في استطلاع « البيان » الأسبوعي

توظيف النص الروائي فنياً.. حراك تفاعلي لمشاهد إبداعية

تربط صناع الأعمال السنيمائية والمسرحية علاقة وطيدة بالكتاب والروائيين، في تعاون مثمر على كافة الصعد، لخلق منظومة عالمية تعزز حراكاً تفاعلياً في توظيف النص الروائي سينمائياً ومسرحياً، لصنع تجارب تكاملية بين الفنون الإبداعية، حيث تستحوذ هذه المرئيات على المتلقين، لتشكل ظاهرة حضارية لا يمكن تجاهل تأثيرها، أو إنكار دورها في إشاعة الفنون الكتابية الأدبية، وتعزيز الإقبال عليها، نظراً لما تخلقه سهولة تلقي الصورة، وما تبتكره من تأثيرات تنجم عن تكامل الحواس، واستهدافها قطاعاً واسعاً متنوعاً من الناس على اختلاف وعيهم ومدركاتهم، وقد يرى البعض أنها تترك تأثيرها السلبي المتعلّق بالبعد عن القراءة والمطالعة، والبعد عن التعلّق باللغة والإحساس بشعريتها وشاعريتها، فيزداد الميل إلى الجوانب المادية، التي تلقي بظلالها على ذهنية الإنسان المعاصر رغم ما قد تخلقه هذه الفنون أحياناً، من ارتقاء بالجوانب الروحانية المنطلقة من الفكرة، أو من الأداء، أو توظيف الفنون الأخرى مثل الرقص الراقي أو الموسيقى، ضمن انسجام بين الكلمة والموسيقى في نبضها والجسد في إيقاعاته.

طرحت «البيان» سؤالها حول ما إذا كان تحويل الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية يُسهم في انتشارها؟ فجاءت الردود والآراء والأرقام متقاربة: على موقع البيان الإلكتروني، كانت أجوبة المستطلعة آراؤهم 83% «نعم»، و17% «لا»، أما في «تويتر»، فقد أكد 70% بـ«نعم» و30% بـ«لا»، وعلى «فيسبوك»، كانت النتيجة 89% «نعم» و11% «لا».

اقتباس فني

يؤكد الدكتور هشام جمال الدين، مدير المعهد العالي للسينما في القاهرة أن الاقتباس لا يعني البتة استنساخ الرواية في العمل السينمائي، إلى درجة قد يحصل معها التباين في بعض الحالات بين العملين الأدبي والسينمائي، وذلك بسبب تعقد هذه العملية التي تتطلب رؤية فنية وإخراجية إبداعية وسينمائية تراعي خصوصيات العالمين، حيث إن العلاقة بين الأدب والسينما علاقة ذات طبيعة إشكالية، علاقة اتصال وانفصال في آن، فكثيرة هي الأفلام التي اقتبست من أعمال أدبية، مسرحية وقصصية وشعرية وغيرها، وخصوصاً الروائية، وكان هذا الاقتباس إما كلياً وإما جزئياً وبأشكال مختلفة، وكثيرة هي الأعمال الأدبية كذلك التي تأثر مبدعوها بأساليب الكتابة السينمائية أو حضرت فيها السينما كموضوع رئيس أو ثانوي.

ثقافة بصرية

وحول أهمية العمل السينمائي بالنسبة للروائي والأديب يعتقد محمد سالم، مدير شركة «بيهايند ذا سين» للإنتاج التلفزيوني والسينمائي، أن السينما والمسرح عامل انتشار للأديب، والناس عرفوا الكثير مما أبدعه أدباء مثل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وسعدالله ونوس من خلال الأعمال الفنية، مشيراً إلى أن هناك نسبة عالية من الأفلام العالمية مأخوذة عن روايات أدبية عظيمة، متسائلاً: كم مرة رأيت هاملت؟ وكم عملاً فنياً عرض «البؤساء»؟

ويضيف محمد: هناك العديد من الأفلام قائمة على الأعمال الأدبية الكبرى مرات عدة وبطرق مختلفة، ولا تزال الفرصة ممكنة للمزيد من الأعمال الفنية.

وقد قال أرسطو ذات مرة «إن التفكير مستحيل من دون صور»، ونحن نعيش فعلاً في «عصر الصورة» كما قال آبل جانس، وفي «حضارة الصورة» كما قال الناقد الفرنسي رولان بارت، حيث يحوي مصطلح «الثقافة البصرية» مدى واسعاً من الأشكال التي تمتد من الفنون الجميلة إلى الأفلام السينمائية وبرامج التلفاز بمسلسلاته الدرامية وغيرها، فالإبصار هو الحاسة التي خلبت العقول، وتعد الأكثر ارتباطاً بالفنون البصرية، وبإدراك الفن، إنهُ بمثابة «النافذة الكبرى» يعد الأديب المصري نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 1988 أحد أشهر الروائيين الذين حظوا بتحويل الكثير من أعمالهم إلى أفلام ومسلسلات، وأبرزها «بين القصرين» و«بداية ونهاية» وغيرها.

عصر الرواية

وحول تحول الأعمال الأدبية والروائية الشهيرة إلى مسرحيات يقبل عليها الجمهور وخاصة التي تكون مصحوبة بندوات تقارن بين النص المكتوب وبين المشاهد على خشبة المسرح، تعتقد فاطمة الجلاف مديرة قسم المسرح ورئيسة اللجنة المنظمة لمهرجان دبي لمسرح الشباب، أنها من أهم التجارب الثقافية الناجحة التي تستند إلى منظومة فكرية ملهمة، فالقصة القصيرة والرواية من أهم الفنون الحداثية التي تغلب في حضورها على الواقع المعاصر، ما جعلها من أشهر الأجناس الأدبية وأقدرها على جذب القراء وجمهور المسرح.

وتضيف فاطمة: نعيش اليوم في عصر الرواية، فالمسرح والسينما هما الأقدر على الإلمام واحتواء تفاصيل الحياة المعاصرة برتابتها وتفاصيلها ومفاجآتها وظروفها اتكاء على مهارة الروائي أو القاص في استخدام التقنيات السردية، وإتقان لعبة الحركة الزمنية في مراوحتها بين الحاضر والماضي والمستقبل؛ إذ تحضر تقنيات الاسترجاع والاستشراف والمونولوج وتيار الوعي ضمن خلق بنية مكانية تقوم اللغة - شعرية أو تقريرية - على رصد تفاصيلها، وتحفيز مخيلة المشاهد على تصوّرها والسير على تصاعدات الأحداث وتعقيداتها، والإطلال على بواطن الشخوص وتشكيلاتها، ما يدفع إلى التعاطف مع بعضها، والنفور من بعضها الآخر.

وبالتالي تبني رؤى وأفكار يطرحها الروائي وفق مرجعياته وتوجهاته الفكرية ومهاراته في تحميلها للشخوص بين الإتقان والانفعال إذا ما رضخ لوطأة الأيديولوجيا، التي ينطلق منها، ومن هنا، كانت القصة القصيرة والرواية وجبة دسمة لخلق الأعمال الدرامية والمسرحية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات