«الغرافيتي» الملثم فوميرو يرسم في الواجهة المائية الشمالية للمرة الأولى

«غرافستراكت» وثقافة الـ«هيب هوب» تُزيّن جداريات دبي

صورة

فن «الغرافيتي» بتقنية «غرافستراكت» الذي ابتكره الفنان الأميركي فوميرو، الذي لم يكشف يوماً للإعلام عن وجهه، وضع بصمته المميزة في العديد من شوارع وساحات المدن العالمية.

وفي دبي، وللمرة الأولى، يدوّن رؤية خاصة به تعكس فلسفته المتفرّدة الممزوجة بثقافة الـ«هيب هوب» للترويج لجلسات الطعام العائلية؛ إيماناً منه أن العائلة التي تأكل مع بعضها تبقى مع بعضها. وذلك بالتزامن مع افتتاح «بلاك تاب»، مطعم البرغر النيويوركي لفرعه الثالث في دبي قريباً على الواجهة المائية الشمالية بإرثها التاريخي العريق.

ابتكار بصري

وحول خلفيته الثقافية والأكاديمية في مجال فن الغرافيتي، يقول فوميرو: بدأت كطالب جامعي يدرس الفنون في كلية الفنون البصرية بمدينة نيويورك، وشكّل ذلك المكان مصدراً لجميع المحفّزات الفنية التي اختبرتها واكتشفتها طوال حياتي، والتي بلغت ذروتها لتصل إلى ما أقوم به اليوم.

أمّا أسلوبي الفنّي فأطلق عليه مصطلح «فوميرويزم»، وهو دلالة على المسار الإبداعي الذي يختصر أسلوب «غرافستراكت» الخاص بي، حيث يمثّل «غرافستراكت» الآلية والطريقة التعبيرية التي تصف مقاربتي البصرية للفنون الجميلة. ولا تندرج هذه المفردة ضمن أنواع الفنون، وإنما هي مصطلح من ابتكاري الشخصي، أعكس من خلاله التطور المستمر في الأسلوب المميز الذي أنتهجه في أعمالي الفنية.

الـ«هيب هوب»

ويقول فوميرو: تلخّصت رؤيتي بالنسبة لمدينة دبي في إنشاء لوحة جدارية ضخمة تضمّ أبرز الرموز الخاصة بمدينة نيويورك والمستوحاة من فن الشارع وثقافة الهيب هوب التي سادت في تسعينيات القرن الماضي، مع إيحاءات فريدة لقطار الأنفاق، وجسر «بروكلين»، وإشارات الشوارع، وصور تتغنّى بمغني «الراب» الشهير نوتوريوس، بي. آي. جي، إضافة إلى العديد من العناصر الأيقونية والمعالم البارزة في المنطقة.

أسلوب

وفيما يتعلق بمشروعاته المستقبلية يقول فوميرو: بعد الانتهاء من المشاريع في مدينة دبي سأتوجّه إلى شاطئ ميامي للمشاركة في معرض «آرت بازل» الذي ينعقد في ديسمبر الجاري؛ فأنا سعيد جداً أنني أطلقت رحلتي المهنية في ميامي، وتركت خلفي الكثير من الأعمال الفنية، سواء الفردية منها أو التعاونية.

وعندما يتابعني الناس وأنا أقوم بابتكار أعمالي الفنية بأسلوب «غرافستراكت»، يمكنهم أن يتوقعوا مشاهدة مناظر ملوّنة وتراكيب تجريدية غير موضوعية. وكما ذكرت سابقاً فإن طريقة «غرافستراكت» هي تعبير شخصي أستخدمه لوصف التماهي بين أسلوب الغرافيتي وتكوينات الفنون الجميلة.

مترو الأنفاق

ويضيف فوميرو: بدأ الفن «الغرافيتي» الحديث في مدينة نيويورك أواخر الستينيات، وظهر في محطات القطارات والشوارع واشتهر بسبب «تاكي 183» الذي عاش في شارع 183 في مرتفعات واشنطن وعمل سائق توصيل في جميع نواحي المدينة، وخلال عمله ذاك استخدم علامة وكتب اسمه في كل مكان يذهب إليه، حيث كتب اسمه في محطات أنفاق القطارات من الداخل والخارج وأيضاً مواقف السيارات.

وعرف بالشخصية الغامضة، وفي عام 1971 أجريت له مقابلة في مجلة «نيويورك تايمز»، مما جعل كثيراً من الأطفال والمراهقين في نيويورك يتأثرون به ويعجبون بالشهرة التي حصل عليها من خلال كتابة اسمه، ما أدى إلى التنافس الشديد بينهم لاكتساب هـذه الشهرة، وعن طريق ذلك انتشر الفن الغرافيتي بسرعة كبيرة وتزايد ضخم في هذه الفترة بالتحديد،

ويعتقد فوميرو أنه خلال هذه الفترة، بعدما كان الغرافيتي بمنزلة توقيع اسم لشخص معين، أصبح أكبر من ذلك؛ فقد تنافس كتّاب الغرافيتي بطريقة وضعهم أو كتابتهم لاسمهم بطريقة جميلة وفنية، فقد كانوا بالبداية يكتبون اسمهم بطريقة مختلفة عن الآخرين ثم تطوروا بعد ذلك واستخدموا الألوان وتأثيرات مميزة واستعملوا البخاخات سريعة الجفاف حتى لا يتم إلقاء القبض عليهم من الشرطة والأمن.

ثلاثي الأبعاد

وعن اكتشافه لشغفه بهذا الفن يقول فوميرو: بدأ عشقي لفن الغرافيتي منذ كنت في الـ5 من العمر، وأتذكّر كم كنت مغرماً بمشاهدة الكتابات الفنية التي زيّنت الجدران في مترو الأنفاق ومنصات القطار المعلّق في حي «ذا برونكس» ضمن نيويورك. ولطالما أخبرتني أختي الكبيرة عن مدى حماسي الشديد لدى مشاهدتي للمساحات الفنية على جدران مترو أنفاق نيويورك.

وعندما أصبحت في الـ13، بدأت برسم تكوينات غرافيتي في دفتري الخاص، الذي شهدت أوراقه كمية كبيرة من تصاميم الحروف التي كنت أبتكرها، ثم بدأت باستعمال بخاخات الألوان لإبداع اللوحات الحروفية وأنا بنفس العمر. ولدى بلوغي سنّ 14 عاماً، قمت بابتكار أول قطعة فنية لي من 4 ألوان ضمن منظور ثلاثي الأبعاد.

تلوين حر

ويضيف فوميرو: وبعدها تطوّرت أعمالي خارج حدود فن «الغرافيتي»، حيث تخلّيت عن تصميم الأحرف وقمت بتوظيف أسلوب التلوين الحرّ في أعمال تتضمّن التشريح البشري والمناظر الطبيعية وكافة المفردات التشكيلية الموجودة في الطبيعة؛ فأنا أستعمل ألواناً غير طبيعية للتعبير عن الكيفية التي أرى فيها تدرجات الظلال، وقدمت أول جدارية لي كفنان محترف عام 2010 في معرض «آرت بازل ميامي بيتش»، حيث رسمت صورةً كبيرةً لوجه جدّي أطلقت عليها اسم «ذا جرامبا».

ولم تعد اللوحة موجودة هنالك، لأن معرض «آرت بازل» يشكّل فعاليةً دوليةً تطرح أعمالاً من الفن الحديث والمعاصر.

تكوين واقعي

ويشير فوميرو إلى أنه، وعلى الصعيد الشخصي، يعتبر نفسه منتجاً للأعمال الفنية منذ كان في الـ13 من عمره.

فيقول: أعلم ذلك لأن أمي التقطت صورة لي وأنا أجلس على الرصيف بجانب عمل حروفيّ، وكنت أقوم بتصميم واعٍ لتكوين «بودل» باستعمال أغصان شجرة تحتوي على بتلات صفراء وملاقط غسيل ملونة، مواصلاً: تلهمني الطريقة التي أرى فيها العالم الحقيقي والكيفية التي أقوم من خلالها بترجمة المشاهد وفق منظوري الخاص للواقعية.

تقنيات الدمج

وييتابع فوميرو: تتلخّص تقنيّتي في استعمال مجموعة ألوان مكثّفة ثم تحديد الخطوط الخارجية للتكوين باللون الأسود؛ لأن الحدود السوداء تعزّز من اندماج الألوان وانبثاقها مع بعضها حتى ولو كانت منفصلة.

وهذا ما يجعل من ابتكاراتي الفنية مميزة عمّا يقدمه زملائي الفنانون، وعندما أرسم خارج الولايات المتحدة أشعر كما لو أنني أعيش في حلم. وقد أتيت إلى منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً إلى دبي والكويت بسبب التعاون الذي جمعني مع علامة «بلاك تاب».

رؤية فنية

ويوضح فوميرو: أعتبر هذا التعاون الإبداعي مع «بلاك تاب» أحد أفضل إنجازاتي، خاصةً وأن الشركة منحتني مطلق الحرية لأبدع ما أشاء، ما أتاح أمامي التعبير عن رؤيتي الفنية في أفضل صورة ممكنة؛ ففي أول تعاون جمعنا داخل نيويورك، سمحوا لي باستعمال مخيلتي واستلهام عناصري من حقبة الثمانينيات والتسعينيات لإنشاء لوحات جدارية، وقد حددوا لي أنهم لا يريدون رسومات تمثّل شرائح البرغر أو أكواب ميلك شيك على الجدران؛ لذلك استعنت بالثقافة القديمة لمدينة نيويورك التي تمثّل الجوهر الحقيقي للعلامة التجارية، وعندما قدمت إلى دبي، شعرت بحماس عارم، باعتباري سأكون أول من يرسم أعمالاً من هذه الطبيعة الفنية في المدينة.

جوهر الفن

ويؤكد فوميرو: حبّ الابتكار بالنسبة لي يشكّل مصدر إلهامي الدائم، مضيفاً: أنا مغرم بالرسم، ولدي شغف عارم في تشكيل الجسم البشري. ولطالما مثّل البناء الفني جزءاً جوهرياً من حياتي، وأعتبره امتداداً لجسدي وعقلي. ويمكنني القول بأنه كالأوكسجين تماماً، فكما أحتاج إلى الهواء لأتنفس، أحتاج إلى الفن لأشعر بالحياة.

أمّا خططي المستقبلية فتتمثّل في شراء مبنى في نيويورك يمكنني من خلاله التركيز على ابتكار عمل فنيّ دائم على جدرانه الخارجية، لأن إبداع لوحات جدارية كبيرة تساهم في تجميل الفضاءات المجتمعية يمنحني شعوراً يفيض بالسعادة.

وهذا ما يمثّل الجوهر الأصيل لمسيرتي المهنية كفنان شارع ورسام جداريات معاصر. فعندما أرسم، خاصةً في الأماكن العامة أجد نفسي في مكان يمدّني بطاقة هائلة، لأن صالات العرض لا يدخلها جميع الناس، أما الشوارع فيسير فيها عامة المجتمع، وأنا أريدهم أن يشاهدوا ما أقوم بإبداعه.

1970

يعتبر فن «الغرافيتي» من الفنون الحديثة التي ظهرت نتيجة ظروف اقتصادية وسياسة معينة، حدثت في مدينة نيويورك الأميركية عام 1970، حيث أراد عدد من فناني الطبقة الفقيرة في نيويورك لفت الأنظار إلى حالتهم الاقتصادية ووضعهم المأساوي، فاتجهوا إلى فن «الغرافيتي»، حيث أخذ مجموعة من الشباب الرسم والتلوين بعبارات تعبر عن وضعهم، وقاموا بالرسم على عربات القطارات في مترو الأنفاق.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات