الأدب وعلم النفس.. تناغم الفن والمعرفة

أبعاد نفسية ترسم ملامح الشخوص الأدبية | البيان

يرتبط التفسير النفسي ارتباطاً وثيقاً ببنية النص الأدبي والروائي، على اعتبار ما يقدمه من تفسير منطقي ومجتمعي لسلوك الشخوص ضمن العمل، والذي يعتمد على مخيلة الكاتب وقدراته التقنية في الارتقاء بالنص الذي يفسح مجالاً أمام التحليل والتفسير دون أن يفقد قيمته الأدبية الخالصة والإبداعية متكامل الأركان.

وتقول الناقدة الدكتورة مريم الهاشمي: إن الأدب ليس نقطة وصول، إنه أرض واسعة مليئة بأماكن خفية لا يدخلها من لا يملك شغفاً والتزاماً مطلقين، والرواية أكثر الأنواع الأدبية التي يسهل أن تضيع بين جنباتها، ففيها يحيا الكاتب وغيره، وسط الكلمات والأفكار والصور وكلا الالتزامين سواء الكتابة أو القراءة هما بمثابة الحياة والوسيلة التي يعثر عليها كل واحد منا ليجتاز الوحدة ونتعلم الحديث مع النفس.

وما يعيننا على ذلك وجود التقنيات، كاللغة والسرد ووصف الأحداث والشخوص وتركيبها الداخلي والنفسي وغيرها، لتعمل بشكل عناكبي ولتوضع أمام المتلقي ويستمتع بهمس الكلمات ويُسمح له بالغوص في عوالم مختلفة.

مع الأخذ بأن الوقائع في الرواية ليست باعتبارها تطورات منطقية للشخوص؛ بل الأساس هو تحريك كائنات حية، لتنحو جهود الكاتب إلى إخفاء المتخيل. وحتى يحافظ النص على بريقه وجب حضور التعبير الشخصي مع الحس الواقعي، وعدا ذلك فلا فائدة مرجوة من فتح صنبور إنتاجي لأعمال تولد ميتة.

سيكولوجية الصراع

وتؤكد الكاتبة لولوة المنصوري، أن بناء الشخصيات المحورية يستدعي على الأغلب أن تكون ذات كثافة سيكولوجية وكتلة من الصراع الداخلي والخارجي ولكن بحيلة ولعب روائي، ومنح موارب لمفتاح أساسي يسبر الدهاليز النفسية في الرواية وكشف الجانب الباطني وأيديولوجية النص على اعتبار أن تأويل النص والغوص في نفسية الشخصيات هو أمر لا يخلو من جزئية الكاتب نفسه.

وربما القارئ أيضاً، هو انعكاس طبيعي لكثافة تجربة الكاتب في معاينة طرائق البشر وفضول التعرّف وقراءة خزائن المنجز البشري وظروف قيامة الإبداع عند المحلّقين به وعلى متنه، كلها عوامل تحقق لنا فن اكتساب فلسفة الشخوص وفهم بواطنها في البناء الروائي ومن هذا المنطلق تبقى نظريات التحليل النفسي مثقلة بالفرضيات المتطورة عبر الزمن والمتأصلة بالتجارب والتخمين.

قاعدة معرفية

وفيما يتعلق بالعلاقة بين علم النفس والأدب يوضح محمد الحبسي، مدير إدارة الآداب في دبي للثقافة، أنها علاقة تبادلية من التأثير والتأثر. ويقول: أرى، ككاتب، أن هناك عاملين جوهريين في تكوين الروايات والمؤلفات الأدبية؛ يتمثلان في بيئة الكاتب وسلوك الإنسان ودواخله.

إنهما عاملان مهمان جداً يظهر أثرهما وتنساب خيوطهما من قلم الكاتب إلى الأدب المنتج والبيئة التي لها دور كبير في الكتابة الروائية.

كما أن علم النفس الاجتماعي يمنح الكاتب نظرة عميقة في البيئة وقاطنيها، وكيفية تفكيرهم وتحليل شخصياتهم، واستقبالهم لبعضهم البعض، وردود أفعالهم تجاه المواقف التي يتعرضون لها. فالكاتب على دراية بما يجري في بيئته، وهذا يخلق للكاتب قاعدة معرفية لخلق شخوصه؛ والتي من دونها لا يتمكن الكاتب من خلق شخصيات منطقية وصائبة.عصر تكنولوجي

وفى السياق يؤكد الدكتور أحمد الزعبي أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة الإمارات، أن مسارات الفكر المعاصر وحقول المعارف الإنسانية بدأت تتسع وتتشعب وتتداخل، ودخل كثير منها في أنفاق مظلمة وغدت مفاهيم العلوم والتكنولوجيا والآداب والثقافات وكثير من القيم الإنسانية الثابتة تندفع في متاهات غائمة لا معالم تحددها.

ولا أنساق تنظمها ولا مرجعيات تعيدها من هذه المتاهات المظلمة وطالت هذه المتاهات: الكاتب والكتابة والمكتوب إليه (المتلقي). وتحمّل الكاتب العبء الأكبر من هذه المتاهات ولجأ إلى رصد السلوك الإنساني والدوافع السيكولوجية التي هوت بالإنسان المعاصر نحو الدمار في عصر تكنولوجي علمي يُفترض أن يرتقي به نحو التقدم والبناء.

وحول فكرة ارتباط العمل الأدبي ارتباطاً وثيقاً مع العامل النفسي للكاتب، تشير فاطمة الجلاف، مدير إدارة الفنون الأدائية بالإنابة في هيئة دبي للثقافة والفنون، أن كل نص أدبي هو من نتاج هذه المكنونات الطفولية والنشأة المجتمعية.

ولا بد للكاتب من وضع خريطة للشخصيات الموجودة في أي من أعماله الأدبية. بمعني ألا يطرح شخصيات كثيرة لا تملك دوراً فعّالاً، بل ينبغي أن يعطيها فرصة لإثارة مشاعر القارئ وتفاعله معها بشكل خاص.

طباعة Email