اختلاف منظم زخرف الإنسان به حضارته

السيدة والآنسة تقاليد فريدة ترسم الفوارق

على الرغم من التشابه الكبير بين البشر في عالمنا المعاصر، وتسيّد مفهوم العولمة، الذي صبَّ الناس في قوالب متشابهة من حيث الألبسة والأطعمة والاهتمامات، بقيت خصوصيات فريدة ودلالات دقيقة في تراث المجتمعات تدل على مكانة المرء وصفته الاجتماعية ومهنته، ويتساوى في ذلك الرجل والمرأة، وقد خلقت المجتمعات على اختلافها بالنسبة للأخيرة، رموزاً تغني عن حرج سؤالها عن وضعها الاجتماعي، إن كانت سيدة «متزوجة» أو آنسة «عزباء».

وفي كنف هذا التناقض بين الماضي والحاضر وبين سحر التراث السالف والتخلي عنه يتمايز الإيقاع بين المرأة المتزوجة وغير المتزوجة عبر الأكسسوارات أو الملبس أو تسريحة شعرها بطريقة مدروسة، إلى رموز أخرى يستطيع أفراد المجتمع الواحد أن يحدد وضعها الاجتماعي بمجرد رؤيتها، وهنا تكمن الفرادة ويغدو البحث ماتعاً.

من البرقع إلى الملحفة

في الإمارات حدد المجتمع منذ القدم البرقع التقليدي مزية للمرأة المتزوجة، ترتديه بعد عقد قرانها مباشرة، يُفرق بينها وبين الفتاة غير المتزوجة. أما في دول أوروبا إجمالاً فيحدد خاتم الزواج الدائري حالة السيدة التي ترتديه اجتماعياً، فإن كان في اليد اليسرى فالفتاة مخطوبة، وإن كان في اليمنى فهي متزوجة، ولا ترتدي العزباء إطلاقاً، وانتقل هذا التراث إلى بعض الدول العربية والأفريقية، بحكم العولمة.

وبالانتقال إلى السودان المحافظة على ثقافتها وكنوز تقاليدها العريقة، تتميز المرأة المتزوجة بخضاب الحناء في قدميها ويديها، وبشكل دائم، أما غير المتزوجة فتكتفي بنقش الحناء في المناسبات والأعياد فقط، كما أن نقوشها محدودة في إطار الزخرفة البسيطة.

ومن السودان نتجاوز الصحراء الكبرى إلى الجانب الغربي من القارة الأفريقية وتحديداً إلى «تراب البيضان»، الممتدة من وادي نون شمالاً إلى نهر السنغال، وهذا يشمل جنوب المغرب وموريتانيا، كما تقول الباحثة والدكتورة المغربية العالية ماء العينين، فبلوغ الفتاة هناك هي المرحلة الفاصلة بين الطفلة والشابة، حيث تبدأ في ارتداء «الملحفة» التقليدية للمرأة في الصحراء، بـ«خْلال» واحد، والخلال هو العقدة باللهجة الحسانية، ثم إذا تزوجت المرأة لبست الملحفة بخلالين «عقدتين» أعلى الكتفين.

وبالعودة إلى الشرق وتحديداً إلى المملكة الهاشمية الأردنية، نجد في عادات العشائر أن تلبس السيدة المتزوجة «الشنبر» وفوقه «العصامة» أي «الحطة» على الرأس بطريقة اللفة، التي تغطي شعرها الطويل، بينما لا تلبس العزباء سوى المنديل الخفيف الشفاف وتربطه خلف رأسها، بحيث يبدو شعرها الساقط كالعثكل أمامها.

المسحوق والخلخال

ولا يضيرنا أن نشير إلى أرض الهند ذات الحضارة الملونة، ففي التراث الهندوسي تخطُّ المرأة المتزوجة بمادة صبغية أو مسحوق من اللون الأحمر خطاً بين عينيها، وعلى مفرق شعرها الأمامي، لتصبح علامة، وكذلك في جنوب الهند تلبس المرأة المتزوجة خلخالاً فضياً في قدميها يعرف باسم «بيال»، ولا ترتديه العزباء.

في الصين، تتميز المرأة المتزوجة بتسريحتها المرتفعة الدائرية «الشينيون» أو الزهرة مع تثبيتها بعصا صغيرة، أما العزباء فتسريحتها مربوطة ومزينة بين جانبي الرأس.

الكيمونو اليابانية

وأخيراً نحط رحالنا في بلاد الشمس المشرقة اليابان، حيث يُحدد «الكيمونو» الوضع الاجتماعي للمرأة، فتختص العزباء بالكيمونو المشرق، الذي يتميز ببهجة الألوان وتتناثر فيه رسومات الزهور على الصدر والأكمام الطويلة المتأرجحة، ويدعى «فوريسود»، بينما يتسم كيمونو المتزوجة والذي يسمى «توميسدو» بألوان أكثر هدوءاً ونعومة ورسمية، وتختفي الزهور المرسومة على الصدر لتتحول إلى أسفل حاشية الكيمونو كونه نوعاً من الحشمة كما يتم تقصير الأكمام لتصبح عملية ومناسبة للمطبخ.

الحديث عن ثقافات الشعوب لا ينتهي؛ فالجغرافيات الواسعة على البسيطة غنية بتفاصيل تقاوم التلاشي، ولا يُستطاع بحال حصرها، فهي تكاد تكون بلا نهاية، وليس هذا الاختلاف المنظم هو مكمن العراقة والثراء الفني الاجتماعي والحضاري الذي زخرف الإنسان به حياته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات