95 عاماً على رحيل رمز التجديد في الأغنية العربية

سيد درويش..ملهم المبدعين

«بلادي، بلادي، بلادي لك حبي وفؤادي»، «زوروني كل سنة مرة»، «أنا هويت» و«الحلوة دي».. تطوف هذه المؤلفات الغنائية الشعبية في الذاكرة الثقافية العربية والكونية دون أن تمل منها، كأنها جزء من رسالة خالدة، إلا أنها في مثل هذا اليوم 10 سبتمبر من كل عام"توفي في 1923 "، تصدح مذكرة إيانا بيوم رحيل مؤلفها سيد درويش أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى العربية، والعلامة الفارقة في تاريخها. وهو رغم مرور تلك السنوات لا يزال ملهماً للمبدعين وأيقونة خالدة لا يخفت بريقها.

والحقيقة أنه لا يوجد في حياتنا ما يظل أكثر تأثيراً في الذاكرة من الموسيقى، آراؤنا تتفاوت بشأنها، أذواقنا، أمزجتنا، وجهات نظرنا تختلف، وكذلك تتنوع قيمنا الأخلاقية تجاهها، لكن الموسيقى تبقى ذلك الاختراع الإنساني الشاهد على وجودنا الحي.

عبقرية

نتذكر اليوم سيد درويش، بعد قرابة القرن من رحيل" اليوم ذكرى رحيله الـ95"، عبقرية لا يمكن مقارنتها بعبقرية القرن الحادي والعشرين الموسيقية المبنية على تناغم المتنافر في كل شيء، في الوقت الذي استطاعت فيه موسيقاه أن تقود إلى تناغم مجتمعي فريد.

ونتذكر هذا الاسم في الوقت الذي لا تعبر فيه الموسيقى عن جهد سوى جهد الآلة التي تتحكم في كل شيء، دون أن يكون لنا يد بوصف الإبداع موهبة إنسانية خالصة. والواقع هو أن المقاربة بين الأمس واليوم تبيت مستحيلة ولن تكون مقبولة في عالم الموسيقى، بين موسيقانا وموسيقى سيد درويش.

وحيث إننا أمام هذا الاختلاف، فلربما قادنا السؤال عن درويش إلى الدخول في عالمه، ذاك العالم الرحب الذي كان الفن فيه من أجل الإنسانية، من أجل المجتمع، لأنه أهم ما نفتقده في حياتنا الراهنة الآن.. كيف استطاعت موسيقاه أن تتغلغل في بنية النسيج المجتمعي المصري، وأن تلغي الحواجز الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية، لتعلن ولادة ما يعرف بموسيقى الناس، موسيقى الشارع التي جعل منها سيد درويش فناً رفيعاً.

تراث

من أروع ما نتذكره في يوم رحيل درويش عن عالمنا ذلك التراث المادي وغير المادي الذي تركه سيد درويش وراءه ولم ينضب حتى الآن، وفي تصورنا أنه لم ينته البحث فيه بعد كذلك، وربما تخطت المطالبة تقليده أو فرضه في مرحلة لا يصلح لها، إلى الكشف عن جوانب غائبة من هذه العبقرية لم تكتشف بعد، يكون قائدنا فيها إبداعه الموسيقي.

من موروثه وفي ذكرى وفاته يستعيد الشارع ألحان روايات الفرق المسرحية في «شارع عماد الدين» وفرق جورج أبيض ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية، وغيرهم ممن ألّف لهم ووثّق علاقتهم بالناس. ولعل ما كان في اعتقاده هو أن الإبداع الحقيقي لابد من أن يكون إنسانياً في الأساس، ولهذا تمثلت في أعماله الموسيقية والغنائية أحلامهم وهمومهم وميولهم، كما انتقدت بعض سلوكياتهم السلبية.

مسرح الحياة

جسدت أعمال درويش الحياة كما لو أنها مسرح كبير تجري على خشبته أحداث المرحلة التي عاصرها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً. كما كانت فترة الاستعمار البريطاني لمصر من المراحل التي تجلت فيها الروح الوطنية في أعماله، وكان أثر علاقته ببعض الرموز الوطنية في ذلك الوقت واضحاً.

في الغرب لقي إبداعه الاهتمام قليلاً، حيث لم يزد على مزج بعض الإيقاعات الغربية بالموسيقى الكلاسيكية العربية، وكذلك تطوير بعض الآلات الموسيقية. وفي الشرق يعزى إليه تجديد وتحرير الموسيقى العربية من كلاسيكيتها الشديدة، وهو ما ينظر إليه كدعوة مفتوحة لتطوير الموسيقى على الدوام.

إلى جانب هذا الموروث فإن إبداعه يتم رصده اليوم في 260 عملاً غنائياً، و26 أوبريتاً وكلها تحمل نفساً إبداعياً معبراً عن حالة التجدد تلك في الموسيقى العربية التي تخلصت من طابعها الأجنبي «التركي» على وجه الخصوص، مثال ذلك مجموعة أوبريتات منها: «شهرزاد» وأوبريت «العشرة الطيبة» 1920، حيث حملت مضامينها رسائل إنسانية سامية تشد على يد الساقي والعامل والبناء والمرأة والجرسون والبائع.. إلخ، حياة وإن لم تكن سعيدة تماماً إلا أنها أسعدت من حولها.

ذلك هو درويش، في ذكرى رحيله، ترى، أين هو من النزعات التطويرية للموسيقى العربية في كليات ومعاهد ومؤسسات الموسيقى والثقافة، ما الذي ينبغي أن تقوله أو تفعله ولم تقله ولم تفعله في زمن لا موسيقى مقنعة؟

1892

ولد سيد درويش البحر في «كوم الدكة» في الإسكندرية (1892)، درس بالبداية في أحد الكتاتيب، ثم التحق بإحدى المدارس وكان مولعاً بدروس الموسيقى. سافر إلى الشام، حيث التقى فنانين كباراً في ذلك الحين، وتعرّف إلى الشاعر الملا عثمان الموصلي الذي علّمه التواشيح. عاد إلى القاهرة وبرز كأحد أهم ملحني روايات الفرق المسرحية المتميزة.

تعليقات

تعليقات