سعاد الحكيم.. مقالات في الذات تتأمل «المرأة والتصوف والحياة»

يمثّل كتاب «المرأة والتصوف والحياة» للدكتورة سعاد الحكيم مجموعة أبحاث ومحاضرات ومقالات في الصوفية والتصوف، نشرت بعضها في المجلات والدوريات العربية والغربية، فيما بعضها يُنشر للمرة الأولى.

موضوعات الكتاب يجمع بينها خيط واحد وإن بدت متعددة؛ بدأتها بعرض موجز لسيرتها الشخصية والعائلية، وما شهدته من انكسارات تجلت بموت الأب والعم وكلامها فيهما الذي يتجاوز الندب والرثاء إلى رؤى تأملية في الدين والموت والحياة، خطّتها مُستفيدة مما حصلته في دراستها عن التصوف، مقرنة الفكر بالسلوك.

تأخذ الباحثة أولى استلهاماتها الصوفية، فتخرج بسيرتها الذاتية عما يستوقف عادة كتاب السير من أحداث، عندما يسترجعونها متوقفين عند أبرز محطاتها، إلى مطارحات فكرية وفلسفية تُحدد من خلالها وجهتها في الحياة ليست كباحثة في التصوف إنما كشاهدة، لها دربة وخبرة حية في هذا المجال.

تتوزع الكتابَ أقسامٌ ثلاثة: تتناول في القسم الأول سيرتها الشخصية، فتبدأه بالحديث عن علاقتها بأبيها الذي عرف كيف يوجهها علمياً وروحياً، وكيف استطاع أن يُرسخ فيها قيما إسلامية راقية، تؤكد على التطهر وتصفية النفس، والعبودية لله وحده والمحبة للناس جميعاً، والقدرة على العفو والتسامح.

هذه العلاقة الوجدانية مع الوالد جعلتها تُدرك أن الإنسان لا يُقدر بماله وبالمراتب التي وصل إليها بل يُقدر بحجمه الروحاني.

بعد تلميحاتها الخاطفة إلى الوالد الذي أثّر في تربيتها تشير الباحثة إلى تدرجها في المدرسة، بدءاً من سنواتها الأولى حتى دخولها الجامعة، إلى أستاذها الذي حظيت بشرف إشرافه على دراستها حول فكر ابن عربي وكتاباته الصوفية، التي عكفت على قراءتها والغوص في ما تحمله من معانٍ وأبعاد، فكان لها ما تمنت، واستطاعت بعد جهد ومكابدة أن تلم بسيرته وفكره وأدبه.

وختام الفصل الأول كان «باقة ورد صوفية» جمعت فيها شذرات مما وصلت إليه في دراستها عن ابن عربي. وهي لم تكتف بإفراد ما تفتّقت عنه شطحاته الصوفية، وما انطوت عليه سيرته الحياتية، بل ما عاشته هي نفسها وما انطوى عليه سلوكها وما خبرته في هذه الحياة من تجارب؛ فكان ابن عربي الظل الذي وجّه خُطاها وشقّ لها الطريق، إذ علّمها أن تقرأ القرآن الكريم قراءة رباعية: تعبُّداً، وتعلُّماً، وتفكُّراً؛ بأن تحاول أن ترى آياته في تفاصيل حياتها.

أما القسم الثاني من كتابها «المرأة المسلمة.. أنموذج عالمي» فتتناول فيه بصورة خاطفة وسريعة خلاصة ما رسى عليه فكر قاسم أمين في كتابيه «المرأة الجديدة» و«تحرير المرأة»، حيث رأت أنّ ما يُقيّد المرأة المسلمة ويمنعها من الحركة والتقدّم والتحرر هو العادات والتقاليد، باعتبارهما العائق الحائل دون ممارستها لحرياتها وللحقوق التي أباحتها إياها الشريعة الإسلامية.

وعلى العكس منه يرى رشيد رضا أن النساء المسلمات بدأن يتجاوزن الشريعة وأحكامها تحت وطأة السطوة العربية والعادات الغربية... ويتلخص موقفه بأن المرأة المسلمة أخذت أكثر من حقوقها الشرعية.

من هاتين الرؤيتين المتناقضتين تنطلق الباحثة وتعرض تصورها للمرأة المسلمة؛ فترى في هذا الشأن أن الرجل - العالِم مُطالب، كما المرأة العالمة، بالاستناد إلى قراءة النصوص وفهمها في الدفاع عن حقوق النساء، بحيث يكون دفاعاً يمكنهنّ من صيانة وجودهن أمام اجتياحات العصور القادمة، وبإعادة تأصيل قضايا المرأة بناء على النصوص القدسية (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) وليس على اجتهادات فقهية واستنباطات فكريّة يُمكن إعادة النظر فيها على ضوء مُعطيات جديدة.

وتخص السيدة فاطمة الزهراء بعاجلة تأتي فيها على ذكر مزاياها ومكانتها، فتبحث في ملامح كمالها في الدين وفي الخلق، وبما امتازت به من فضائل وصفات حسنة.

ويشغل القسم الثالث الحيز الأكبر من صفحات الكتاب؛ فتبدأه بالحديث عن نظرة ابن عربي للمرأة، لتخلص إلى القول بأن ابن عربي تعامل مع المرأة على أنها مساوية للرجل في الإنسانية، مُفارقة له بالعَرَض... والأهم من ذلك أنه أرسى نهجاً يجمع بين العقل والقلب في استنباط الرؤى والأحكام.

تعليقات

تعليقات