يمزج في أعماله الوسائط التعبيريّة التقليديّة بالحاسوبيّة

جلال لقمان.. الفنان الباحث عن نص بصري «زمكاني» جديد

(الفن الرقمي) مصطلح جديد ولج أخيراً عوالم الفن التشكيلي والبصري عموماً، وهو شكل حديث من أشكال التعبير الفني الذي يُنفذ بوساطة الأجهزة الرقميّة، أي الحواسيب اللوحيّة.

وألواح الرسم والكاميرات الرقميّة، والمساحات الضوئيّة وغيرها، ويتوزع هذا التعبير على الفنون التشكيليّة كالرسم والتصوير والحفر المطبوع والنحت والرسوم المتحركة والتصميم الغرافيكي، إضافة إلى تصميم المواقع التلفزيونيّة للموسيقى والأغاني، وألعاب الفيديو المختلفة، ووصل أيضاً إلى عالم التصوير الضوئي الذي هو في الأساس، واحد من تداعياته الكثيرة التي وُلدت من رحم الكاميرا.

وتجسدت في السينما، والتلفاز، ولاحقاً في الحاسوب وملحقاته. فقد قام عدد من المصورين الضوئيين الذين امتلكوا موهبة فنيّة، وخبرة حاسوبيّة، في استيلاد (لوحات ضوئيّة) من مزاوجة (الصورة الضوئيّة) التي تتحقق بالكاميرا.

والقدرات المتفوقة للحاسوب بالدخول إلى نسيجها ومعالجتها، حذفاً وإضافةً في العناصر والأشكال والألوان المكوّنة لها، أو في إدخال صور على أخرى، بعد دراسة مستفيضة لناتج هذه المزاوجة: شكلاً ومضموناً.

شغف

يُصنف الفنان التشكيلي الإماراتي جلال لقمان ضمن أوائل التشكيليين الذين شغفوا بالتقنية الرقميّة، وقاموا باستخدامها في إنجاز أعمالهم الفنيّة المسطحة (اللوحات) والمجسمة (المنحوتات).

وهو يسعى منذ أكثر من عقدين من الزمن إلى تفعيل الحركة التشكيليّة الإماراتيّة المعاصرة، بعقد حلقات بحث، وإقامة ورش عمل (وورك شوب) في المدارس والجامعات، ورحلات فنيّة إبداعيّة إلى مطارح مختلفة، مدفوعاً برغبة عارمة في استنهاض نص بصري إماراتي جديد، يجمع بين القيم الفنيّة التقليديّة، والقيم الفنيّة لتقانات الحاسوب الذي يُشبّه استخدامه له، في إنجاز أعماله الفنيّة.

بالقلم الذي يستخدمه الشاعر في كتابة قصائده، مؤكداً أن الأصابع لا تكتب وحدها؛ فالقلم في يد الشاعر هو كالحاسوب بيد الفنان:

أداة لتفريغ الأحاسيس والانفعالات، بالرغم من أن البعض يرى في الحاسوب أداة تعبير باردة، تُنتج فناً بارداً، لكن بالنسبة له، لا تؤثر هذه الخاصيّة في العلاقة الحميمة القائمة بينه وبين عمله الفني؛ لأنها علاقة خاصة تحتوي على قدر كبير من التواصل والتفاعل، تماماً كما هي الحال في علاقة المصوّر مع ألوانه وفراشيه.

تجريب

والحقيقة، مع التطور المذهل الذي وصلت إليه أجهزة الحواسيب اللوحيّة، وتنوّع برامجها وتطبيقاتها، انتشر وبشكل كبير الفن الرقمي الذي أغرى العديد من الفنانين التشكيليين على خوض غماره، والبحث والتجريب في معطياته، بهدف الحصول على عمل فني جديد، يقارب العمل الفني المنفذ بوسائل التعبير التقليديّة.

ولا سيّما أن أجهزة الحواسيب المتطورة، وفرت لهم إمكانات كبيرة للخروج بعمل فني جديد يحتضن خصائص ومقومات العمل التقليدي، بل يبرزه في الإحاطة بالتفاصيل الواقعيّة الدقيقة.

والتلاعب بطبقات الألوان الشفيفة، وتكبير الأشكال وتصغيرها، والتحكم بقطوعاتها، للحصول على أفضل التكوينات الفنيّة المتقنة، كنص بصري يتضمن العديد من القيم المعرفيّة، والتقانيّة، والجماليّة، والتعبيريّة المعجونة بالخيال، ما يجعلها تتماهى إلى حدٍّ كبير مع خصائص ومقومات العمل الفني التشكيلي المنفذ بالوسائل والوسائط التقليديّة، من قبل الفنان مباشرةً.

سبق

يرى بعض المتابعين لحركة الفن التشكيلي في الإمارات، أن الفنان جلال لقمان أول مَن اشتغل على التقنيّة الرقميّة في إنتاج الأعمال الفنيّة التي يستخدم في تنفيذها تسعة برامج حاسوبيّة مختلفة، إضافة إلى النحت القوطي. يصف الفنان جلال لقمان نفسه بالمشاكس، ويرى أنه من الجميل أن يستطيع العمل الفني إثارة المتلقي ومشاغلته وتحريكه ونقله من منطقة الراحة إلى شغف التفكير.

ويعتقد بأن التجارب الحياتيّة هي بمثابة الأصباغ والأحبار الحقيقيّة للفنان، من دونها يبدو مثل الطبل الأجوف. أي أنه بحاجة إلى المشاعر التي تُولّدها هذه التجارب، حاجته إلى المهارة الثقافيّة، والقدرات الاحترافيّة في استخدام أدوات التعبير.

تشد الفنان لقمان للحاسوب وشائج حب واحترام وتقدير وارتياح، لأنه يخدم فنه إلى أبعد حد، وكلما تطوّر هذا الجهاز، ازداد شغفه به، وولعه باستخدامه، لكن عملية استخدامه له في إنجاز العمل الفني محكومة بقوانين وأنظمة، وتراعي جملة من الخصائص منها:

المقاسات المعينة، والألوان المدروسة محددة الفصائل والدرجات، وهو شخصياً يمارس الفعل الإبداعي، ضمن طقس خاص، يتعانق فيه ضوء الشموع مع العتمة والموسيقى؛ طقس يأتي بعد مرحلة من التخمر العقلي، تُنسيه الزمان والمكان، ليرحل بعدها في تفاصيل الذاكرة والطفولة.

كي تتلبسه الحالة التعبيريّة المطلوبة التي سرعان ما يُحضّر متطلبات تحقيقها في عمله الفني الذي يطمح لأن يكون متفرداً في حمولاته البصريّة، ودلالاته الفكريّة، بل يطمح إلى خلق نص بصري جديد معجون بـ«الزمكانيّة» الإماراتيّة المتفردة بجملة من الخصائص: الاجتماعيّة والتراثيّة والبيئيّة.

أعمال

تمخضت تجارب الفنان جلال لقمان عن مجموعة كبيرة من الأعمال الفنيّة المنفذة بخامات ومواد عديدة، أخذت طريقها إلى عدد من المعارض الفرديّة والجماعيّة منها: معرض حمل عنوان (إلهام من نور) اشتغل فيه على المضمون أكثر من الشكل، وآخر حمل عنوان (ضد التيار) ضمنه عملاً مجسماً دعاه (العملاق الخفي) عرضه ضمن فضاء مدروس من حيث توافق كتلته والفراغ المحيط بها.

وعلاقة الظلال بالأضواء المبعثرة فوق سطوحها، الأمر الذي صعّد من قيمة هذا العمل التشكيليّة والتعبيريّة.

عموماً، تحمل أعمال الفنان لقمان المسطحة والمجسمة حالة دائمة من التلون والانعطافات الأسلوبيّة، والتنوع التقاني، في استخدام المواد والخامات، لكنها موحدة الموضوع والأفكار والهواجس القائمة على نزعة البحث والتجديد الدائمين، المفتوحة على عوالم هي مزيج من مرجعيات واقعيّة ومتخيّلة، سبق أن تبدت في نتاج العديد من الفنانين أمثال: دافنشي، دورر، غويا، دالي، ليبش، زادكين، براك...

وغيرهم؛ أعمال يتكئ في تنفيذها على معطيات الحاسوب، وعلى الخبرات اليدويّة المكتسبة، بفعل الاطلاع والممارسة.

يُؤخذ على الفنان لقمان بعض التحويرات غير الموفقة للنسب التشريحيّة، كما في عمليه (مواطن الإدمان) و(المتهم). بالمقابل، قدم خلال مسيرته الفنيّة، استراحات رومانسيّة، أنيقة، تأنس إليها نفس المتلقي، كونها مبنيّة على رموز ومفردات الجمال الخالدة: المرأة، الطفولة، الطبيعة، ومنفذة بلغة واقعيّة واضحة.

بصر وبصيرة

يسعى الفنان جلال لقمان دوماً لأن تقوم أعماله الفنيّة المسطحة والمجسمة، بمشاغلة بصر المتلقي وبصيرته في آنٍ معاً، مؤكداً أنه في ضوء سمعته كواحد من الفنانين الإماراتيين الأكثر استفزازاً وإثارةً للتفكير، يتحدى باستمرار تجارب الآخرين، من خلال طبيعة الموضوع الذي يختاره.

وطريقة التعبير عنه. فقد جمع في منجزه الفني بين الوسائل التقليديّة وقدرات الحاسوب التصميميّة. من ذلك قيامه باستخدام بعض أنواع الحواسيب في تصميم أعماله المجسمة، ثم تنفيذها في أرض الواقع، بوساطة وسائل أخرى.

ولضمان نجاح عملية التصميم، يستخدم رسوماً رقميّة مأخوذة من تسعة برامج مختلفة، يقوم بعدها بتجسيدها بالمعدن المطروق والملفوف، مستفيداً من قيم وخصائص النحت العالمي، ولا سيّما القوطي منه، وهو يحرص على حقن أعماله بدفق تعبيري عميق الدلالة، يتوجه به مباشرة إلى روح المتلقي ومشاعره، عبر أطروحات بصريّة غريبة ومدهشة، قادرة على جذب عين المتلقي إليها، ثم التغلغل في بصيرته.

ورجّ مخزون ذاكرته الفكري والبصري، لمشاركة بصره في متعة تلقي هذه الأطروحة، ذلك لأن الحكم الجمالي على الأثر الفني، لا ينبع من العقل، ولا من التأمل الحسي، بل ينبع من المشاركة الحرة بين العقل والخيال. على هذا الأساس، يمكن القول إن الفنان الحقيقي هو الذي يُبصر بخياله، ويفكّر ببصيرته.

علاقة

حول علاقة لقمان بالمكان، يقول: إنها تعتمد على موقعه في الجغرافيّة العالميّة، ومكانه على الكرة الأرضيّة، لأن الموقع يُحدد طبيعة المكان ومناخه وألوانه وشكل الغيوم التي تمر فوقه. ففي كل مكان يمكن أن نرى السماء، لكن سماء كل بلد تختلف عن الأخرى. بتعبير آخر: لكل مدينة سماؤها التي تخصها. أحياناً تبدو غارقة بالسحب، وأحياناً أخرى تبدو واسعة، صافية، يعانقها بحر رؤوم كما في الإمارات.

كل هذا يُؤثر في الفنان، ويصوغ شكل علاقته بالمكان. ويرى الفنان لقمان أن حضور المدينة مهم في حياة المبدع، لأن الناس هم شخوص اللوحة، فالصورة التي يلتقطها في أبوظبي، تختلف عن تلك التي يلتقطها في خورفكان، أو في شركة بترول. الجو العام للصورة يختلف من مكان إلى آخر.

تعليقات

تعليقات