تاتانيا تولستايا نموذجاً

ضعف ومحدودية الترجمات يعوقان انتشار الأدب الروسي المعاصر

صورة

من الواقعية الإشتراكية إلى ما بعد البروسترويكا ينتقل الأدب الروسي بمهارة فائقة ليجد قارئ أدب الواقعية الإشتراكية نفسه، بعد سبعينيات القرن العشرين أمام نقلة تاريخية ثقافية حقيقية وليست مهمة فقط، ممثلة بأدب مرحلة ما بعد البروسترويكا، ولكنها حالة لم تنته ولا يمكن الوقوف عليها بلا «تشوش». وعلى الرغم من أن بعض النقاد قد اخترع لهذه الحالة اسماً مثل «أدب غرافومانيا» المتسم بسطحيته المرفوضة، إلا أن شيئاً من التدقيق في اختيار أعمال بعض الأسماء الأدبية، قد يحيل قارئ «ديستوفسكي» و«مكسيم جورجي» و«غوغول» وغيرهم إلى حالة إما من الرفض أو القبول للأدب الروسي المعاصر، على الرغم من أن إحدى مشكلاته الحقيقية هي أن فهم إنتاج الأدباء الروس المعاصرين لا ينقصه سوى وصوله إلى القارئ من خلال الترجمة التي تشكل في الوقت الراهن قصوراً ملموساً.

الواقعية السحرية

تعتبر الكاتبة الروسية «تاتيانا تولستايا» واحدة من أبرز كتاب روسيا المعاصرين، وتصنف ضمن مجموعة كتاب ما بعد البروسترويكا المجددين، وبالنسبة للنقاد فإن أهم ما يميز كتاباتها هو الواقعية في وصفها للحقبة السوفيتية وللوضع الراهن الثقافي والأخلاقي لروسيا ما بعد الإتحاد السوفيتي، وفيما يقارن إبداعها القصصي بإبداع أدباء روس أمثال «نابوكوف وتشيخوف» يقارن أيضا بإبداع عدد من كتاب «أميركا اللاتينية» المنتمين إلى تيار «الواقعية السحرية». غير أنها وكما يرى عدد من النقاد، على الرغم من أهميتها لم تترجم على نحو مرض، كما هو الحال بالنسبة للإنجليزية ولغات أخرى، ولم تقدم خارج بلادها لأكثر من عشرين سنة. وهذا العام صدرت مجموعتها القصصية «عوالم أثيرية» مارس 2018، عن دار «نوف» البريطانية، ترجمة «آنيا ميغدال».

عوالم أثيرية

تقدم مجموعة «عوالم أثيرية» القصصية وصفاً سريالياً تفصيلياً لتجربة مؤلفتها الشخصية أثناء إجرائها عملية تصحيح نظر تضطرها للبقاء في مكان قليل الإضاءة لمدة ثلاثة أشهر، غير أن ذلك لا يحول دونها ودون المقارنة الدقيقة للأمور ولو في خيالها. وترمز الأحداث التي تمر في ذهن شخصيتها الرئيسية إلى ما كان يحدث في «روسيا» ما قبل 1991 وما بعدها، وهي مصحوبة بتعليقات اقرب إلى لغة حادة كالموسى بدلا من لغة أشعة الليزر الرقيقة، وعلى حد تعبير المؤلفة «تتحول إلى وجهين متطابقين للحقيقة، ومصدر ملهم، وعالم أثيري، غامض يحتاج إلى شفرة سرية لفتحه، إنه ذلك الكتيب الذي يحتوي على عناوين أولئك الذين لا وجود لهم اليوم على الإطلاق (مرحلة انتهت) ولكنهم كانوا ومازال أثرهم في الذاكرة.

ومضات

على الرغم من عنوانها، إلا أن المشهد الذي تتحقق فيه الأحداث يتسع ليشمل أحداثاً يشارك فيها آخرون أيضا، هم أولئك المسكونين بهذه العوالم الأثيرية التي يحتوي عليها ويتضمن رؤيتها وملامح التحول التي تطرأ عليها واللحظات التي يرفع فيها الستار الحديدي ليكشف عما وراء الأشياء التي نراها عادية من خفايا. ومضات ربما أتت في أية لحظة وفي أية صورة، وهي تحدق في قطعة داكنة من الزجاج الأزرق اللون، لتلمح ظلال أولئك الذين رحلوا، وهي تتذكر صبحاً تبسم ثغره ليكتسي الكون بحلة بيضاء من الثلج، تسترجع حلماً لم يكتمل، تستمتع بمشاهدة سقف كنيسة رومانية أثرية مرصع بقطع الموزاييك القديمة، تتلهى بمراقبة ظل أحدهم ليتضح فيما بعد أنه لسائح يقذف بقطعة من النقود في صندوق الأمنيات، ولا شيء أكثر اكتمالاً من تلك العوالم الأثيرية.

انتصار الذاكرة

إلى هذا الحد تبدو تولستويا مشغولة بالماضي، والإحساس بالفقد، ولكن حفيدة الكاتب الراحل اليكسي تولتستوي تتحول هذه الصورة في ذهنها أحياناً إلى نقمة. إن الذاكرة حينما تعود بها إلى الماضي، يزورها طيف جارها المتوفى الذي دأبت على لقائه أثناء نزهة كان يقوم مع كلبه، عن هذه الأوقات تقول:

«بلى، إن ما لا تعرفونه عن تلك اللقاءات هو حميميتها، إنني أعرفها جيدا، أعرف تلك النبرة التي تجسد نبل المشاعر في صوت تناهى على سمعي قبل ما يقرب من خمسين أو مائة أو مائتي سنة من الآن ومازلت قادرة على التقاطها، كان يردد تلك الأسماء، أسماء كلابه بالترتيب».

والحقيقة أنها لحظة يتجلى فيها صدى انتصار «الذاكرة السردية» الفارقة بين الماضي والحاضر. نبرة تنم عن مشاعر الألم بفعل هذه الاسترجاعات للماضي في نبرة المؤلفة، إلا أنها تبدو غير مستسلمة لذلك تماماً، فهي مخلصة بشكل أكبر لإبداعها، وهي كذلك قوية المراس.

تعليقات

تعليقات