«النهر» رواية تحول النيل إلى مخلوق مفعم بالوعي

رواية «النهر» لمؤلفها السيد فهيم مروية بكاملها على لسان نهر النيل كمخلوق مفعم بالوعي، تخييلاً ومسايرة للمعتقدات التراثية عند قدامى سكان وادي النيل، وهي اعتقادات سجلتها النقوش الكتابية والتصويرية بمصر وشمال السودان، كما أنّ الحكايات الشعبية لا تزال تمنح للنيل وعياً وإحساساً.

دورة حياة

يرتب السيد فهيم روايته هذه على ثلاثة أقسام، يسميها «عشق» و «آنين» و «قدر»، وقد تعنونت الفصول على أسماء الشخصيات الرئيسية، وتدور الحياة المعروضة حول طبائع وسلوك الناس المتداخلة في رقعة مجاورة للنيل، الزمن لا يتجاوز السنوات العشر، وعناصر الحياة ألأساس هي ماء النهر والطين المترسب منه والشمس والهواء والأسماك والمزروعات البر وبهائمه.

تنعقد علاقة حبّ بين «بدر وفياض» يتعاطف معها «حابي» روح النهر، لكن التعقيد يحرم المحبين من بعضهما.

«مضت أيام معدودات، تهيأت بدر فارتدت ثوباً بهيّاً لونه أحمر قانٍ، محتشم، رغم بهائه، اكتملت الأم وابنتها وسترتا خصلات الشعر بشال كبير، الأم شالها أسود اللون، والعروس تتوجت بشال وردي، زاد من بهاء وجهها المشرق، أمّا حماد، فقد ارتدى جلباباً أبيض وصديرياً رمادي اللون، ولفّ رأسه بشال أبيض على الطريقة الصعيدية، وانتعل بلغة قاسية بنية اللون، وجلس على المصطبة أمام الفاخورة في انتظار الضيوف»، ويختلفون في أين ستسكن البنت ؟ هل ستسكن حيث يسكن زوجها على مركب صغير، أم أنّه يبني لها داراً، كما يقول أبوها، وهنا يتدخل أبو الولد ليقول: «احنا رزقنا في البحر يا ريس، ودي عيشتنا وعيشة أهلنا أبا عن جدّ»، وينتهي النقاش، بقول أبيها: «أمّا حكاية البحر وسكن المراكب دي ما لناش فيها».

تفاصيل

هنا انتفض رزق واقفاً، وقد تهيأ للرحيل، بينما تسمّر فياض في مجلسه، لقد ارتدى بنطلوناً من الجينز الأزرق، وقميصاً من ذات اللون مخطط بخطوط طولية بلون زهري لطيف، وارتدى حذاءً جلدياً أسود، اشتراه خصيصاً لهذه الزيارة، وانتهى اللقاء، بصدمة كبيرة لفياض، والبنت بدر فيما بعد، هنا يتدخل فتح الله ابن تاجر المواشي، وهو شاب في الثلاثين، يرتدي جلباباً أبيض على صدرية من ذات اللون، مصنوعاً من الدبلان ومطرزاً بخطوط طولية فضية، وأزراراَ دقيقة من الصوف عريض الصدر، مستقيم القد، متوسط الطول، فيه مسحة من الوسامة لكن ينقصها الاهتمام، وخارج الفاخورة فقد تمّ كلّ شيء بهدوء وسرعة، اتفقوا على تفاصيل الزواج من مهر وشبكة وجهاز وغيره، وحددوا موعد كتب الكتاب والدخلة، وقرئت الفاتحة، ودوّت الزغاريد من قلب الفاخورة.

الأسطورة

فياض اعتزل الدنيا، لم يعد يأبه بشيء، أو يشعر بأحد، كان يخشى أن ينظر إلى السماء فيطالعه البدر فيذكره بصورتها، بينما استسلمت بدر لأنامل أمّها وهي تزينها لعريسها فتح الله، وزفت إلى ابن تاجر المواشي، رحلت إلى دارها الجديدة، وحاول فياض أن ينتحر لكن حابي روح النهر أنقذته، كما تقول الأسطورة، لكن فتح الله لم يستطع أن يتزوج من بدر، وفي النهاية أخذ سكيناً وذبح حمامة لتنفجر قطرات الدماء الحارة صابغة المنديل بلونها الأرجواني. وأخُذت بدر إلى الذين يفكون السحر كي يفكوا عقدة المربوط بالأعمال السفلية، ونهاية القصة تطلَق بدر، وتتزوج من فياض و«يعيشون بثبات ونبات».

براعة

الجميل في هذه الرواية الصادرة عن دارالشركة السودانية للهاتف السيار «زين»، السودان، الخرطوم 2017، هو تدخل حابي، إله النهر، كما تقول الأساطير، في كلّ صغيرة وكبيرة، وفي كلّ عمل يقومون به، وقد برع الكاتب في مزجه الهادئ بين الرومانسية والواقعية والشاعرية اللغوية ببراعة، إنها رواية بحثية وتخيلية كاسبة، فقد سجّل لنا كاتبها أنّه قرأ واستفاد من عدة دراسات جادة حول وادي النيل قديماً، وقد أفلح في ذلك، وخاصة أنها مروية على لسان حابي، روح النهر، ليقول لنا في نهاية الرواية : " أنا أيضاً أؤمن بالسحر ، وأعتقد فيه ... ذلك السحر الذي ربط القلوب منذ الأزل ، سحر العشق الأبدي ... إنه سحر النهر ، الذي استمر مع الوجود ... وبغيره لا تستقيم الحياة ... سحر الحبّ ... ذلك الرباط المقدس " .

سيرة

السيد فهيم من مواليد محافظة الشرقية، بمصر، درس في جامعة القاهرة، وتخرج فيها، يحمل شهادة طب الأسنان، عضو اتحاد الكتّاب العرب، وله العديد من المسرحيات، حاز على جائزة الجمهورية في التأليف المسرحي ثلاث مرّات، وحاز على جائزة محمّد سلماوي للمسرح عام 2011 وعدة جوائز أخرى.

تعليقات

تعليقات