يرصد في أعماله الريف والبيوت القديمة

عبيد سرور فنان إماراتي شغوف بصون التراث

صورة

يعرف الفنان التشكيلي الإماراتي عبيد سرور بانحيازه إلى البيئة الشعبية الإماراتية، يبدو هذا الأمر جلياً في غالبية إنتاجه الفني المرتكز بشكل عام على الموضوعات الاجتماعية، لاسيما موضوع المرأة الإماراتية الشعبية بمظاهر حياتها اليومية المختلفة، كرعايتها لأطفالها، وإعدادها الطعام التقليدي. ويرصد في لوحاته أيضاً مشاهد الريف والبيوت القديمة، خاصةً البوابات والأبراج العتيقة التي تمثل طرازاً معمارياً عربياً وإسلامياً عريقاً ومتفرداً.

مزج الواقع بالخيال

الفنان سرور وفي معظم أعماله لا يتناول الموضوعات التراثية لبلاده بالحرفية الجامدة، وإنما يحرص على أن يمررها عبر روحه العاشقة لها، ويعجنها بأحاسيسه، مازجاً فيها الواقع بالخيال، والدلالة المباشرة بالرمز، والرؤية بالرؤى، الأمر الذي يمنح لوحته سمة واقعيّة متماهية بسورياليّة جميلة. يُشير الفنان عبيد سرور إلى أن مسقط رأسه رأس الخيمة تضم مناطق وأحياء سكنيّة قديمة ومهجورة، وهي غنية بكنوز بالغة الثراء الفني، موزعة على الزخارف الرائعة التي تحملها أبواب البيوت ونوافذها، وسطوح المشغولات اليدويّة المتعددة الوظائف والمهام، وهي في مجملها آية في الثراء الفني والدلالي، وتعكس قيماً اجتماعيّة وفنيّة هامة، لها جذورها الأصيلة الضاربة في عمق التاريخ .

العاشق الباحث

نتيجة لهذه الرؤية الوطنيّة العميقة لأهمية التراث وقيمه الفنيّة والرمزيّة، انشدّ الفنان عبيد سرور إليه. أحبه وتعلّق به، فعكف على البحث عنه ودراسته والتبصر بمفرداته الأصيلة المتفردة، ولأن الفنان سرور شعر بأهمية التراث، توجه بفنه إليه، لا لكي يصوره بحرفيّة وجمود الموثق، وإنما برؤية فنان أكاديمي معاصر، اطلع على اتجاهات وأساليب الفن الحديث، وخبر تقاناته، الأمر الذي قاده للوصول إلى صيغة تعبيريّة واقعيّة مشوبة بحسّ سوريالي، تبدت بجلاء في عملية جمعه بين الداخل والخارج من البيت الإماراتي التقليدي، وقيامه بترصيع وتطريز لوحاته برموز وإشارات أخذها من عناصر هذا البيت ومفرداته، ومن الزخارف والكتابات والرموز والإشارات التي تحملها سطوح الأدوات والمشغولات التي يستعملها إنسان هذا البيت في حياته اليوميّة.

يرسمها ليصونها

المتابع لتجربة الفنان عبيد سرور لا بد أن يُدهش من توجهه الصادق والمخلص والوفي للبيئة الشعبيّة الإماراتيّة التي يرى في موروثها هويته المحليّة، لذلك يقوم برسم هذه الهويّة بدافع الحفاظ عليها، وصوناً لها، ومنحها عمراً جديداً، وحياةً أطول وأمضى، ما يجعلها تستمر حتى بعد فنائه.

بمعنى أنه يسعى للخلود عبر تخليده للتراث الذي استحق بجدارة لقب (حارسه الأمين) بعد أن وهب حياته وفنه للحفاظ عليه وتسجيله في إبداعاته، عبر رؤية بصريّة تكتنز على الكثير من الجماليات التي لا تتعب ولا تشيخ، تماماً كعشقه لهذا التراث الذي ينهل منه موضوعات هذه الإبداعات بكثير من الحب والحميمية والصدق والعفويّة، سواءً في طريقة أخذه لها، أو في أسلوب معالجتها فنيّاً، الأمر الذي يكرس حالة من التوافق والانسجام بينه وبين فنه، من جهة، وبينه وبين موضوعات هذا الفن التي تتطلب لغة تعبيريّة مواكبة لتأخذ شكلها الصحيح فوق سطح المنجز الفني، لاسيما لناحية البساطة والتلقائية التي تعتبر من أبرز خصائص التراث الذي وجد في الأساس ليرد على البيئة، ويستنهض حالة من التوافق والانسجام بينها وبين إنسانها، سواءً على صعيد المناخ السائد، أو على صعيد الفكر والمعتقدات والعادات والتقاليد، وتماشياً مع الذائقة البصريّة الجمالية لهذا الإنسان التي يحرص الفنان سرور على الارتقاء بها، وتأصيلها، وربطها بموروثها الجمالي بإحكام وقوة، بعيداً عن أي نوع من الإبهار التقاني الاستعراضي الآني الذي غالباً ما يأتي بارداً وسطحياً وبلا مضمون.

قناعات ورؤى

وحتى لا يقع الفنان عبيد سرور بمطب هذا النوع من الفن العابث وغير المجدي أو المفيد، يتكئ على جملة من القناعات والرؤى منها: اعتقاده أن الفن رسالة تتعمق وتنضج وتتأكد وتُصبح فاعلة ومؤثرة عبر الممارسة. تبدأ من حدود الوطن والبيئة الأم التي تحتضن المشاعر والرؤى، لكنها تتخطى الحدود دوماً نحو البعد الإنساني الشامل، حيث تتواجد فيه مشاعر ورؤى مماثلة، تنبثق هي الأخرى من أرضها وموروثها.

ومنها أيضاً، شعوره بالمسؤولية للحفاظ على البيئة القائمة. بمعنى عدم إضافة ألوان تشوّه اللون الأصلي الذي ينطوي على ثراء تشكيلي باذخ؛ ذلك لأن المناظر المتاحة جميلة بترابها وخرابها، وبمسحة الزمن المرتسمة فوق ملامحها، كما أنها غنية بالتبدلات التي تطرأ عليها مع تغير أحوال المناخ، واختلاف الوقت. فالشيء نفسه يكون عند الغروب غيره عند الشروق، ما يوفر فرصة كبيرة أمام الفنان الباحث والمتمعن في المشهد لرصد هذا الاختلاف، بهدف توظيفه في عملية استيلاد جماليات جديدة ممتعة، ومنها أيضاً حرصه على العادات والتقاليد التي تمثل مصدراً إيحائياً فائق الغنى والإيحاء للمبدع، ولهذا فهي أمانة ووديعة يجب الحفاظ عليها بكل الوسائل المتاحة.

نزعة طفولية

تبرز لدى الفنان عبيد سرور نزعة تتسم بعفويّة تتقاطع مع رسوم الأطفال والفنانين الشعبيين، وهي ميزة يجب ألا تغادر إبداعات الفنان التشكيلي المعاصر، كي لا تتحول إلى معادلات رياضيّة، أو ركام بصري جامد، خالٍ من العاطفة، فقير بالأحاسيس.

تعليقات

تعليقات