقد أظهر كتابها المتسم بحسّ إدراك مميز كيف تركها هذا الاعتداء، إلى جانب عيشها في ظل عائلة مفككة يوماً بعد يوم، تعاني من تداعيات رافقتها لمدى الحياة، توزعت بين نوبات عصبية واضطرابات نفسية أخرى. وتكمن إحدى أبرز نقاط قوة العمل في براعة هاردينغ في عرض تفاصيل قصتها متعددة الأوجه والمرور عبر الفترات الزمنية دون اعتماد تسلسل زمني متسق.

متنقلةً بمهارة بين الماضي والحاضر تفكك هاردينغ حادثة اختطافها وهروبها الصعب، وتقدم صورة نابضة لمشهدية تحلل العائلة في وسط الغرب في السبعينيات. ويعتبر «الرقص مع الأخطبوط: مذكرات جريمة» بأسلوب الكوميديا السوداء ووتيرة التشويق عملاً أدبياً بارعاً. لا تظهر هاردينغ نفسها على أنها الضحية المنتصرة التي نجحت في التخلص من اضطراباتها.

ويبدو لنا زوجها الذي اتخذ مظهر منارة العقلانية والتعاطف الهادئ كمشجع لها على الكتابة لما يمنحها ذلك من «إمكانية للسيطرة على أفكارها»، ولتستخلص في النهاية بأن عملية الكتابة بذاتها أشبه بفعل إيذاء للذات مع الحفظ على حس الفكاهة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات