في الذكرى العاشرة لـ «ابن المعلقة الأولى»

محمود درويش أثر الفراشة لا يزول

«خفيفةٌ روحي، وجسمي مُثقلٌ بالذكريات والمكان».. هكذا خط الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش يوماً، بعضاً من ذكرياته، في جداريته، التي قال فيها: «سأصير يوماً كرمة، فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن»، ومع جداريته، تتجلى الذكرى العاشرة لرحيله، حينما ودّع حروف الشعر، تاركاً فنجان قهوته وحيداً، وأوراق قصائده، التي حوّلته إلى أيقونة تجاوزت حدود بلده فلسطين نحو فضاء المنطقة العربية، بعد أن سجّل في دفتر شعره أن «سجّل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألف».

10 سنوات مضت على رحيل درويش (09. 08. 2008)، ولا يزال «أثر الفراشة لا يزول»، ذلك البيت الذي عُلّق في أحد جنبات متحفه الواقع في حديقة البروة بمدينة رام الله الفلسطينية، حيث توجد كل متعلقاته، ومعلقاته الشعرية، التي تُبرز الأهمية التي يحظى بها الراحل درويش في دوحة الشعر العربي، وهو الذي صنع نجوميته الخاصة، وفرض كاريزما شخصيته على الأرض، مؤثراً في أبناء جيله واللاحقين لهم حتى يومنا، فتحولت أبيات شعره إلى حِكَم يتداولها عشاقه، ممن آمنوا بأنه «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

لغة أدبية عالية، امتازت بها قصائد درويش الذي طالما تغنى بأنه "ابن المعلقة الأولى"، إذ مرت بـ«أحمد الزعتر» وحطت أبياتها في «بيروت»، وارتشفت بعضاً من «مياه النيل»، ليحط طائرها بدمشق، عندما كتب لها «يطير الحمام.. يحط الحمام»، ليرسم بصمت فلسطين في «جدارية» طويلة، ويواجه والده بسؤال كبير:

«لماذا تركت الحصان وحيداً؟

لكي يؤنس البيت، يا ولدي،

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها».

في ذكراه العاشرة، يغيب درويش، ولكن بيته أو متحفه، لم يمت، ففي الأمس، ضجّت جدرانه بأمسية نظمتها مؤسسة محمود درويش، تجلّت فيها الموسيقى وصوت ابنة موطنه سناء موسى، التي أطلقت العنان لشعره، ذاك الذي ترنم فيه اللبناني مارسيل خليفة، بعد أن مزجه بموسيقى عوده. في ذكراه العاشرة، يطل «الثلاثي جبران» بمقطوعاتهم الموسيقية التي جمعوا فيها بين أعواد ثلاثة، تأثرت أوتارها بكلمات درويش الذي وقف «في الظل» يراقبها، ويبتسم.

«شاعر الإنسانية» لقب آثر بعض الشعراء العرب أن يطلقوه على الراحل درويش بدلاً من لقبه «شاعر القضية الفلسطينية»، لإيمانهم بما قام به من تجديد لقيمة الشعر العربي، فهو الذي حافظ على تقاليد القصيدة وأسرارها، وهو الذي قدّم نموذجاً فريداً على المستوى الجمالي في الحداثة الشعرية، ونموذجاً إنسانياً جميلاً، حوّله إلى أشبه بـ«بوصلة» ظلّت صنارتها تشير على الدوام إلى فلسطين.

ورغم مضي 10 سنوات على رحيل صاحب مجموعة «ورد أقل»، فإن طيفه لا يزال حاضراً على الأرض، وهو الذي اختارته الموسوعة الشعرية في دار الكتب بدائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، شخصية العام الجاري، لما يتميز به من حضور راسخ في وجدان العالم العربي.

 

سيد محمود لـ«البيان»: ملف متكامل عن حياة الشاعر الراحل في مصر

«أنا ابن النيل وهذا الاسم يكفيني».. وثائق وحكايات

أكد الكاتب الصحفي سيد محمود، لـ«البيان»، والذي تولى الإشراف على ملف مجلة الأهرام العربي في مصر الذي ينشر اليوم بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش ويتضمن أسراراً ووثائق نادرة عن الشاعر تنشر للمرة الأولى، أن هذه الوثائق الجديدة مضمنة في ملف بعنوان «محمود درويش.. أنا ابن النيل وهذا الاسم يكفيني»، المأخوذ عن قصيدة كتبها درويش، عن مصر بعد استقراره في القاهرة، وأشار محمود لـ«البيان» إلى أن إعداد الملف استغرق منه أكثر من 3 سنوات قضاها بين أروقة أقسام الأرشيف في مؤسستي الأهرام ودار الهلال، وبعض المؤسسات في لبنان.

وأوضح أن الملف يقع في 42 صفحة، ويتضمن وثيقة تنشر للمرة الأولى لتعيين الراحل في مؤسسة الأهرام عام 1971 بتعليمات من الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، وتحديدًا في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الذي تم تأسيسه في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مبيناً أنه قضى أياماً طويلة في أرشيف إدارة شؤون الإعلامين بالأهرام، يبحث عن قرار تعيين درويش، لا سيما وأنه يحمل الجنسية الفلسطينية ولم يكن لديه ملف تأمينات فى الأهرام وهو ما زاد من صعوبة مهمة الوصول إلى وثيقة التحاقه بالأهرام.

تسويات

سيد محمود أشار في حديثه إلى أن وجود وثائق خاصة بالتسويات المالية لمحمود درويش في الأهرام، والراتب الذي كان يتحصل عليه نظير عمله في القسم الأدبي والسُّلف التي كان يحصل عليها، إلى جانب تنقلاته داخل الأهرام من مركز الدراسات إلى الصفحة الأدبية، ومجلة الطليعة، وسفره بعدها إلى بيروت. ووفقاً لـ«محمود» يتضمن ملف درويش إشارة واضحة إلى فترة عمله مستشاراً في إذاعة «صوت العرب»، على عكس ما يشاع أنه كان يعمل في مؤسسة «دار الهلال» قبل التحاقه بالأهرام.

وقال: «الحقيقة أنه لم يكن يعمل فيها بشكل منتظم وإنما كان ينشر أعماله بشكل ودي للعلاقة القوية التي كانت تربطه بأحمد بهاء الدين، رئيس تحرير مجلة المصور آنذاك، والتي يمكنها وصفها بأنها كانت رعاية من بهاء الدين لدرويش أكثر منها علاقة عمل»، مبيناً في الوقت نفسه أن الملف يتضمن أيضاً مقالًا بقلم بهاء الدين يتناول فيه أول لقاء جمعه مع درويش في العاصمة الروسية موسكو.

رحلة

وأشار محمود إلى أن الملف يتضمن أيضاً لقاءً مع وزير الإعلام المصري الأسبق محمد فايق، يكشف فيه عن كواليس وأسباب استدعاء مصر لدرويش من موسكو، بعد المنحة التي حصل عليها، وصور خاصة من المؤتمر الصحفي الذي عقده عقب وصوله القاهرة في مبنى الإذاعة والتلفزيون، بعد أن تم ترتيب رحلة له استمرت لمدة أسبوع لأحد المدارس في محافظة أسوان.

وبين أن الملف يتضمن إشارة إلى طبيعة العلاقة بين درويش والوسط الثقافي، وأقرب أصدقائه، وهل كان جزءاً من السياق الأدبي، مشيراً إلى أن ما أشيع عن أنه كان مترفعاً ومنعزلاً عن الوسط الثقافي، غير صحيح أبداً.

وتابع: «بعيداً عن الوثائق النادرة والقصائد وتتبع أيامه في القاهرة، يتضمن الملف تحقيقاً شارك فيه رفاق للشاعر الراحل، من بينهم السياسي الفلسطيني مروان كنفاني، والصحفي الفلسطيني نبيل درويش، المدير السابق لإذاعة مونت كارلو في القاهرة، والكاتبة منى أنيس المحرر العام لدار الشروق، بالإضافة إلى توثيق بعض القصائد والمقالات، التي نشرها درويش في مصر ولم تجمع أبداً في أي من مؤلفاته النثرية».

 

كلمة عنه وعن يده التي لوحت بالغياب

لو كان هنا، اليوم، الآن..

لو كان..!

مع غفوة النهار وخلود الأرواح، التي تعلقت بك عمرها كله، إلى النوم.. غفوت مع آخر حرف في السطر، مسنداً رأسك على ريش المعنى الأزلي لوجودك، وغبت تاركاً دفتر الفقد مفتوحاً على كلمةٍ أخرى تقلب كل ما سلف من معنى.

مضيت مشفوعاً بعجز الكلام عن البوح، وتركت لنا مهمة رثائك؛ مهمة ترحيل الأسى من أبياتك إلى دفتر الحزن الجديد، الذي افتتحته برحيلك..

ولا نملك إلا حسرة أخرى:

لو كان هنا، اليوم، الآن..

لو كان.. لرثاك!

موتك، كما حياتك وإنجازك، ليس كتاباً واحداً نقرأه فنفرغ منه؛ ليس له معنى واحد فنوْدعه في جملة أو ورقة نعي؛ ولا نهاية لرحيلك الطويل لنشيعك بباقة من الأحرف، برزمة من الكلمات، أو بفيض من المعاني..!

موتك، كما حياتك وإنجازك، لغة تصعب على الاكتساب، غير قابلة للاعتياد، ورثاؤك مرير لا يستقيم نصه بلا مقلٍ دامعة، ولا ينتهي إلا بالتئام حروفه في كلمة جامعة. وكان غيرنا أكثر اقتداراً على رثائك، أحق به لولا خدعة تتابع الأزمان.

ولو كان هنا، اليوم، الآن..

لو كان.. لرثاك!

كنت طفلاً.. وقف أمام جدار المستحيل ورماه بحرف تلو الحرف!

هدمه بكلمة.

أعاد بناءه على وزن قافية الروح؛ ثم هدمه بجملة.

ووضعتنا أمام الحقيقة: نحن كنا أنت.. وأنت كنت لغتنا، وشقيقنا «ابن المعلقة الأولى»، ودليلنا المدرسي إلى الشغف بالمعاني، والفرق بين الحرف والحرف، وبهجة الحياة ولسعة الموت!

ولو كان هنا، اليوم، الآن..

لو كان.. لرثاك

علمتنا، بعد أن رحلت شاباً متألقاً مع نظرة أسيانة في عينين مسهدتين، أن الشعراء لا يرحلون فجأة، ولكنهم يغطون انسحابهم برشقة من شقائق الغفلة والسهو، ليضعونا بغتة أمام مهمة رثائهم.

.. وكان غيرنا، لولا خدعة تتابع الأزمان، أقدر وأحق برثائك.

ولو كان هنا، اليوم، الآن..

لو كان بيننا المتنبي.. لأوفاك الرثاء!!

 بقلم: ياسر قبيلات

تعليقات

تعليقات