أعمال خبراء الآثار في «الثقافة والسياحة» توفر معلومات غنية

العين.. حاضرة تنبض ببراعة الأجداد ولآلئ التاريخ

لطالما كشفت عمليات التنقيب الأثرية في الدولة عن تاريخ غني يمتد لآلاف السنين، ويسود اعتقاد بأن الظروف المناخية الصعبة دفعت سكان المنطقة الأصليين إلى الارتحال من مكانٍ لآخر مع تغير المناخ أو العثور على موارد جديدة.

غير أن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة يتمثّل في العين، ثاني أكبر منطقة في إمارة أبوظبي؛ حيث يشير خبراء الآثار في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، إلى أن مجموعة الموارد الفريدة وبراعة الأسلاف في التكيف مع البيئة المحيطة في هذه المنطقة تؤكد أن العين كانت مأهولة بالسكان منذ العصر البرونزي إلى العصر الحديث، ولهذا تعتبر العين واحداً من أقدم الأماكن المأهولة بالسكان بشكل مستمر في العالم، فقد شجعت الواحات والمواقع الفريدة في العين على أن تكون مأهولة طوال العصور الرئيسية من تاريخ الإمارات. وهذا ما يجعل من تاريخ وحجم ومدى اتساع المواقع الأثرية في العين فريداً بين المواقع المعروفة في الإمارات والمنطقة.

وقال محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي: «أدرك الوالد المؤسس للدولة، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أهمية فهم هذا الماضي العريق وشجع عمليات التنقيب في العين منذ ستينيات القرن الماضي. وقد أثبتت الاكتشافات التي توصل إليها فريقنا من خبراء الآثار توافر تفاصيل مذهلة عن أسلافنا الأوائل وأنماط حياتهم ومرونتهم وبراعتهم في التكيف مع بيئتهم المحيطة. ونأمل أن تكون هذه المعلومات الغنية عن تاريخنا وثقافتنا مصدر إلهامٍ ومعرفةٍ للجميع، خصوصاً للأجيال الناشئة التي تحتاج إلى تعميق معرفتها وتقديرها لأسلافها».

ثراء

وفرت العين مشهداً غنياً بالفرص؛ حيث وظّف سكانهم معرفتهم العميقة بالبيئة لتنمية المحاصيل وتشييد المباني، قبل أن يتطور الأمر لاحقاً إلى استخراج النحاس والأحجار من الجبال المجاورة.

وكان النحاس هو عصب العصر البرونزي، فقد كان باهظ الثمن وتحتاجه المجتمعات البشرية المتنامية عبر أنحاء العالم القديم المعروف آنذاك. وقد تم استخراجه ومعالجته في العين ليتم نقله بعدها على شكل سبائك إلى الساحل عبر الطرق التجارية التي تكونت سابقاً خلال العصر الحجري الحديث.

وبفضل معرفتهم الجيدة بالبحر، أسس روّاد العصر البرونزي ميناءً تجارياً على جزيرة أم النار بالقرب من الموقع الحالي لمدينة أبوظبي. وقد أصبح هذا الميناء مركزاً للتجارة العالمية وامتداداً للتقاليد التي بدأها الأسلاف خلال العصر الحجري الحديث في المستوطنات الساحلية مثل جزيرة مروّح قبل آلاف السنين، والتي حافظت عليها أبوظبي حتى اليوم.

مع الازدهار الاقتصادي، شُيدت أبراج محصنة من الطوب باستخدام الطين الذي كان منتشراً بكثرة حول العين. وقد تم استكشاف العديد من هذه الأبراج على يد خبراء الآثار في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي وبعثات أجنبية أخرى، وتتكون الأبراج عموماً من غرف عدة تتوسطها آبار مياه، كما أقيمت مدافن كبيرة فوق سطح الأرض يمكن رؤيتها حتى اليوم.

أحد هذه الأبراج يسمى «هيلي 8»، وهو دليل على انتشار الزراعات الأولى في البلاد قبل نحو 5 آلاف عام، وقد اكتشف من قبل آثاري فرنسي في ثمانينات القرن الماضي، وكشف العمل المتواصل لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي في هذا الموقع مزيداً من الأدلة والبراهين على نشوء تلك المستوطنة الزراعية المبكرة.

وفي العصر البرونزي دأب سكان العين على استخدام النحاس المستخرج من الجبال المجاورة في صنع الأسلحة والأدوات الزراعية اللازمة لتوفير الحماية والازدهار. وقد عُثر على بعض هذه المصنوعات المدهشة في موقع القطارة بالعين، كما أسفرت عمليات التنقيب في مدفن قديم يتراوح تاريخه بين 3000 و4000 عام، عن اكتشاف العشرات من الأسلحة المعدنية التي تدل على مستوى فريد من البراعة والإتقان قياساً بذلك العصر.

ومع نهاية العصر البرونزي قبل نحو 3000 عام، كان أهالي العين قد نجحوا في إرساء أسس حياة مزدهرة ضمن بيئة غنية بالواحات.

لم تقف مراحل التطور عند ذلك الحد؛ فخلال العصر الحديدي الذي بدأ قبل نحو 3000 عام تقريباً، أدى ابتكار نظام ري «الفلج» إلى توسع المناطق الزراعية بوتيرة سريعة عبر جميع أنحاء منطقة العين.

لم يكن ابتكار هذا النظام وليد اللحظة بطبيعة الحال، وإنما جاء نتيجة معارف تناقلتها الأجيال حول كيفية تحديد أماكن وجود المياه، وأساليب حفر القنوات بشكل آمن، وسبل الاستفادة من الفصول لتنمية المحاصيل الزراعية. وكانت صناعة البرونز المتقدمة حينها عاملاً مساعداً لإنتاج الأدوات اللازمة لحفر الأفلاج والعمل في الحقول. ويشكل نظام «الفلج» في مدينة العين وأماكن أخرى في الدولة أقدم دليل معروف على استخدام هذه التقنية في المنطقة قبل أي مكان آخر في العالم.

وأفضى ابتكار «الفلج» إلى نشوء عدد كبير من القرى والتجمعات حول العين وإلى الشمال منها في منطقة بدع بنت سعود، ولا تزال بعض هذه القرى، مثل هيلي 2، بحالة جيدة حتى الآن. ويعتبر تشابه الأسلوب المعماري لتلك الفترة مع منازل تم بناؤها قبل عقود قليلة فقط، دليلاً واضحاً على استمرار المجتمعات والأدوات التي بدأت منذ العصر الحديدي حتى يومنا الحالي.

وحافظ نظام الري بالأفلاج على بقاء واحة العين لقرون طويلة وصولاً إلى العصر الإسلامي. وقد كشفت عمليات التنقيب التي قام بها خبراء الآثار في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي بالقرب من الموقع الحالي لجامع الشيخ خليفة الجديد، عن وجود نظام أفلاج واسع النطاق يعود إلى الفترة الإسلامية الأولى قبل نحو 1300 عام، وهو مرتبط بمسجدٍ قد يكون الأقدم في البلاد.

وما من دليل أوضح على استمرارية الحياة في هذه المنطقة من نتائج العمل الذي قامت به دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي في بيت بن عاتي بواحة القطارة، حيث أدت الدراسات التي أجريت حول هذا المبنى التاريخي إلى الكشف عن طبقات تاريخية تمتد إلى العصر الحديدي.

تركز الدراسات الحالية التي يجريها خبراء الآثار في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي على فهم كيف ولماذا أصبحت واحات العين مهمة، من خلال فهم عصر ما قبل ظهور الزراعة قبل 5000 عام مضت، فخلال العصر الحجري الحديث كان السكان رحّلاً ويعيشون في عدة مواقع بشكل موسمي، حيث وفرت لهم الينابيع والمروج الموجودة عند أطراف جبل حفيت المكان الأمثل للتخييم مع مواشيهم وصيد الغزلان البرية وغيرها من الحيوانات. كما كانوا يخيمون في المناطق التي توجد فيها بحيرات المياه العذبة في الصحراء حول منطقة اليحر، على سبيل المثال، عند أطراف العين.

وقد بيّنت المكتشفات الأثرية التي عثر عليها الخبراء في مناطق أخرى أن أفراد تلك الجماعات كانوا يتمتعون ببنية جسدية قوية مكّنتهم ليس فقط من البقاء على قيد الحياة، وإنما أيضاً من الازدهار بفضل استخدام الموارد الغنية التي كانت متاحةً لهم.

وقال بيتر ماجيه، رئيس قسم الآثار في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي: «يمكن تأريخ الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في هذه المواقع إلى نحو 8000 عام مضت، وفق نتائج اختبارات الكربون المشع في مواقع أخرى من الدولة. بعض أنواع الأدوات التي تم العثور عليها في منطقة اليحر قد يعود إلى فترة أقدم».

إضافة إلى الغذاء، وفرت هذه البيئة لقاطنيها شيئاً أهم بكثير: وهو المعرفة. ففي ترحالهم، كانوا يدركون أحوال الطقس، وأماكن وجود المياه والينابيع، ومواقع استخراج المعادن المختلفة، ودور الفصول المتعاقبة في توفير مجموعة غنية ومتنوعة من الموارد. وكانت هذه المهارات والمعرفة اللبنات التي تأسست عليها ثقافة الواحات.

ومع أن مناطق أثرية أخرى في البلاد تنامت أهميتها لاحقاً مثل مدينة مليحة في الشارقة التي ازدهرت قبل نحو 2000 عام، إلا أن العين تكتنز في طياتها الكثير من الأدلة على وجودٍ بشري مستمرٍ منذ عصر ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا، ما دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» إلى اختيار العين لتكون أول موقع إماراتي يتم إدراجه على لائحة التراث العالمي في عام 2011.

تعليقات

تعليقات